البخيل ..و "أم العيال" والعشرة الحرام
قاض وقضية
في ذاكرة كل قاض ..قضية محفورة في وجدانه..تفاصيلها ..أحداثها..لم يمحها الزمان..نسترجع مع قضاتنا الأجلاء بعضا من تلك القضايا .
في ذاكرة كل قاض ..قضية محفورة في وجدانه..تفاصيلها ..أحداثها..لم يمحها الزمان..نسترجع مع قضاتنا الأجلاء بعضا من تلك القضايا .
حياة بسيطة ظلت تعيشها الأسرة لمدة 35 عاما , لم تعتقد الزوجة ولو للحظة واحدة أن رفيق حياتها يمكن أن يضحى بها من أجل أي شيء , وكيف يضحي بها وهي الزوجة العصامية التي تحافظ علي بيتها في غيابه بسبب ظروف عمله وانشغاله لساعات بل وأيام , فكانت تقوم بدور الأب والأم في آن واحد , كمعظم نساء مصر الفضليات اللاتي تكافحن من أجل استقرار عش الزوجية , إلا أن الفاجعة الكبرى لها كانت بسبب تخلي زوجها "البخيل" عنها في أشد لحظاتها احتياجا إليه , في لحظات مرضها والتي كانت تعتقد أنه لن يتركها لآلامها , بل سيحاول قدر طاقته واستطاعته أن يخفف عنها المعاناة , انتظرته ساعات وتحملت آلام المرض حتى يعود إلى بيته , فتح الباب وجلس إلى جوارها , تبادلا الحديث طالبته بالمصروفات اللازمة لإجراء عملية لها بيدها , والتي أعجزتها في الآونة الأخيرة عن القيام بمتطلبات البيت , إلا أنه صدمها , وكانت كلماته كالرصاص الذي اخترق أذنيها , لم تستطع أن تتمالك أعصابها لتسقط مغشيا عليها , خرج الزوج بعدها من المنزل بلا رجعة , بينما قامت بناتها بالشد من أزرها والوقوف بجوارها حتى فاقت واستطاعت الحصول على حقوقها ..فماذا قال الزوج لها ؟! , لماذا لم يشهد معها ابنها ؟! في الوقت الذي شهدت فيه بناتها وجيرانها , حتى حصلت على حكما رادعا له .
تلك القضية واحدة من أغرب القضايا التي شهدتها أروقة المحاكم والنيابات فبدأت القضية كما يقول المستشار صفوت هندي رئيس محكمة جنايات الإسكندرية بتقديم الزوجة التي فشلت بعد تدخل الأهل في إثناء الزوج عن تعنته معها , شكوى لأحد مراكز الشرطة بمحافظة المنيا تقول فيها , أن عاشت على مدار 35 عاما زوجة مخلصة .. تخاف الله ..ترعى الأبناء..تساند زوجها وتعينه على صعوبات الحياة.. إلا أنها أصيبت في يديها فذهبت إلى الأطباء فشخصوا حالتها بأنها بحاجة ماسة لإجراء عملية في أسرع وقت , حتى لا يحدث لها بترا وتصبح عاجزة , وعاجزة عن ماذا ؟! ..عن خدمة أهل بيتها وأسرتها .
أضافت الزوجة , أنها انتظرت زوجها حتى يعود من عمله , فقالت له "هات فلوس عشان أروح للدكتور أعالج صباعي" , فكان رده أنا مش مسئول عنك .. أنت مش مراتي !! .
اعتقدت الزوجة أن تلك الكلمات يقولها هربا من المصروفات المرتفعة وتكلفة العملية , ولم تكن تدري أن " أبو العيال يمكن أن يطلقها فعلا" , وأنهت الزوجة شكواها لمأمور القسم تطالبه بإلزام الزوج بدفع المصروفات اللازمة للعلاج لتعسفه في الإنفاق , تم الانتهاء من تحرير المحضر وعادت الزوجة لبيتها منكسرة , تدعو الله أن يلين قلب زوجها وأن يكون معينا لها , بينما كانت عناية السماء أرحم بها , حيث أرسل المحضر للنيابة العامة لتبدأ المفاجآت .
عرض المحضر على المستشار صفوت هندي أثناء عمله وكيلا للنيابة العامة عام1987 , فاستدعى الزوجة وسألها عن تفاصيل شكواها , ثم استدعى الزوج وسأله عن سبب رفضه الإنفاق عليها , فكان تأكيده بأنه مطلقها غيابيا منذ حوالي 10 سنوات وليس بينهما علاقة , ومن ثم فإنه ليس مسئولا عنها .
استدعت النيابة الزوجة مرة ثانية , وأعلمتها بأنها مطلقة منذ 10 سنوات , فكادت أن تتجنن , وتساءلت كيف أكون طالق كل تلك الفترة ونحن نعيش معا حياة زوجية عادية يمارس الزوج فيها حقوقه , توقف المحقق أمام تلك الكلمات وسألها , هل الحياة الزوجية بينكما قائمة , ولديكي شهود بذلك ؟ , قالت نعم , فلدي ابنتي 17 و 19 سنة يعيشان معنا في البيت بجانب الابن الأكبر الذي يعيش حاليا في بيته , والجيران والأهل الكل يعلم أن العلاقة الزوجية مستمرة ؟! .
حضر الابن الأكبر إلى النيابة العامة وادعي عدم معرفته بأي شيء عن أسرته لأنه متزوج منذ سنوات ومنفصل عنهم ولا يعلم عنهم شيء , وكأنه يريد ألا يدين والده بسبب العصبية العمياء !!, بينما حضرت البنات وقالتا بأن والدهما كان يقيم معهما على فترات متقطعة نظرا لظروف عمله وأنه كان يعيش مع والدتنا في حجرة واحدة "عيشة الأزواج" وأنها كانت تقوم في الصباح وتسخن المياه في الحلة الكبيرة لكي يغتسل بعد العلاقة الزوجية .. بينما شهد الجيران برؤيتهم الزوج يأتي في فترات مختلفة ويقيم في بيته مع أهله , وأنهم لا يعلموا أنه منفصل عن زوجته .
اكتشفت الزوجة أنها وقعت ضحية لزوج غشها وخدعها , وكانت صدمتها أكبر , عندما علمت وتأكدت بزواجه من أخرى, وأن تلك الأوقات التي كان يغيب عنها لم تكن كما كان يوهمها بسبب ظروف الشغل بل كانت لتواجده مع الزوجة الجديدة ..واعتقدت أن طلاقها كان لطلب الثانية منه بأن تكون هي الوحيدة معه .
طالبت النيابة العامة تحريات المباحث حول الواقعة , فأكدت التحريات أن الزوج قام بطلاق زوجته غيابيا دون علمها , وأن العلاقة بينهما كانت قائمة وهي علاقة غير مشروعة .
واجهت النيابة الزوج باتهامه بارتكاب جريمة الاغتصاب بطريق التحايل والغش والخديعة لإيهام الزوجة باستمرار العلاقة بينهما رغم أنها ليست على ذمته , وبعدها تم عرض القضية على المستشار محمد خلف الله المحامي العام وقتها الذي طالعها وأشاد بما تم في التحقيقات , ليتم إحالة القضية إلى محكمة الجنايات التي أصدرت حكمها بمعاقبة الزوج البخيل بالسجن 3 سنوات مع الرأفة نظرا لكبر سنه وبلوغه وقت المحاكمة 60 عاما .
انتهى الحكم في القضية ونفذ المتهم العقوبة , وظلت تفاصيلها , يتذكرها المستشار هندي ويحكيها بين الحين والآخر لأصدقائه .