رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

جريمة شرف

بوابة الجمهورية
في ذاكرة كل قاض.. قضية محفورة في وجدانه..تفاصيلها..أحداثها ..لم يمحها الزمن ..نسترجع مع قضاتنا الأجلاء بعضا من تلك القضايا .

بلاغات تغيب الإناث , بلاغات تحمل الكثير من الهموم ليس للأسرة فحسب , ولكن كذلك لدى رجال الشرطة في سبيل التوصل لحل ألغاز تلك البلاغات, التي تأتي في أغلبها ما بين هروب الفتيات مع حبيب القلب , أو الهروب من البيت بسبب مشاكل أسرية , أو التخلص من الفتاة لأسباب مختلفة , قد يكون بسبب رفضها الزواج من شخص تختاره عائلتها لها , بينما هي تحاول بشتى الطرق عدم إتمام هذا الزواج , أو يكون بسبب ارتباطها بعلاقة عاطفية مع أحد الأشخاص دون علم أسرتها , أو أن يكون القتل بسبب طلبها الطلاق من الزوج وهو ما ترفضه بعض المجتمعات ويعد هذا الطلب تحديا للأسرة , أو أن تتحدث الفتاة مع شخص هاتفيا أو بأي وسيلة فتلقي بالشبهات حولها , أو بسبب مخالفتها العادات والتقاليد , لذلك يضع ضابط الشرطة كل تلك الاحتمالات أمامه أثناء فحصه نوعية تلك البلاغات حتى يمكنه التوصل إلى الفتاة .

وقضية اليوم , لعامل في الاربعينيات من عمره , يعيش في أسرة متوسطة الحال , يبدأ يومه بالبحث عن عمل يستطيع من خلاله توفير نفقات العيش له ولأسرته البسيطة , بينما كانت شقيقته تقوم على خدمتهم في البيت , من نظافة وطهي الطعام مساعدة لوالدتها المسنة , وظل العامل وشقيقته يتقاسمان لقمة العيش , ويعيشان في هدوء وسكينة حتى كانت الصدمة التي أذهلت الجميع , وهي اختفاء الفتاة في ظروف غامضة , ولم يعثر لها كما يقولون على أثر , فما كان أمام الأسرة إلا التوجه لقسم شرطة الدرب الأحمر لتحرير بلاغا بتغيب ابنتهم عقب خروجها من المنزل وعدم عودتها , ظل رجال الأمن يبحثون فترة طويلة مع نشر صور الفتاة , دون أن يتوصلوا لمكان تواجدها حتى كانت المفاجئة بعد عامين من الخروج الأخير .

يقول المستشار محروس عبد الهادي الرئيس بمحكمة استئناف القاهرة , عضو المكتب الفني لرئيس المحكمة أنه عندما كان وكيلا للنائب العام عام 1987 , وأثناء عمله بنيابة الدرب الأحمر , وبعد انتهاء العمل بالفترة المسائية , تم اخطاره تليفونيا أثناء تواجده في استراحة النيابة ببلاغ من مأمور القسم وقتها العميد أسامة الحريري ورئيس المباحث أحمد أبو النصر ومعاونه وليد محمود , تضمن أن هناك فتاة محرر لها محضرا بالتغيب منذ عامين وأنهم بالبحث والتحري , كانت المفاجأة أن الفتاة قتلت على يد شقيقها , وأنه قام بدفنها داخل الغرفة التي يقيم بها في الجبل المؤدي إلى مطلع منطقة المقطم , وأنه بتضييق الخناق عليه اعترف بالواقعة أمام الشرطة , ونظرا لأن الواقعة جسيمة والجريمة شنيعة قام بإخطار رئيس النيابة وانتقل بعدها على الفور في وقت متأخر إلى قسم الشرطة , حتى لا يعدل المتهم عن أقواله , فالاعتراف سيد الأدلة بجانب وجود القرائن الأخرى .

بدأت التحقيقات في ساعة متأخرة , داخل غرفة المأمور , وتم انتداب أمين شرطة للعمل كسكرتير تحقيق , وتم إخلاء الغرفة من جميع المتواجدين بها , واعترف المتهم تفصيلا بارتكابه الجريمة معللا لها بأنها دفاعا عن الشرف لشكه في سلوك شقيقته منذ عامين سابقين عن الاعتراف , وأنه تخلص منها خنقا , ولم يتركها إلا جثة هامدة , وبعدها قام بحفر بئر كبير وجعله كالقبر لإخفاء معالم جثتها بداخله , وقام بالإرشاد وتحديد المكان , فتم على الفور إخطار الطبيب الشرعي واستطلاع رأيه فيما إذا كان يستطيع تحديد سبب الوفاة من عدمه عند استخراج الجثة , فقام بالجزم بإمكانية التوصل لسبب الوفاة طالما أن أسلوب القتل هو الخنق , وعند استخراج الجثةوجدت بكامل ملابسها التي كانت ترتديها في فصل الشتاء وكانت تلك الملابس سببا في احتفاظ الجثة ببعض معالمها وأن هذا كله تم في حضور المتهم وبمعرفته حسبما أرشد , تبين وجود كسر في العظمة اللامية للرقبة فتوافق الاعتراف مع ما جاء بتقرير الصفة التشريحية .

انتهت التحقيقات في القضية وتم احالة المتهم إلى محكمة الجنايات بتهمة القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد , ولكن رغم مرور تلك السنوات , ظلت دوافع المتهم في ارتكاب واحدة من أبشع الجرائم ليس بسبب يقيني بل بسبب الشك محيرة وكانت تلك الشبهة كفيلة لديه ومبررا للجريمة , كما أن المتهم لم يظهر خلال التحقيقات الندم بل إن البيئة التي نشأ فيها والتي كان يعتقد أن ارتكابه تلك الجريمة نوع من الشجاعة والانتصار , وأنه لا يستحق العقاب لأنه يطهر أسرته ومجتمعه ويدافع عن شرفهم , وكانت جريمته هي الوسيلة التي رأها أمامه لغسل العار حسبما خيل له .





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة