رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

عروسة وعريس

بوابة الجمهورية
في مساء عادي .. يفترش أبي الأرض، يرتشف شيئا من الشاي، قبل أن يعاود ويسحب نفسا عميقا من الشيشة، يكتمه قليلا ثم ينفثه في الهواء منتشيا، ليتصاعد الدخان بكثافة، لا يلقى


قصة بقلم :محمد صالح رجب

في مساء عادي .. يفترش أبي الأرض، يرتشف شيئا من الشاي، قبل أن يعاود ويسحب نفسا عميقا من الشيشة، يكتمه قليلا ثم ينفثه في الهواء منتشيا، ليتصاعد الدخان بكثافة، لا يلقى بالا لصراخ أمي وسخطها على الدخان وسنينه، أخواتي الثلاث اللاتي يصغرنني يرقدن على حصيرة في وسط الدار في حين تنكفئ الرابعة على واجباتها المدرسية.. تحمل أمي آخر العنقود، تهدهدها وتربت على ظهرها، وعندما سكتت وضعتها في فراشها ثم اتجهت نحوي، جلست إلى جواري على كنبة خشبية عتيقة، تحاول جاهدة أن تقنعني بالعريس الجديد وفضائله، وأنا ساهمة أتذكر يوم أن جلست إلى جواري وهي تهمس في أذني "غدا ستصبحين عروسا"، عندها كتمت فرحتي بداخلي، خشيت أن تضربني مرة أخري.. فقد شاهدتني منذ فترة وأنا ألعب لعبة "العروسة والعريس" مع ابن الجيران على سلم منزل مجاور، يومها ضربتني ضربا مبرحا وجاءت بسكين احمرت مقدمته من النار وتوعدتني أنها ستلسعني بها إن عدت إلى ذلك مرة أخري، راحت تذكرني أن عمري لم يتجاوز بعد العشر سنوات، وتركتني ارتجف من الخوف، واتجهت صوب أبي وأنا أتلصص وأرهف السمع إليها وهي تهمس له "بنتك جسمها فاير، لا مدرسة و لا وجع قلب، البنت لازم تتجوز وتتستر بسرعة"..
- سألتنني أمي: ألست فرحة؟ الم ترغبي أن تكوني عروسا؟ الخميس القادم فرحك على عمك سالم.. رجل مقتدر ومقطوع من شجرة، وزوجته "الله يرحمها" كانت بتذكره بكل خير.
- وهل سيكون مثل فرح ابنة خالتي؟
- وأحسن.. سوف تلبسين فستانا جميلا، وسوف يحضر أناس كثر يغنون ويرقصون، وسيكون هناك طعاما كثيرا وحلوى مما تحبين..
عندها ضحكت وعبرت عن فرحتي دون خوف، وانتظرت الخميس بفارغ الصبر..
يوم الخميس لبست فستانا جديدا، جلست على كرسي خيزران والتفت البنات من حولي، وظلوا يغنون ويرقصون وتتعالى الزغاريد وأنا سعيدة أنظر إليهم، لقد أصبحت عروسا..
سحبني عمي سالم، وعندما وصلنا بيته ،قدمت أمي لنا طعاما، وهمست في أذني "لا تخافي"، فأجبت: مم يا أمي؟
- أنت الآن أصبحت زوجة، وعمك سالم رجل طيب، اسمعي كلامه ولا تعصه، وإياك أن تغضبيه..
أومأت لها وحاولت أن أستبقيها معنا الليلة، غير أنها ابتسمت، وغادرت وهي تربت على كتفي وتوصي عمي سالم بي خيرا..
لم تكن طاعة عمي سالم كما أمرتني أمي أمرا هينا، بل كانت مصاحبة ببكاء وصراخ، كانت ليلة دامية، فقدت فيها الإحساس وأصبحت بعدها بلا مشاعر، حتى عندما مات بعدها بشهور قلائل، لم أحزن عليه، ولم تذرف عيني دمعة واحدة.. بيته الفسيح ضاق عليّ، حوائطه تطبق على صدري، تكتم أنفاسي، تطاردني صورته حتى في أحلامي، أصحوا من نومي فزعة مذعورة، كلما حاولت أن أهرب إلى منزلنا نهرتني أمي " لم تمر العدة بعد".. دهرا مر علي وأن أنتظر، وعندما غادرت منزله، كنت حبيسة أحزاني، أشفق على كل النساء كيف يطقن الرجال..
الآن تحاول أمي من جديد وعريس آخر.. قفز إلى ذهني طاعة أمي.. البكاء.. الدم.. انتفضت صارخة وأنا ارتجف: لا يا أمي.. لا أريد أن أكون عروسا، لن اكرر تلك اللعبة مرة أخرى حتى لو لسعتني بالنار.. هرولت مذعورة باتجاه غرفتي، بينما أسرعت أمي نحو أبي وبلهجة آمرة قالت له: "البنت أصبحت أرملة و لا زم تتجوز و تتستر بسرعة ".


" عروسة وعريس" قصة بقلم :محمد صالح رجب
في مساء عادي .. يفترش أبي الأرض، يرتشف شيئا من الشاي، قبل أن يعاود ويسحب نفسا عميقا من الشيشة، يكتمه قليلا ثم ينفثه في الهواء منتشيا، ليتصاعد الدخان بكثافة، لا يلقى بالا لصراخ أمي وسخطها على الدخان وسنينه، أخواتي الثلاث اللاتي يصغرنني يرقدن على حصيرة في وسط الدار في حين تنكفئ الرابعة على واجباتها المدرسية.. تحمل أمي آخر العنقود، تهدهدها وتربت على ظهرها، وعندما سكتت وضعتها في فراشها ثم اتجهت نحوي، جلست إلى جواري على كنبة خشبية عتيقة، تحاول جاهدة أن تقنعني بالعريس الجديد وفضائله، وأنا ساهمة أتذكر يوم أن جلست إلى جواري وهي تهمس في أذني "غدا ستصبحين عروسا"، عندها كتمت فرحتي بداخلي، خشيت أن تضربني مرة أخري.. فقد شاهدتني منذ فترة وأنا ألعب لعبة "العروسة والعريس" مع ابن الجيران على سلم منزل مجاور، يومها ضربتني ضربا مبرحا وجاءت بسكين احمرت مقدمته من النار وتوعدتني أنها ستلسعني بها إن عدت إلى ذلك مرة أخري، راحت تذكرني أن عمري لم يتجاوز بعد العشر سنوات، وتركتني ارتجف من الخوف، واتجهت صوب أبي وأنا أتلصص وأرهف السمع إليها وهي تهمس له "بنتك جسمها فاير، لا مدرسة و لا وجع قلب، البنت لازم تتجوز وتتستر بسرعة"..
- سألتنني أمي: ألست فرحة؟ الم ترغبي أن تكوني عروسا؟ الخميس القادم فرحك على عمك سالم.. رجل مقتدر ومقطوع من شجرة، وزوجته "الله يرحمها" كانت بتذكره بكل خير.
- وهل سيكون مثل فرح ابنة خالتي؟
- وأحسن.. سوف تلبسين فستانا جميلا، وسوف يحضر أناس كثر يغنون ويرقصون، وسيكون هناك طعاما كثيرا وحلوى مما تحبين..
عندها ضحكت وعبرت عن فرحتي دون خوف، وانتظرت الخميس بفارغ الصبر..
يوم الخميس لبست فستانا جديدا، جلست على كرسي خيزران والتفت البنات من حولي، وظلوا يغنون ويرقصون وتتعالى الزغاريد وأنا سعيدة أنظر إليهم، لقد أصبحت عروسا..
سحبني عمي سالم، وعندما وصلنا بيته ،قدمت أمي لنا طعاما، وهمست في أذني "لا تخافي"، فأجبت: مم يا أمي؟
- أنت الآن أصبحت زوجة، وعمك سالم رجل طيب، اسمعي كلامه ولا تعصه، وإياك أن تغضبيه..
أومأت لها وحاولت أن أستبقيها معنا الليلة، غير أنها ابتسمت، وغادرت وهي تربت على كتفي وتوصي عمي سالم بي خيرا..
لم تكن طاعة عمي سالم كما أمرتني أمي أمرا هينا، بل كانت مصاحبة ببكاء وصراخ، كانت ليلة دامية، فقدت فيها الإحساس وأصبحت بعدها بلا مشاعر، حتى عندما مات بعدها بشهور قلائل، لم أحزن عليه، ولم تذرف عيني دمعة واحدة.. بيته الفسيح ضاق عليّ، حوائطه تطبق على صدري، تكتم أنفاسي، تطاردني صورته حتى في أحلامي، أصحوا من نومي فزعة مذعورة، كلما حاولت أن أهرب إلى منزلنا نهرتني أمي " لم تمر العدة بعد".. دهرا مر علي وأن أنتظر، وعندما غادرت منزله، كنت حبيسة أحزاني، أشفق على كل النساء كيف يطقن الرجال..
الآن تحاول أمي من جديد وعريس آخر.. قفز إلى ذهني طاعة أمي.. البكاء.. الدم.. انتفضت صارخة وأنا ارتجف: لا يا أمي.. لا أريد أن أكون عروسا، لن اكرر تلك اللعبة مرة أخرى حتى لو لسعتني بالنار.. هرولت مذعورة باتجاه غرفتي، بينما أسرعت أمي نحو أبي وبلهجة آمرة قالت له: "البنت أصبحت أرملة و لا زم تتجوز و تتستر بسرعة ".





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة