رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

يالصور.. رحلة فى برارى واحة سيوة

بوابة الجمهورية
فى قلب الصحراء الغربية تقع واحة سيوة على بعد يزيد عن ٨٠٠ كيلومتر من القاهرة عبر الاسكندرية ومطروح لكن اتوبيسا عاما مكيفا يمكنه أن يقلك الى هناك من ميدان التحرير ثم ان طريقا سريعا مزدوجا يجرى تنفيذه حاليا يربط الواحة النائية مباشرة بالواحات البحرية ومنها الى مدينة السادس من اكتوبر بمحافظة الجيزة.

الطريق الحالى لواحة سيوة يتفرع غربى مطروح جنوبا من الطريق الدولى الساحلى وتوجد عند بدايته ونهايته وفى المنتصف محطات للوقود واستراحات بسيطة ونقاط أمنية وتنتشر على جانبيه اللوحات الإرشادية التى تضم لوحات مرورية لا نشاهدها كثيرا فى مصر عند اماكن عبور الجمال.. نعم لوحات مرسوم عليها جمل لتنبيه السائقين حتى لا يفاجأوا اذا وجدوا أمامهم جملا يعبر الطريق السريع.. وهذا ما حدث معنا بالفعل وكان الوقت عصرا حينما فوجئنا بعشرات من الجمال البرية تحديدا النوق الحمر بعضها يعبر الطريق فى براءة واخرى تهرول حرة فى الصحراء الشاسعة على جانبى الطريق تأكل العشب البرى الذى ينبت بمياه الندى والامطار مغطيا باللون الاخضر القاتم مساحات واسعة من رمال المنطقة.

فى الواحة تكتشف ان الطبيعة مازالت بكرا الا قليلا.. فبيوت الطين المسقوفة بالجريد وجزوع النخيل مازالت قائمة الى جانب عمارات قليلة اقيمت بالاسمنت والخرسانة يؤثر بعضها على بانوراما مواقع اثرية مثل قلعة شالى وتتطلب تدخل رسمى للتنسيق الحضارى قبل ان يقتل الاهمال والزحف العمرانى العشوائي كنوز الواحة ومقاصدها السياحية.. وفى اعلى نقطة من قلعة شالى يقع المسجد العتيق التابع لهيئة الأثار يتطلب الوصول اليه صعود درج طويل من الطمى والخشب ويمر بميضة نظيفة مرممة حديثا للوضوء قبل ان تواصل الصعود للوصول الى صحن المسجد الذى يتميز بالنظافة رغم بساطته.. وجدنا سياحا يلتقطون الصور وشيخ المسجد ينتظر صعود المصلين القلائل ليؤم بهم صلاة العصر.. يقول الشيخ عبدالله صالح عمر انه يعمل فى المسجد العتيق منذ ٥٠ عاما وانه يؤدى جميع الادوار فهو امام المسجد وخادمه كما انه المؤذن ومقيم الشعائر.. يضيف ان المسجد العتيق يرجع تاريخه الى بداية دخول الاسلام الى الواحة فهو اول مسجد اقيم بها وقد شيد داخل القلعة التى كانت تحمى بيوت الاهالى من غزوات اللصوص وقطاع الطرق فى غابر الزمان.

تحيط بقلعة شالى بيوت سيوة القديمة وبعض البازارات التى تبيع المنتجات البدوية المشغولة يدويا من الخوص والقماش والملح الصخرى المنحوت على هيئة فازات مضيئة بالكهرباء يبدأ سعرها من ٣٥ جنيها ويقال انها تفرغ الطاقة السلبية لتشجيع اقتنائها فى البيوت وغرف النوم.. كما ينتشر ما يسمى بكهوف الملح التى اقيمت حديثا باستخدام كتل الملح المأخوذة من جبال الملح البيضاء وبحيراتها القريبة وتؤجر للرواد مقابل ٥٠ جنيها للجلسة التى تستغرق ٤٥ دقيقة غير ان البعض يغالى فى الاسعار نظير نفس الخدمة.. مثل الفنادق التى يوجد الكثير منها فى سيوة اغلبها يتخذ طابعه المعمارى من البيئة واستخدام خامات البيئة فى البناء والديكور.. ويتمادى بعضها باستخدام الطين فى الطلاء وعدم استخدام الكهرباء ولا وضع نوافذ على فتحات التهوية وكأنها بيوت ريفية من مئات السنين وهو امر يجذب شريحة من السياح من عشاق العودة الى الطبيعة الا ان اسعار الاقامة تتباين ويضع البعض اسعارا مغالى فيها لا تتناسب مع التكلفة والخدمة لكن توجد ايضا منتجعات تجمع بين الفخامة والطابع البدوى وباسعار معقولة مصنفة ٣ و ٤ نجوم ولا يزيد فيها سعر الاقامة فى الليلة عن ٤٠٠ جنيه تشمل الافطار.. اما الغذاء فان الصنف الاساسى الذى تشتهر به الواحة هو ابو مردم وعبارة عن لحوم او دجاج او بط يتم طهيه بالردم داخل بئر فى باطن الارض لمدة ساعتين وباستخدام اخشاب اشجار الزيتون الجافة لتضفى عليه مذاقا لذيذا ونكهة مميزة.. ولا توجد مطاعم فخمة بل مجرد اماكن بسيطة على الارصفة لكنها تقدم طعاما جيدا وباسعار معقولة.

شوارع سيوة تبدو خالية من النساء.. واذا صادفت سيدة فانها ترتدى الإزار البدوى التقليدى الذى يشبه الكوفرتة القطنية ذات الالوان الرملية لا تظهر منها شيئا غير ان المرأة السيوية تمارس دورها من وراء الحجب فهى تساعد زوجها فى جنى البلح حيث تغطى اشجار النخيل الشوارع والطرقات والاراضى المحيطة وتمتد على عشرات الكيلومترات.. وحيث تتهدل سباطات البلح فوق الرمال فى مشهد بديع.. كما تنتشر حدائق الزيتون الفاخر.. وتستطيع ان تتناول البلح بيدك من النخلة وان تأكل ما شئت لكن اذا اشتريته من السوق فبسعر ١٠ جنيهات للكيلو بينما يبلغ سعر كيلو الزيتون التفاحى الفاخر ٧ جنيهات لدى الباعة فى السوق وعلى الطرقات.

كما تساعد النساء فى المنتجات البدوية وفى الطب الشرعى وسياحة الردم فى الرمال التى تمثل جزءا هاما من نشاط السيويين.

تنتشر المرادم فى واحة سيوة حول جبل الدكرور حيث يأتى الرواد من السائحين الاجانب ومن المصريين من كافة الطبقات ومختلف المحافظات لممارسة الردم فى الرمال والاستشفاء من الامراض وعرق النساء.. كل مردم يقدم لزواره الاقامة الكاملة.. من اشهر خبراء الردم فى سيوة الشيخ شريف السنوسى الذى يعمل مع عائلته نساء ورجالا فى مهنة الردم والطب الشعبى.. يقول ان الردم يتطلب من ٣ الى ٥ ايام حسب حالة كل فرد وفى كل مرة لا يزيد زمن الردم عاريا عن نصف ساعة يوميا يعقبها شرب الليمون والاعشاب ويمنع طوال ايام الردم وبعده بثلاثة ايام الاستحمام وشرب الماء المثلج او التعرض للمراوح واجهزة التكييف.. يبدأ موسم الردم فى شهر يونيو مع ارتفاع درجة الحرارة وسخونة الرمال وينتهى فى ١٨ سبتمبر ويتوقف مع انخفاض درجة الحرارة وفصل الشتاء.. ويقدم هذا الكورس بمبلغ ٣٥٠ جنيها يوميا شامل الردم والاقامة والطعام لكن هناك درجات اكثر تميزا باسعار اخرى.. وتتوزع تخصصات الطب الشعبى على اشقاء الشيخ شريف لكن اخيه سنوسى الذى يعمل موظف امن فى هيئة الآثار يتولى العلاج بالابر ويستخدم عضلات اصابعه فى فك اعصاب القدمين لعلاج آلام الظهر والساقين.. يقول السنوسى انه يؤدى هذا العمل حسبة لوجه الله وان العلاج مؤلم لكنه اثبت نجاحا باهرا.. وتقدم مرادم سيوة خدمة تدليك الجسم بالكامل بخليط زيت الزيتون والليمون والنعناع مقابل ٥٠ جنيها فقط ونفس السعر لجلسة كهف الملح التى تشمل ردم اليدين والقدمين فى الملح البلورى الصخرى.

اهم نشاط صناعى فى سيوة هو تعبئة المياه حيث يقع مصنع صافى عند مدخل الواحة على مقربة من جبل الموتى الذى يرتفع ٥٠ مترا تتراكم فيها انفاق الدفن منذ العصر الفرعونى المتأخر.. وعلى الجانب الآخر من الواحة يوجد مصنع تعبئة مياه سيوة.. اما وسيلة المواصلات الداخلية فى واحة سيوة فلم يصل اليها التوك توك بل يعتمد الاهالى على التروسيكل بعد تزويد صندوقه بمقعدين على جانبيه.. ويمتلك الاهالى البسطاء التروسيكل لاستخدامه فى التنقل وفى نقل الادوات والمنتجات بينما يعمل اخرون عليه لنقل الركاب بالاجر الذى يصل الى ٣٠ جنيها حسب المسافة أما الملاحظة الفريدة فى هذا الشأن فهى ان سائق التروسيكل يرفض تقاضى اجرا من الراكب اذا اقله فى طريقه ولم يذهب به خصيصا.

تبدو سيوة موطن القناعة.. يقول مصطفى خفير معبد آمون الاثرى انه يمكنه العيش شهرا مع اسرته بعشرة جنيهات.. فكل ما يحتاجه للحياة من طعام وشراب يصنعه اهل بيته.. يقول ان معبد آمون شهد تتويج الإسكندر الأكبر حينما أراد التقرب من المصريين.. وعلى مقربة من المعبد ووسط اشجار الزيتون والنخيل تقبع عين كليوباترا عبارة عن حوض حجرى مليئ بالماء قطره لا يزيد عن ١٠ أمتار.. يقول الاطفال الذين يمارسون القفز والسباحة والغطس فى مياهها بلا كلل ان عمق المياه نحو ٤ امتار.. ويقال ان كليوباترا ملكة مصر استحمت فى هذه العين اثناء عبورها الواحة.. ومياه العين جوفية مثل باقى بحيرات سيوة واشهرها بحيرة فطناس التى تمتد على مساحة شاسعة تحدها الجبال.. فى عين كليوباترا يمكنك ان تحتسى خليط غريب من عصائر الفاكهة يعدها عامل المقهى المقابل يدعى الشاذلى يتفاهم مع الرواد بالاشارة او بالكتابة لانه لا يسمع ولا يتكلم لكنه يقدم مشروبات لذيذة خليط من التمر والجوافة والليمون والبطيخ والريحان الظازج اسعاره تتراوح ما بين ٢٠ الى ٢٥ جنيها للكوب الكبير سواء داخل السقيفة العالية على طريقة هاواى او فى القعدة العربى ذات الوسائد البدوية.. اما عند بحيرة فطناس فان المقهى هناك يصنع ممرا داخل البحيرة باستخدام جزوع النخيل ويستخدم مقاعد وموائد مصنوعة من جريد النخيل ويقدم المشروبات وبرادات الشاى الزردة المشهور فى الواحة بنفس السعر تقريبا ليجلس الرواد ويستمتعوا برؤية مشهد غروب الشمس وانعكاس شعاعها الذهبى الاخير على سطح البحيرة الهادئ الرقراق الذى يكشف الاسماك الفضية تتراقص فى المياه الضحلة حول المكان.

تصف احدى نساء سيوة حياتها فى الواحة بالسعادة.. تقول انها تملك فى بيتها جهاز تكييف وتشاهد الفضائيات وأن لديها حسابات على الفيس بوك وانستجرام.. وتطبخ الملوخية السيوى مع اللحم الجملى الصغير الذى يباع بسعر ١٢٠ جنيها للكيلو.. لكنها تعانى من نقص الخبرات الطبية خاصة للاطفال الامر الذى يضطرهم الى اللجوء لأطباء القاهرة طلبا للعلاج.

فى سيوة تمضى الحياة هادئة بلا ضجيج فى سلام.. فسلام على سيوة





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة