جريمة شرف
بلاغات تغيب الإناث , بلاغات تحمل الكثير من الهموم ليس للأسرة فحسب , ولكن كذلك لدى رجال الشرطة في سبيل التوصل لحل ألغاز تلك البلاغات, التي تأتي في أغلبها ما بين هروب الفتيات مع حبيب القلب , أو الهروب من البيت بسبب مشاكل أسرية , أو التخلص من الفتاة لأسباب مختلفة , قد يكون بسبب رفضها الزواج من شخص تختاره عائلتها لها , بينما هي تحاول بشتى الطرق عدم إتمام هذا الزواج , أو يكون بسبب ارتباطها بعلاقة عاطفية مع أحد الأشخاص دون علم أسرتها , أو أن يكون القتل بسبب طلبها الطلاق من الزوج وهو ما ترفضه بعض المجتمعات ويعد هذا الطلب تحديا للأسرة , أو أن تتحدث الفتاة مع شخص هاتفيا أو بأي وسيلة فتلقي بالشبهات حولها , أو بسبب مخالفتها العادات والتقاليد , لذلك يضع ضابط الشرطة كل تلك الاحتمالات أمامه أثناء فحصه نوعية تلك البلاغات حتى يمكنه التوصل إلى الفتاة .
وقضية اليوم , لعامل في الاربعينيات من عمره , يعيش في أسرة متوسطة الحال , يبدأ يومه بالبحث عن عمل يستطيع من خلاله توفير نفقات العيش له ولأسرته البسيطة , بينما كانت شقيقته تقوم على خدمتهم في البيت , من نظافة وطهي الطعام مساعدة لوالدتها المسنة , وظل العامل وشقيقته يتقاسمان لقمة العيش , ويعيشان في هدوء وسكينة حتى كانت الصدمة التي أذهلت الجميع , وهي اختفاء الفتاة في ظروف غامضة , ولم يعثر لها كما يقولون على أثر , فما كان أمام الأسرة إلا التوجه لقسم شرطة الدرب الأحمر لتحرير بلاغا بتغيب ابنتهم عقب خروجها من المنزل وعدم عودتها , ظل رجال الأمن يبحثون فترة طويلة مع نشر صور الفتاة , دون أن يتوصلوا لمكان تواجدها حتى كانت المفاجئة بعد عامين من الخروج الأخير .
يقول المستشار محروس عبد الهادي الرئيس بمحكمة استئناف القاهرة , عضو المكتب الفني لرئيس المحكمة أنه عندما كان وكيلا للنائب العام عام 1987 , وأثناء عمله بنيابة الدرب الأحمر , وبعد انتهاء العمل بالفترة المسائية , تم اخطاره تليفونيا أثناء تواجده في استراحة النيابة ببلاغ من مأمور القسم وقتها العميد أسامة الحريري ورئيس المباحث أحمد أبو النصر ومعاونه وليد محمود , تضمن أن هناك فتاة محرر لها محضرا بالتغيب منذ عامين وأنهم بالبحث والتحري , كانت المفاجأة أن الفتاة قتلت على يد شقيقها , وأنه قام بدفنها داخل الغرفة التي يقيم بها في الجبل المؤدي إلى مطلع منطقة المقطم , وأنه بتضييق الخناق عليه اعترف بالواقعة أمام الشرطة , ونظرا لأن الواقعة جسيمة والجريمة شنيعة قام بإخطار رئيس النيابة وانتقل بعدها على الفور في وقت متأخر إلى قسم الشرطة , حتى لا يعدل المتهم عن أقواله , فالاعتراف سيد الأدلة بجانب وجود القرائن الأخرى .
بدأت التحقيقات في ساعة متأخرة , داخل غرفة المأمور , وتم انتداب أمين شرطة للعمل كسكرتير تحقيق , وتم إخلاء الغرفة من جميع المتواجدين بها , واعترف المتهم تفصيلا بارتكابه الجريمة معللا لها بأنها دفاعا عن الشرف لشكه في سلوك شقيقته منذ عامين سابقين عن الاعتراف , وأنه تخلص منها خنقا , ولم يتركها إلا جثة هامدة , وبعدها قام بحفر بئر كبير وجعله كالقبر لإخفاء معالم جثتها بداخله , وقام بالإرشاد وتحديد المكان , فتم على الفور إخطار الطبيب الشرعي واستطلاع رأيه فيما إذا كان يستطيع تحديد سبب الوفاة من عدمه عند استخراج الجثة , فقام بالجزم بإمكانية التوصل لسبب الوفاة طالما أن أسلوب القتل هو الخنق , وعند استخراج الجثةوجدت بكامل ملابسها التي كانت ترتديها في فصل الشتاء وكانت تلك الملابس سببا في احتفاظ الجثة ببعض معالمها وأن هذا كله تم في حضور المتهم وبمعرفته حسبما أرشد , تبين وجود كسر في العظمة اللامية للرقبة فتوافق الاعتراف مع ما جاء بتقرير الصفة التشريحية .
انتهت التحقيقات في القضية وتم احالة المتهم إلى محكمة الجنايات بتهمة القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد , ولكن رغم مرور تلك السنوات , ظلت دوافع المتهم في ارتكاب واحدة من أبشع الجرائم ليس بسبب يقيني بل بسبب الشك محيرة وكانت تلك الشبهة كفيلة لديه ومبررا للجريمة , كما أن المتهم لم يظهر خلال التحقيقات الندم بل إن البيئة التي نشأ فيها والتي كان يعتقد أن ارتكابه تلك الجريمة نوع من الشجاعة والانتصار , وأنه لا يستحق العقاب لأنه يطهر أسرته ومجتمعه ويدافع عن شرفهم , وكانت جريمته هي الوسيلة التي رأها أمامه لغسل العار حسبما خيل له .