علماء.. ومشايخ.. وطلاب الأزهر.. جنود علي الجبهة
الجمهورية ناقشت مع د. الحسيني حماد أستاذ التاريخ المعاصر بجامعة الأزهر دور علماء الأزهر ومشايخه في التعبئة الداخلية والعسكرية علي الجبهة لتحفيز المواطنين والجنود لتحقيق الانتصار العظيم في السادس من أكتوبر .
يوضح د. حماد أن قراءة تاريخ الأزهر الشريف جامعًا وجامعة لمعرفة دور علمائه في مختلف مناحي العمل الوطني يجده يزخر بالمواقف الوطنية الخالدة التي كان الأزهر فيها في مقدمة الأحداث ، وقد ضرب شيوخه وعلماؤه وطلابه أروع الأمثلة في الوطنية والتضحية بالمال والنفس في سبيل الدفاع عن كرامة البلاد، مبينا أن دور الأزهر وجهوده في تحقيق نصر أكتوبر المجيد عام 1973م تعتبر صفحة مضيئة في سجله الحافل بالمواقف والجهود والإسهامات الوطنية الخالدة منذ شموخ مآذنه في سماء العالم معلنة انبعاث فجر جديد في سماء العلوم والمعارف علي أرض مصر الطاهرة ، وقام علماؤه ومشايخه وطلابه بتقديم أرواحهم فداءا لتراب الوطن ، وكانوا في طليعة الجنود ، وظهر هذا الدور جليا في في بناء الجبهة الداخلية منذ نكسة عام 1967م وحتي تحقيق نصر أكتوبر العظيم عام 1973م وكان دورًا وطنيا باسلًا وراسخًا سجله التاريخ بمداد من ذهب.
.jpg)
ساهموا في بناء الجبهة الداخلية وشاركوا في تعبئة الرأي العالمي ضد المماراسات الإسرائيلية
تناول د. حماد الدور الذي قام به الأزهر الشريف وعلماؤه ومشايخه في بناء الجبهة الداخلية عقب النكسة في 67 موضحا أن بناء الجبهة الداخلية كان أمرا في غاية الأهمية حيث أدرك القائمون عغلي شؤون البلاد ضرورة القيام بأوولي الخطوات في تحقيق الانتصار ، وفي مقدمة الخطوات تعبئة وشحن الرأي الداخلي للقفز علي مشاعر الهزيمة التي وقعت في 1967 والتي تركت جراحا عائرة في نفوس كل مصري وعربي ، وهذه الخطوة لأهميتها جاءت قبل الاستعداد العسكري ، فبدون جنود أبطال ولا شعب لديه وعي بمخاطر الوضع وضرورة تغييره لن يتمكن من حماية الجبهة الداخلية من الاختراق ، وهذا الدور نجح فيه علماء الأزهر وطلابه ومشايخه ، حيث استطاعوا بناء الجبهة الداخلية وتعبئة الرأي العام في الأمة العربية والشعوب الإسلامية، بل وتعبئة الرأي العام في جميع أنحاء العالم وتحذيرهم من الخطر الصهيوني، كما قام علماء الأزهر الشريف بدور رئيسي في تبصير الشعوب العربية بمسئولياتها وإعدادها معنويا، ودعوتهم إلي الجهاد والتآزر، وأخذ مجمعُ البحوث الإسلامية تحت رئاسة شيخ الأزهر الشريف في عقد المؤتمرات لوضع الطرق المناسبة لتهيئة الشعوب العربية والإسلامية لمقاومة العدوان الإسرائيلي الغاشم، والتي كان أساسها إصلاح المجتمع وغرس القيم الدينية، والتأكيد علي أن الجهاد بالأنفس والأموال أصبح فرضًا عينًا علي كل قادرٍ من المسلمين، وأنه لا يجوز أن لعربي وطن التخلف عن هذا الواجب ، وأن هذا الواجب لا ينتهي إلا بعد تحرير الأرض والقدس الشريف ومسجدها الأقصي، وجميع الأراضي الإسلامية العربية التي احتلتها إسرائيل

د . الحسيني حماد : أعضاء مجمع البحوث الإسلامية تبرعوا برواتبهم دعما للمجهود الحربي
وبسؤاله عن الدعم الذي قدمه مشايخ الأزهر في مساندة الجيش المصري ، أاشر د. حماد أن مشايخ الأزهر لم يدخروا الأزهر جهدًا في تلك الفترة العصيبة من تاريخ البلاد قيامام بدورهم الوطني ، حيث عقد مجمع البحوث الإسلامية قبيل العدوان جلسة طارئة في 31 مايو 1967م أكد خلالها حق القيادة المصرية في الدفاع عن سيادتها علي مياهها في خليج العقبة، وعن حقوق الأمة العربية، ومبادرتها لصد العدوان الصهيوني، وقد صدر بيان من المجمع للمسلمين في جميع أنحاء العالم يبصرهم بمسئولياتهم، ويدعوهم إلي الجهاد والمؤازرة، ويحذرهم من التخلف، أو التعاون مع الأعداء ، وبعد اندلاع الحرب والوقوف علي حقيقة الأوضاع أدرك علماء الأزهر من أعضاء مجمع البحوث الإسلامية ضرورة القيام بدورهم في نجدة وطنهم، فقرر أعضاؤه وضع إمكانياتهم البشرية والمادية والفكرية تحت تصرف الدولة وفي خدمة المعركة، وتأييد الرئيس جمال عبد الناصر في كل ما اتخذه ويتخذه من قرارات لمجابهة الموقف، كما قرر أعضاء المجمع التبرع بكامل مرتباتهم عن شهر يونيو 1967م؛ إسهامًا منهم في خدمة المجهود الحربي.

علماء أسيا وأفريقيا وأوروبا قرروا من الجامع الأزهر دعم مصر
وتوضيحا لجهود علماء الأزهر في تهيئة المواطنين بمصر والوطن العربي لتخطي آثار هززيمة يونيو يكشف د. حماد أن علماء الأزهر حملوا علي عاتقهم ضرورة تخطي آثار الهزيمة والوصول بالبلاد إلي نصر يعوض المسلمين والعرب ما فقدوه ويسترد لهم كرامتهم، ورأوا أن المنطلق الصحيح لتحريك مشاعر الشعوب الإسلامية هو المنطلق الإسلامي، ذلك في الوقت الذي باتت فيه القيادة المصرية في أمَسّ الحاجة إلي الإفادة من مكانة الأزهر الشريف بين تلك الشعوب، حيث توجه الرئيس عبد الناصر إلي الأزهر يلوذ بعلمائه ليشحذ بهم الهمم والعزائم في مواجهة المعتدين، فتم عقد المؤتمر الرابع لمجمع البحوث الإسلامية في 6 أكتوبر1968م في رحاب الجامع الأزهر الشريف، حيث التقي علماء المجمع من آسيا، وأفريقيا، وأوروبا، وأعلن المؤتمر توصياته التي أكدت جميعها علي وجوب مقاومة العدوان، والحفاظ علي المقدسات بكل السُبُل، وقطع الدول الإسلامية لأي علاقة مع المحتل الغاشم، وتأييد أصحاب الحقوق لاسترداد حقوقهم بدعمهم ماديا وعسكريا، وضرورة المبادرة إلي تعبئة القوي الروحية وتعميق القيم الإسلامية في المدارس والمعاهد والجامعات والمساجد والقوات المسلحة، وفي كل وسائل النشر والإعلام، وحشد القوي في جميع المرافق والمصانع والمزارع استعدادًا لمواجهة احتمالات الموقف ، ولا شك أن توصيات المؤتمر قد آتت بثمارها المطلوبة، وقد كان لها أثر كبير في تطلع الشباب تطلعًا واعيا يجمع بين عمق الإيمان ووضوح الرؤية وسلامة الاستعداد والتنظيم، وقد تمثل ذلك في إقبالهم علي الالتحاق بالكليات العسكرية ومعسكرات التدريب وتدريبات الدفاع المدني.
الشيخ الفحام أعلن إنشاء صندوق الجهاد لرعاية عائلات الشهداء
تطرقنا لقرار الأزهر بإنشاء صندوق الجهاد حيث أوضح د. حماد أن مجمع البحوث الإسلامية قرر في جلسته التي عقدت في 19 رمضان 1390هـ / 18 نوفمبر 1970م إنشاء صندوق باسم «صندوق الجهاد»، علي أن يتبع جمعية باسم «جمعية مجمع البحوث الإسلامية لصندوق الجهاد»؛ تتكون من أعضاء المجلس تحت رئاسة فضيلة الشيخ محمد الفحام شيخ الأزهر الشريف رئيس المجمع، وكان الغرض من إنشائه هو الإنفاق علي المقاتلين والمجاهدين، وتمويل الكفاح الحربي للشعب الفلسطيني، ورعاية أسر المجاهدين والشهداء المحتاجين.
الرئيس السادات إلتقي بعلماء 40 دولة في رحاب الأزهر 1972
وعن دور الأزهر في تعبئة الرأي العام بالعالم الإسلامي في مساندة مصرقال د.حماد : إن مجمع البحوث الإسلامية قرر توسيع دائرة دعمه لمصر وحشد عزائم الدول الإسلامية لمجابهة العدوان الصهيوني فاجتمع علماء المسلمين الممثلون لخمس وثلاثين دولة من آسيا، وأفريقيا، وأوربا، وأمريكا اللاتينية؛ تلبية لدعوة مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف لعقد المؤتمر السادس في 26 مارس 1971م، وقد رفض المؤتمر أي حل لا يعيد الأرض المحتلة إلي العرب، وفي مقدمتها مدينة القدس بكاملها، سيادة وإدارة، ورفض فكرة تدويل القدس بأي صورة من الصور، واستنكر استمرار إسرائيل في تغيير معالم القدس، والعدوان علي آثارها الدينية والتاريخية والحضارية، وطالب الأمم المتحدة بتنفيذ قراراتها المتعلقة بذلك، وردع إسرائيل عن المضي في جرائمها، وأوصي المؤتمر بجمع المخطوطات التي تؤرخ لبيت المقدس حيثما توجد، لتنشر نشرًا علميا يطلع عليه العالم وللتعرف علي التراث المقدس، وهو ما تم إقراره في المؤتمر السابع والذي عقد في 9 سبتمبر1972م، والذي حضره علماء أربعين دولة عربية وإسلامية من آسيا، وأفريقيا، وأوربا، وقد التقي الرئيس أنور السادات بأعضاء المؤتمر وأكد لهم أن « العالم الإسلامي يواجه معركة شرسة من جانب الصهيونية لا تستهدف العقيدة الإسلامية وحدها، بل تستهدف الأرض والمستقبل وحياة الأجيال المقبلة»، واستطرد السادات قائلًا:»عرفتم مصر وأزهركم عبر القرون الماضية.. الرسالة هي الرسالة.. والشعب هو الشعب.. والأمانة هي الأمانة.. و أبدًا لن نفرط مهما تكون التضحيات».
الشيخ عبد الحليم محمود لم ينقطع عن زيارة الجبهة الداخلية لدعم الجنود
تحدثنا حول الدور الأهم لمشايخ الأزهر في رفع الروح القتالية للجنود علي الجبهة ، حيث أوضح القيادة العسكرية طلبت من إدارة التوجيه المعنوي للقوات المسلحة الاستعانة بعلماء الأزهر الشريف لتوعية الجنود دينيا، وبث روح حب الاستشهاد في سبيل الله، وقد سارع فضيلة الإمام الأكبر الشيخ عبد الحليم محمود إلي التلبية، وكان قد تولي مشيخة الأزهر في 27 مارس 1973م، وأرسل نخبة من خيرة علماء الأزهر، والتي كانت بمثابة قوافل للتوعية الدينية ورفع الروح القتالية لدي الضباط والجنود، وانتشرت قوافل الأزهر بين الضباط والجنود علي مختلف الجبهات وبينت لهم فضل الجهاد والاستشهاد في سبيل الدفاع عن الأوطان والمقدسات، وأهمية المعركة مع العدو وأن بذل النفس فداءً للوطن فرض عين، وركزت علي نشر المعاني التي تساهم في رفع الروح المعنوية للقوات، وقد حققت هذه القوافل نجاحًا باهرًافي رفع الروح الإيمانية والقتالية لدي جنودنا البواسل، فقد ترسخ لديهم الإيمان القوي ببذل النفس دفاعًا عن الوطن ومقدساته وشرف نيل الشهادة في سبيل تحقيق ذلك ، ولم تنقطع الزيارات الميدانية لشيوخ الأزهر الشريف وقياداته وكبار علمائه لجبهات القتال ومعسكرات قادة الجيش لإعلان أن حربهم مع العدو هي دفاع عن العقيدة والوطن وأن الله معهم، ونصره المبين حليفهم، وأن الأمتين العربية والإسلامية تشد علي أيديهم وتقف خلفهم في معركة العزة والكرامة والدفاع عن العقيدة والأوطان، مما كان له كبير الأثر في شحذ همم قواتنا البواسل ورفع الروح المعنوية والدينية والقتالية لديهم ، ولم تقتصر جهود الأزهر علي إرسال قوافل دعوية من خيرة علمائه لجبهات القتال، بل سارع طلاب الأزهر وشباب علمائه بالجامعة الأزهرية والمعاهد الدينية بمختلف أنحاء الجمهورية إلي التطوع والانخراط مع قواتنا المسلحة في جبهات القتال تلبية لنداء الوطن ودفاعًا عنه وعن مقدسات المسلمين وعقيدتهم، وذلك نتيجة لحرص إدارة الأزهر علي الاستعانة بقيادات قواتنا المسلحة من أجلالتدريب العسكري لطلاب الأزهر؛ حتي يكونوا علي أتم الاستعداد لتلبية نداء الوطن ومشاركة قواته المسلحة في الدفاع عنه، وإصدار قرارات بالتيسير والإعفاء من التزامهم بالحضور الدراسي وغير ذلك ، ونظرًا لما حققته قوافل التوعية المكونة من علماء الأزهر من نجاح في بث روح الأمل وبذل النفس تم تعميمها علي جميع وحدات الجيش للقيام بهذه المهمة الجليلة، فتكللت جهود الأزهر وتكاتفه مع قيادات وجنود قواتنا المسلحة البواسل بتحقيق النصر العظيم في العاشر من رمضان السادس من أكتوبر وتحرير أرض سيناء الحبيبة التي ارتوت بدماء قواتنا المسلحة الطاهرة النقية الزكية، وقد ضربت قواتنا المسلحة في خوضها تلك الحرب وتحقيق النصر وتحرير الوطن واسترداد عزته وكرامته أروع الأمثلة في البطولة والشجاعة والفداء والاستبسال وقوة الإيمان ولِما لا وهم: « خير أجناد الأرض».