رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

فاشلة في معرض الكتاب

بوابة الجمهورية
صار لي عدة سنوات أزور معرض الكتاب وأعود خاوية اليدين، ظننت أن السبب تعوّدي على القراءة الإلكترونية

بقلم: منال يوسف

صار لي عدة سنوات أزور معرض الكتاب وأعود خاوية اليدين، ظننت أن السبب تعوّدي على القراءة الإلكترونية الذي جعل الكتاب الورقي ليس فرصة وحيدة- وهو أمر حقيقي- أذكر حين أنجبت طفلي الثاني وكان موعد معرض الكتاب على أرض كوتة، طلبت من زوجي على استحياء أن أزور المعرض، فلم يُصّعّب الأمر عليّ رغم أن طفلي عمره شهور قليلة وابنتي الكبرى تكبره بعامين، ولا وقت للقراءة أصلًا، وكنت قد توقفت تقريبًا عن الكتابة من عدة سنوات مضت؛ أخذ العمل وقتي وطاقتي وفكري وكذلك الأولاد؛ مجهود بدني عالٍ يقتل أي إبداع، وضغوط حياتية وصراعات في العمل، وإضافة إلى ذلك أمور لا يفهمها سوى المرأة؛ أن تُرضع المرأة طفلها أمر عظيم، من يفهم تلك الحالة النفسية والجسدية والعصبية التي تمر بها المرأة حال الإرضاع، فقط الله يعرف ما أعني؛ كيف يكون الالتحام بينها وطفلها.. ما الذي يحدث في خلاياها ..وكيف يكون احساسها المضطرب تجاه الطفل بالحب والخوف والإشفاق والمسؤولية حتى إن بعضهن يُصَبْن باكتئاب ما بعد الولادة-أذكر الأوقات التي بكيت فيها كثيرًا في تلك الفترة- فأي إبداع وأي كتابة يمكنها أن تُزاحم الوقت المخيف، لا أظن أن كاتبة استطاعت أن تكتب في تلك الفترة من حياتها أبدًا، فالإبداع تَفَرُّد واستقلال، وتلك أكثر الأوقات في الحياة لا تحصل فيها المرأة على أي استقلال وربما لأوقات بعدها طويلة إذ يصبح الأولاد ضعفنا الذي نضحي من أجله بكل شيء. أفكر في اللواتي يقلن أنهن ينسين حين يكتبن أنهن نساء في محاولة الهروب من وصمة النسوية وأثق أنه لا إبداع حقيقي للمرأة دون صدق، والصدق أن تكون امرأة في أصدق الأوقات حين يمتد شريان بين القلم وروحها؛ امرأة لا شبيهة رجل.

أعترف أنني بعد أن دخل أولادي الجامعة، وبعد أن تركت الوظيفة تحديدًا، عدت إلى الكتابة دونما قرار، وفي عدة سنوات قليلة أنجزت كتابات كثيرة ما كنت أظن أبدًا أني أفعلها حتى أنني أنظر في نفسي وأسألها أحيانًا: كيف احتفظتِ بكل هذا سنوات طوال؟ّ بل : كيف احتملتِ نفسكِ وكنت تدخلين من باب المدرسة صباحًا لتضعي قناعك من أجل أن تنجحي في التعامل مع شباب وفتيات في المرحلة الثانوية، وتكونين يقظة ومرنة وحازمة في ذات الوقت، لم يشعر بي أحد حتى إن أحدهم سألني في دهشة: هو أنا مكنتش أعرفك والا إيه؟ وكأنني خبأت نفسي طيلة الوقت، أذكر أن أحد الزملاء وهو مدرس لغة عربية، سمعني في احدى المرات وأنا أدفع الطالبات للدخول إلى المعمل وأقول: انطلقن يا فتيات، نظر بتعجب وقال لي : دي جملة مضبوطة جدًا، وقتها ضحكت وأنا أقول في نفسي: دي جملة عادية جدًا، لكنني أعرف يقينًا أن قرار التخلي عن العمل هو القرار الأهم والأصح على الإطلاق في حياتي.

فاشلة جدًا في المعرض، زحام لا يثمر شيئًا، أندهش من الذين يمسكون كتبًا في أيديهم وأحاول أن أشتري شيئًا، أفكر أنني في حالة غير طبيعية. في معرض القاهرة وصلنا في موعد مناسب، شعرت وقتها أنني كزهرة عباد الشمس؛ مشرقة ونضرة، بحثت عن احدى دور النشر ولم أستطع الوصول، بعد جهد كبير سألت الشباب المنتشرين في المعرض لمساعدة الجمهور فأرسلوني بالخطأ إلى اول المعرض بعد أن كنت قد وصلت إلى آخره، فكان أن أتى موعد حفل توقيع متتاليتي القصصية "صولفيج" وأنا كثمرة انفصلت عن فرعها في يوم قائظ على أرض تشبعت بحرائق شمسية جامحة.

وفي الإسكندرية أخبرني صبري الدويب أن: المعرض وحش قوي. لحقت اليوم الأخير للمعرض، حضرت ندوة مناقشة كتاب: فلسفة الحكمة/ للدكتور محمد دوير، واشتريت الكتاب-الحمد لله- ولكنني فشلت كالعادة في شراء أي كتاب آخر، حتى الكتب التي من المفروض أن يكون الحصول عليها سهلًا لم أجدها، ديوان الشاعر/حسن هزاع صار لي عامين لم أجده لا في معرض القاهرة ولا الإسكندرية ولا حتى في المعرض الدائم للهيئة في شارع سعد زغلول، وكتب أخرى للأصدقاء كذلك-أمر مريب فمن غير المعقول أن الكتب قد نفذت في هذا الوقت القصير جدًا- أنا حتى لم أجد حتى الآن نسخة من مجلة "عالم الكتاب" التي نُشِر لي فيها دراسة عن أحد كتب الأديب/مجيد طوبيا، وكنت أحب بالطبع الاحتفاظ بنسخة ورقية، رغم أنني استطعت الحصول على نسخة من أحد أعداد مجلة "العربي" والمنشور لي فيها قصيدة رغم أن أعدادها تنفذ بسرعة، لا أدري أين هي مطبوعات الأصدقاء ولا لماذا أحصل على مجلة تصدر خارج بلادي وبسعر زهيد ولا أستطيع الحصول على مجلة تطبعها الهيئة هنا؟!!!!

مررت على دور النشر في المعرض، كان كئيبًا جدًا لا أدري سببًا لذلك؛ ربما أن تنظيمه في المكان سيئًا، اجتمع كون المعرض وحش كما قال صديقي مع فشلي في الحصول على كتاب أبحث عنه أو لا أبحث؛ "فاشلة" و"وحش".. ثنائية بغيضة، أثناء تفقدي الكتب وصل إلى أذني صوت غاضب عال يقول لرفيقه: انا أشتري كتاب بـ50 جنيه ليه! دة كان كارل ماركس يطلع يـ.... . ضحكت ولم أنظر نحوه إذ كنت أعرف صاحب الصوت جيدًا ولست في حاجة للنظر، وتذكرت أنني راسلت احدى دور النشر من أجل الحصول على كتاب د.شربل داغر عن "ظهور اللوحة" بعد أن فشلت في معرض القاهرة في الوصول إلى دور النشر فأخبروني أنه بـ150 أو 200 تقريبًا- لا بأس يا صبري سوف أشتريه بمكافأة التأليف 200 جنيه كما أخبروني في النشر الإقليمي، لا مشكلة لكنني أفكر أنه يا ليت الناس تجد كتابي منشورًا ولا يلقى مصير كتب الأصدقاء التي لا أعرف مصيرها، عندك حق يا فتى المعرض وحش لكن كارل ماركس لن يستطيع أن يأتي فلا تقلق- وحتما كتابه "قصيدة النثر" سيكون في نفس الحدود، لكن لا مفر؛ بعض الكتب لا بد أن تحصل عليها ورقيًا حتى إن كنت فاشلًا مثلي في معرض الكتاب كل عام.

أفكر أنه لو أمد الله في عمري للعام القادم لن أذهب إلى معرض القاهرة، لكنني قلت مثل هذا الكلام العام الماضي.. عمومًا في هذا حديث آخر ولا بد لي الآن أن أدخل إلى المطبخ من أجل إعداد الطعام لفلذات كبدي.





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة