رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

ينتزع أجزائها لتعترف .. ديوان جديد لـ أمل جاد الرب

بوابة الجمهورية

كتابة نسوية مهمومة

عن الهيئة المصرية العامة للكتاب صدر للشاعرة أمل جاد الرب ديوانها الثالث "ينتزع أجزاءها لتعترف" ينتمي الديوان لقصيدة النثر وقد صدر من قبل لأمل ديوان شعر فصحى بعنوان باختصار "أقرب الى النشوى" وديوان عامية بعنوان "حرمت احبك"  

عن الديوان قال الشاعر عاطف عبد العزيز معقبا على قصائد الديوان :في تصورى، إننا في هذا الديوان أمام كتابة نسوية بامتياز، وهو طراز من النسوية المحلية (إن جاز هذا التعبير)، وأعني هنا تلك النسوية المجهضة مهيضة الجناح، النسوية التي عرفناها في ربات بيوتنا اللاتي ينفقن أعمارهن في خدمة من حولهن، فيما تبقى تلك النسوية مقموعة الرغبات والأشواق، ولا أعرف لماذا ذكرني جانب كبير من هذا الديوان بذلك الصنف من الدراما التليفزيونية الأمريكية التي أطلق عليها بعض النقاد مصطلح: (دراما الصابون)، والتي كانت تصنع خصيصًا لربات البيوت هناك تزجية لأوقاتهن، غير أن الأمر هنا جد مختلف، فلسنا أمام شعرية صابون صنعت لتزجية الوقت، كما يمكن أن يتبادر إلى الذهن، وإنما نحن بإزاء نصوص صنعت من أجل نكء الجراح التي اندملت على قيحها، وتعالوا نقرأ معًا ما تقوله أمل في تلك الفقرة الدالة من قصيدة (العادية جدًا):

هذان لحم ودم

ينشبان جوعيهما بذروتي وسفحي

مكبلةٌ أنا بالعادات اليومية التافهة

ومشاوير السوق

أشتري ثيابًا، وخضروات، وجبنًا

ولحمًا مذبوحًا لا يجوع، أطبخه

كان يشبه قليلًا اللحم الذي أغذيه

أنا خادمة بدن

أخرجني من هنا يا رب

ثم في فقرة أخرى من ذات القصيدة تصعد الشاعرة فيها بالمأساة إلى ذروة عالية من السخرية المُرة عبر المفارقة، وذلك حين تدعو ربها بأن يرجئ موتها لما بعد إنجاز عملها المنزلي، فنسمعها تقول له:

لا تأخذ روحي الآن

كما طلبت حالًا

لا تأخذها قبل أن أغسل صحون العشاء

وأجعل بيتي لائقًا بوفاة طبيعية

شيء مثل هذا يمكننا أن نقابله في قصيدة (ذراعان فقط)، حيث تستأنف الشاعرة توصيف الحالة المأساوية لتلك المرأة المسكينة فتقول:

أفرد ذراعيّ الأخطبوطيتين

اللتين تمارسان رياضات كثيرة

تجدفان بالمكنسة

تصارعان السجاجيد، وترفعان الأثاث الثقيل،

تعومان في الماء مع آنية الطعام، وغسالة الملابس

تسابقان الوقت الذي يجري سريعًا

وتقفزان في المطبخ من طنجرة لطنجرة

..

ذراعاي ماكرتان أبضًا

حين تحتضنانك

تدعيان أنهما تربتان على روحك

وهما تستوليان على المشاعر الرائقة

بمقدورنا هنا أن نلتقط جوهر الأزمة التي تعانيها الذات الشاعرة في تلك الفقرة، إذ أن التضحيات الهائلة التي تبذلها من أجل البيت وأهله، لا تقابل بالتقدير والمحبة والحنان التلقائي، بل ثمة ما بشير إلى لا مبالاة الطرف الآخر، بما يلجئ الذات الشاعرة -كما يتبدى في ختام الفقرة السابقة- إلى اختلاس المحبة اختلاسًا.

على أن قصائد هذا الديوان تتوزع فيما نرى بين منزعين، أولهما ما أشرنا إليه آنفًا، وهو ما يدور حول تلك النسوية المجهضة لدى ربات البيوت، أما المنزع الآخر، فهو منزع رومانتيكي حالم يهيم في فضاء عمومي، لا يجسد أشواق طائفة محددة من النساء، بل يجسد أشواق الأنثى على نحو مطلق، إذ تبدو من خلاله الذات الشاعرة بلا ملامح محددة، وهي تتحرك منفلتة من الزمان والمكان، ومن ثم فالمنزعان اللذان أشرنا إليهما آنفًا، يفترقان فيما يتعلق بخصوص الأنثى هنا، وعمومها هناك، بينما يتفقان في معاناتها العاطفية، فكأنهما منزعان منفصلان ومتصلان –كما هو واضح- في ذات الوقت.

يتجلى المنزع الرومانتيكي الذي أشرنا إليه في العديد من القصائد، إذ تختفي بتلك القصائد التفاصيل المنزلية التي كانت قد شاعت في قصائد المنزع الأول عبر دوال من مثل (أطفال – ثياب – خضروات- جبن – ملابس متسخة – جدران – باب – سرير – ملاءة – غسالة - إلخ)، بل تختفي ملامح الأمكنة بشكل عام، فلا يبقى في فضاء النص سوى الذات العاشقة بمكابداتها، ولنأخذ مثالًا لذلك، ففي قصيدة (غياب وحضور)، سوف نلحظ غياب المكان وحضور الذات، فالشاعرة تقول:

كل الغياب هواء

وكل الحضور هوى

كل شيء ينأى إلا قلبي

ملتصقًا بزجاج روحك

يمحو غبار بعدك

بعدما

جفت الأحلام

وكُوِيتْ المهج

ثم تختم أمل جاد الرب قصيدتها قائلة:

ويصاب قلبي بكسر مضاعف

ولا جبيرة صبر

أو قرب يدوم

فلا الغياب غياب

أو الحضور حضور

تأتي قصيدة (نباتات غير مرئية)، كنموذج للقصائد التي يبرز فيها النفس الرومانتيكي على أوضح ما يكون، وهي قصائد كان من الممكن أن تقدم النصوص فيها حالات شعرية ناجزة، لولا افتقادها إلى الباطن الفلسفي الذي يمنح الشعر معانيه العميقة، التي تكمن تحت المعاني المباشرة الطافية على سطح النص، هذا الافتقاد الذي جرف تلك القصائد إلى شيء من المجانية والغنائية الفجة في بعض الأحيان، ومال به عن التشكيل الفني الذي تقف خلفه روح فنان قلقة، إلى التعبير العاطفي الذي يصدر عن محض وجدان مكلوم، فها هي الشاعرة تقول في هذه القصيدة:

أمنية وديعة

أفتعل لها الأحداث

فتتجسد بهجةً، تتخلل الروح

وتسكن في القلب

كفراشة تجذبني هامسةً:

أنتَ لا شيء .. فكلك لمن تهوى

حيث تمحى تضاريس الوجود

بوجوده

وتنبت فيك جوارح جديدة

لم تكن تراها من قبل

وتغرد فيك حروف العشق

تتمايل كأزهار راقصة

على أيك قلبك المسكين

فيتأوه ..

من فرط الشوق واللوعة

بجانب المنزعين السابقين سوف نجد هامشًا شديد الأهمية يتجلى في عدد غير قليل من القصائد مثل: بوداعة (جيوكندا)، و(يكنس الشارع بقسوة)، و(مو مياو واو واو) وغيرها، وفي اعتقادي أن مستقبل التجربة لدى الشاعرة قد يكمن في ذلك الهامش الذي يومئ بجسارته إلى أن ثمة حراكًا قد بدأ يتخلق بوعيها.

فعلى سبيل المثال، حين نقرأ قصيدة (يكنس الشارع بقسوة)، ستقابلنا حالة سردية جديرة بالانتباه وتمثل نتوءًا مهمًا وواعدًا في كتابة أمل، وهي حالة تصف لنا مشهد لعامل نظافة يكنس الشارع منكفئًا على أوجاعه، وفيه تربط الشاعرة بين المرئي من المشهد واللامرئي، في جدل واضح بين الحضور والغياب، ربما بانت مسحة من التقريرية في بعض المواضع، غير أن ذلك لا يقلل بحال من جمال النص الذي تقول فيه الشاعرة:

ثبّتْ جاروفك المسنن

تجاه الأرض جيدًا

وترفق

بالقلب الذي تدفعه الآن

لا تلقه حيث أوجاعك تعوي

وتصدق به لحارس الماء

ربما يغسله يوميًا

فتبصر عيناه العمياوان

وفي تعقيبه على قصائد الديوان أشار الشاعر اسامة جاد الى المحور الرومانتيكي الحالم الذي يستعيد لحظات الشغف الأولى، أو هو يداعبها بمنطق الأحلام، اما المحور ألاكثر اهمية في رأيه بمنطق شعري، فهو محور التجريب الأدائي في النصوص الشعرية، وهو الذي يتجلى في مشهديات تستخدم تراسل الحواس، وأنسنة الأشياء، والبحث عن المفارقة بمنطق لغوي (مجازي/ أدائي) وبمنطق معيش. وهو ما يتجلى في نصوص متنوعة من الديوان، وبالخصوص في النصوص الأخيرة منه.

وضيف صاحب "صباح مناسب للقتل" غير أن ما يستدعي الإشارة بشكل رئيس هو تداولية العلاقة بين الدال والمدلول، تلك التي تعتمد اليقين الساكن مركزية للجدلية بين الواقعي والشعري، وبعض ملامح الانسياق وراء الكلاسيكية النصية التي تبدت أشد ما يكون في التقفية المباشرة للسطور، أو مداورات القوافي، التي وإن كانت لعبا بارعا على بنية الأصوات، غير أن إحالاتها كلاسيكية تذكرنا بالنصوص المملوكية.

أخيرا فإن الديوان يطرح جماليات فنية متنوعة، ربما يحد من متعة تلقيها بعض هنات النحو ومساحات الأداء التفسيري للجملة الشعرية، ما يشي بنوع من الصنعة الأدائية التي ينبغي التخلص منها لتحقيق أقصى درجات التوتر الأدائي في النص بمفهوم "الجشطالت".





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة