قراءة في المجموعة القصصية (دكر النخل) للأديب عصام مهران
بين جناح الخيال وسطوة الواقع
حينما تطير بك الكلمات إلى حدود السماء وفي ذلك الوقت يربطك بين هذا الخيال وتلك الأرض الخيط الشفاف الذي لايري ، حينها تعرف أنك تقرأ حكايات الأرض والناسحينما تطير بك الكلمات إلى حدود السماء وفي ذلك الوقت يربطك بين هذا الخيال وتلك الأرض الخيط الشفاف الذي لايري ، حينها تعرف أنك تقرأ حكايات الأرض والناس .
تلك المجموعة التي لا يمكن أن تضعها في قالب نقدي ثابت فتري فيها الحكاية وثمرة الرواية والقصة القصيرة ويكمل جمالها مجموعة من اللوحات للفنانة التشكيلية الأستاذة شيماء الكيلاني .
بالنظر إلي المجموعة تعتبر المجموعة من أهم الأعمال علي الساحة الأدبية الحالية التي تمتعت بروح المكان في بعض قصص المجموعة لم يظهر المكان باسمه بل بروحه فلا يتكلم القاص علي المكان باعتباره ذكرا للاسم أو التوثيق بل في حكايات الأرض والناس كان المكان هو البطل المستتر فلا يمكن أن تجد قصة واحدة أو حكاية واحدة دون أن يكون المكان العمودي الفقري لها ، هو المكان بشكل أو بآخر أنت تجده ظاهر فيظهر في كلمة أو مشهد أو علامة رمزية .
في بداية القراءة ذكرنا (حكايات الأرض و الناس ) وهذا هو العنوان الفرعي للعمل أو التصنيف الذي أختاره القاص لعمله ، وكان لهذا دلالة حتمية أن ما تقرأه يختلف عن الأسس المتعارف عليها في القصة فتجد أنه منذ أول صفحة يقص عليك الحكايات بمفهومها وهو السرد المتتابع لترتيب الأحداث ففي معظم القصص خلت من التقنيات الحديثة من الاستباق والفلاش باك والتسريع ، عليك وأنت تقرأ حكايات مهران أن تسترخ وتقرأ بهدوء حكايات الأرض والناس ، بالرجوع إلي المكان في العمل أعطي الكاتب الحيز المناسب للكان لينسج حوله الحكايات وكأنه يطبق المقولة الشهيرة (كان يا ما كان )
قصة (دكر النخل) دارات بشكل أساسي حول المكان المسمى ب (الدميرة الأولي ) و(السد ) حكيت الحكايات حول ذلك المكان الذي سوف ينبعث منه الحكايات وهذا المكان الذي أعطانا الكاتب منه إشارة أنه محرك الأحداث بعد ذلك (المدور)
وتكمل نسيج الحكايات تلك اللوحات التي ساعدت بشكل كبير علي رسم الواقع والمكان المعاش ، تتوالي الحكايات وينسج عصام مهران الواقع بشكل من الخيال .
ففي قصة ( رفيق وحيد ) لم يخبرنا الكاتب عن المكان بشكل ظاهر فقط في مقطع من القصة
( كنت أهيم يوميا في شوارع القرية تراقصني صباحا هفهفات النسيم )
ثم ذكر كل ملامح القرية من الدور والدكة أو راكية النار كلها ألفاظ أشعرتنا بجو القرية دون الدخول في وصف المكان الممل هكذا يكتب ويسرد القاص حكاياته
وفي قصة عيشة ظهر المكان في كلمة واحدة ( غيطنا المجاور ) فرسم القرية بكل ما فيها في لفظة واحدة تعد قصة عيشة من أوقع قصص المجموعة لأنها نقلت واقع القرية المصرية المعاش بعضهم يرى ان الحياة ليست بالطيبة الموجودة في هذه القصة إلا أن عصام نقل الحياة بشكل من الواقعية والسلاسة لتخترق القصة قبلك أولا
أما في قصة (أم حسن ) ظهر أسم المكان بشكل صريح جدا
"شبت عمتي وتزوجت في أقصي الصعيد "
ونذهب إلي قصة ( الأبواب القديمة ) في هذه القصة كان المكان شيء واحد فقط هو ( البيت الكبير العتيق ) فكان المكان ظاهراً بملامح التصوير الذي صورها الكاتب من خلال جداران الحائط وباب البيت القديم وحلقته الكبيرة النحاسية ومفارقة ( الجاموسة ) التي أحبت البيت وملكته أكثر من أقارب الجدة .
في قصة المسحور دارت الأسطورة المتمثلة بالخيال على أرض صلبة من الواقع حيث المدور وما تم فيه من أحداث في هذه القصة امتزجت اجنحةالخيال وسطوة الواقع معًا لتكون شاهدا علي الحكايات المثيرة التي يحكيها الأجداد للأبناء وما فيها من مظاهر العادات والتقاليد لدي القرية وأيضا الجموح نحو الخيال بشكل كبير .
وهكذا تتوالي الحكايات ويتصاعد السرد ليتضافر مع الخيال وواقعية المكان المُحكي فيه وعنه .
لم تخلو القصص من واقعية السرد أيضا فالحكايات معظمها خيالي والبعض واقعي جدا لدرجة أنه يلمس قلبك قبل عقلك.
ننتقل إلي الجزء الثاني من حكايات الأرض والناس وهو الجزء المعنون( حكايات القلب )
كان البطل في الجزء الأول الأرض الناس جميعهم أبطال تحدث عنهم الكاتب
أما الجزء الثاني يكون البطل هو القلب لتسيطر الحالة الشعورية والنفسية علي العمل من خلال القصص الموجودة في الجزء الثاني نجد أن معظمها سيرة ذاتية من مواقف حياتية حدثت بالفعل ومست البطل شخصيا
وتتحول ماهية السرد لنري في الجزء الأول سطوة الأسطورة ونرى في الجزء الثاني سطوة القلب والصور التعبيرية لتتحول إلي قصص بمفهومها الذي اعتدنا عليه
ثم يأتي الكاتب في صفحة 97 ليخبرنا ويدلنا علي الطريق بعد أن أغوانا بالعناوين
فقال (قد يبدو لكم ..... إلى نهاية المقطع )
في هذا المقطع يضع أيدينا علي الطريق هي حكايات نسجها الكاتب ن مراقبة الناس في الأرض المختلفة ، أشار الكاتب إلي أول مكان ذكره في حكاياته (رأس الضبع _ النخلات العالية علي ضفاف النيل .
هكذا رسخ الكاتب المكان والطبيعة والعادات والتقاليد التي ظهرت بقوة في عمله الإبداعي.
ثم نأتي إلي أهم ما يميز كل سرد مكتوب وهي (اللغة )
غلبت علي لغة حكايات الأرض والناس لغة القرية المصرية ليس الريف بل القرية في صعيد مصر ومن هذه الكلمات ( البردة _ الحردة _ المشخلعة _ كردان_ المدور _ شلولو ) وكلها الفاظ دلت على تمكن الكاتب من لهجته الأم
دلت اللغة أيضا علي براعة استخدام المكان فالمكان ليوصف يوصف باللغة فكانت اللغة الداعم الأساسي لوصف المكان .
أما عن تقنيات السرد الموجودة خلت القصص من التقنيات المستحدثة والتي توهم القارئ أحيانا ألا أن اجمل ما فيها بساطتها ورقي استخدام الصور والمفردات والتراكيب .
أما عن عنوان المجموعة اختار الكاتب (دكر النخل )ليوجه نظر القارئ ان البطل هو محرك الأحداث وكما قولنا العنوان الفرعي هو حكايات الأرض والناس .
وجاءت الأرض قبل الناس ليعبر عن التمسك بالعرق والأرض وان الطين هو الأساس ومنه تأتي حكايات الناس
اما عن نهايات القصص جاءت بشكل يتشبع بالاحترافية العالية فبعض القصص كانت نهايتها تتسم بالعاقبة الأخلاقية ومنها قصص اتسمت بالنهاية المفتوحة وما اجمل عنصر المفارقة الذي حدث في معظم قصص المجموعة .
نجد بعض القصص احتوت علي مصطلحات أو ألفاظ من واقع القرية الصعيدية ولكي لا يقطع الكاتب سرد الأحداث اعطي لنا إشارة أن هناك قاموس لهذه المصطلحات اخر المجموعة وهذه من أهم ما يميز العمل الإبداعي
في ختام قراءتي المتواضعة كانت مجموعة معبرة عن الواقع المعاش في حين طاف بنا الكاتب في خيالات الحكاية لذلك عبر الكاتب عن معاناة الأرض والناس.