لمَّا رأيتُك
بقلم : أحمد محمد خلف
يُسارعون في شغفٍ متسائلين ، ولمَ هِيَ التي حظيَت بمِلْك زمام قلبك ! فصمتُّ للحظاتٍ قلائلَ ، وقلتُ : لا أدري إلّا أنِّي لما "رأيتُها ؛ " رأيتُنِي" ،رأيتُ هذه الصورة المثالية التي رسمها عقل لا يرتضِى إلا الشيئ النادر النفيس ، رأيت أخلاقًا عفويّة مطبوعة لا يشوبها شوائب التصنع ، ولا يعتريها هوس التجمّل ، رأيتُ وكأنَّني كنت لا أرى إلا صورة هيئات سُلِبتْ منها أرواحها التي تُزَيِّنها ، وحينما رأيتُك كأن هذه الأرواح أبَتْ إلا أن يملكها سِواكِ .
رأيتُ ذلكم الشعَاع النافذ إلى أعماق أعماق فؤاد بارت أرضه ؛ فأحياها بقطرات نقائه ، وما ذلكم الشعاع إلا مزيج من صفات مُرَسَّخة في داخلها ؛حتى باتت عَلَمًا يشَبّه بها كل من أراد التشبّه بصفات الجمال. سمعتُ كثيرًا عبارات الثناء ، ووصلات المديح ، ولكن ما أدركت هذا الجمال الروحيّ، والنقاء الإنسانيّ إلا بعد رؤيته ، وكأنني ما أدركت من السماع عنه سوى قطرةٍ في بحر ،أو سحابة في سماءٍ.
رأَيْتُ بريقًا يخطف القلب قبل البصر ، بريقا اجتمعت فيه كل معاني لََمعان الجوْهَر ، ونقاء المكْمَنِ ،بريقا أضاء قلبا معتِما ؛ أصابته العتمة ؛ لأنّه نبض بصدق ، وسُرْعان ما انتَهَكت خيبة الأمل هذه المصداقيّة ، ومع كل خيبة أمل ؛ تُرَسّخُ نقطة سوداء ؛ ومع كل نقطة تتزايد الظلمة ؛ حتى صارت تلك العُتْمة الموجودة الآن. أتحسِبِين أن المظاهر تَغُرّنِي ؟ كلّا ، إن المضاهرَ لا تداخل شخصا إلا وقد أصاب عقله صَدأ لا يبْرأ ، صدأ الاقتناع بمجرد الرؤية البصريّة ،ولا يشغله ما وراءه ، أهو عقلٌ حكيم ، ونفس سوية أم عقلٌ داخله هوَس المظهر دون الالتفات للجوهر ، ونفس داخلتها شوائب الزمن ؛حتى صارت من المروّجين لها؟ ،وشتّان بين طالب ذاك ، وراغب في ذلك! رأيت تلكم اللؤلؤة المكنونة، وتلكم الدرّة النقية .
رأيتكِ ،ولكن سرعان ما أفقتُ ؛ فما وجدتُك ،رأيتُكِ خيالًا ،وما إن التمسْتُكِ ؛ ما وجدت إلا سرابا أمسكته ، رأيتُك في حلمي ، ولعلّني في حقيقتي رأيتُك !