رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

نوبل الأمومة

بوابة الجمهورية
تلك الجمرة الملتهبة مازالت تتأجج في صدري , وترسل بومضاتها , صرت لاأحتمل حتى أن أتنفس , خشية أن تزداد اشتعالا , ومع ذلك تنفستُ

بقلم : حنان حامد

تلك الجمرة الملتهبة مازالت تتأجج في صدري , وترسل بومضاتها , صرت لاأحتمل حتى أن أتنفس , خشية أن تزداد اشتعالا , ومع ذلك تنفستُ نفسًا عميقًا ينفث الألم دخانًا , ارتسمت على إثره غشاوة ضبابية على المرآة الباردة من أمامي فأخفت ملامحي البائسة حتى عن عينيّ, دققت النظر , فإذا بأنثى لها من الخارج حدود وملامح , لها سقف ينتهي عنده جسدي , لكنها ذات الأنثى بلا سقف ولا قاع ,وما إن اتضحت الملامح حتى انطبعت صورة امرأة ياطالما ملكتني فملأتني , ويا طالما أحبّتني فأحْيَتني , وياطالما آوتني فطبّبتني وداوتني , فتبسّمت ضاحكة من رؤيتها ,لكن الصورة بالمرآة ظلت شاردة حزينة , بعيدة , حاولت أن ألمسها, لكن واهمة كانت محاولتي , كان ذاك الزائر طيف أمي , خرج من أعماق روحي وخاطري, لينجلي لعينيّ ناظري , لكن ليته مابدا , لما خلّف بداخلي من ظمأ وتحنان يكفي أهل الأرض جميعهم , وحزنٍ يهد جدران قلبي , تركني الطيفُ خواءً , ظهر بلا سندٍ, خريطة بلا اتجاهات , وهَنٌ بلا عكاز ,فقط أصابتني أمي بلوثة عشق , وهوس أمومي يمم شطر فراقٍ سرمديّ , جعلني أتحسس رائحتها في قلوب كل من صادفت ,ومن التقيت من النساء , البعض يشبهونك , والمعظم يلقبونهم بحرفيّ "الألف والميم" لكنها الفارقة في الشعور , فليس هنالك "أمي" إلا(كِ ),
"أمي" في لغتي أنت كلمة , لكن المعنى أعجزَ جميع اللغات , يكتبونك حرفًا, وأكتبك دمعًا ودمًا, غيابُك حضورٌ دائم, أحيا على إثره ثنائيّة رائعة , أمومة تسكن تجاويف روحي , وبنوّة تخصّك أعجزت بوحي ,

أتعلمين ياأمي : بالأمس البعيد , قررت الارتحال لعالم الأمومة الخرافيّ الذي زارنا منه طيفك , ثم ودّع مرتحلا , فأعددت عدّتي وما كدت أعبر الجسر , حتى سبقني القدر وأعاقني دون المرور , وانهار الجسر الأوحد الذي كتبت على طرقاته ألا أخطوها , فنظرت إلى مثالية بعالمكِ , طالما هفا قلبي الغض لنوالها , وقفتُ مكتوفة الأيدي , مكبّلة الفكر أتراقص على خمسين ألف حبل من النيران , تسطو على مشاعري , واتفقت جميعها على إيلامي .
قلت ربما يتطلب الأمر تغيير المسار , فالحصول على "نوبل الأمومة " يستحق مكابدة العناء والعزم للوصول , وهمس صوت آخر يسبّط من عزيمتي : لتضعي في اعتبارك أن هذه الجائزة صنعت خصيصًا لمن أسماها القدر "أمك" تعقّلي , فمشابهتها مستحيلة , فهي دولة في ذاتها يصعب عليكِ تأسيس مثيل لها , الصّعاب جمّة , وطاقتك الواهنة لن تحتمل !
لم أعبأ بهذا الصوت , وقررت أن أدرس الأداب العالمية كي تقرّ خاطرتي على المواد التي استقت منها أمي ؟ , وأي الفنون درست ؟ , وعلى أى المواهب اطّلعت؟ , فتيقنت أن هذا الذي بداخلي غيرة محمودة ومنافسة شريفة للحصول على جائزة "نوبل الأمومة " , فسلكت طريق الأدب نقدًا وتحليلا , ولكن عبثًا وجدته مجرد نقدٍ , ولا زالت أمي تتفرد بالتفسير لكل تلك البدائل والأداب , وظلت لمعناه هي التحليل الأوحد. , سحرتني أمي , فقررت أخيرًا أن أقرأ في كتب السحر , علني أصل لأسرار سحرها الذي حجبني برحيلها عن العالمين .
عفوًا عفوًا منكم , حدثتكم عن أمي , دون أن أخبّركم بملامحها ,
القمرُ كانت أمي , وكانت ,وكانت وكانت ....... , كانت تزداد روعة , كلّما زاد حولها الإظلامُ , لذا يشبهها القمر كثيرًا ,هي البحر عطاءً , والسمااااااااء احتواءً , هي الأرض ومن عليها حياة وبهاءً , والجنة في ريحها نقاءً , هي الموت عناءً , هي المثالية شموخًا وكبرياءً , هي الفرحة الغائبة والهمس والنصح الذي لايغيب , أمي نور الشمس , والدفء المنشود في ليالي الشتاء , أمي هي الابتسامة التي وضعت على براءة الطفولة غشاوة وجعلت جميع الحقائق زيفًا بجوار بسمتها ,أمي التي مارأيتها قط في حياتها تكذب إلا مرتين : مرة وهي مني غضبى فتقول من وراء قلبها: قلبي وربي غضبانين عليكِ يابنتي ! , والأخرى حينما كانت تئن من المرض والألم وأسألها : مالِك يا أمي ؟ ترد مبتسمة : أنا كويسة وبخير تسلمي وتسعَدِي !
ولم تكن أمي ملاكَا على هيئة بشر طوال الوقت , بل كانت معظم الأوقات مجرمة , تسرق , وتقتل وتقضي على مابداخلنا ....... نعم هكذا كانت !
كانت تسرق أحزاننا أنا وإخوتي الإثنى عشر , وترميها في بئر سحيق , وكانت تصمم على أن تقضي على مابداخلنا من خيبات خلّفها القدر , فصرنا أقوى وأقدر , وكانت القاتلة لكل إحساسٍ يعترينا بالألم , وتخلق بداخلنا آخرًا بحلو الأمل .

كبرتُ وصرت أعلم يقينًا أن أمي ليس بمقدورها أن تقرأ حرفي هذا , بعدما كنت أجهل في صغري أن أمي لاتفطن لغتنا العربية , فتقديري لها أنها العالمة بجميع اللغات والخبايا وما بأمنيات نفسي , فكنت دومًا لا أملك في عيد الأم إلا أن أشتري لها" كارت معايدة" , مطبوع عليه " أحبك أمي " ظنًأ مني أنها تعلم اللغة التي تخطها صغير أناملي , فتفكها بحدس محبتها ," ومن القلب للقلب رسول " هكذا علمتني كأفضل معلّمة , وأورثتني جينات هذا العشق بداخلها , وظللتُ أخبئه بأعماقي عقودًا ثلاثًا , حتى تاقت روحي لمن أورّثها إياه , فاشتقت لطفلة تشبه" دولة أمي" الحصينة , ولكني عجزتُ يا أمي , وكيف هذا ؟ ومن يضاهي سيدة عمري الفاضلة ؟, وكأن عالمي انتهى من النساء الجميلات إلاكِ ,,

يقرأني الآن الكثيرون دونها , بينما تلمسني من دواخلي الآن هي , فتقرأني على طريقتها الخاصة , أميّة أمي كانت , لكن أدبي لم أنهله إلا من نهر جامعتها العذب العفوي , فظلّت أمي هي السّجل الأدبي الإنساني الأول لقراءاتي , والمسودة الأولية لحكاياي ورواياتي , أذهب إليها في كل إشراقة حنين, فأحكيها بلا صوت , وأكتبها بلا حبر , ولا يسمع بنا سوانا , بكلمات تأتي عفوا بلا ترتيب , فتشق عتمة روحي بدونها وكأنها تأتي إليّ في صحبة نجوم الكون فإذا النور , فأسير ببصيرتي على إثره .
لم يقدر حرفي على رثائك ,لأن كلا منّا يعلم أنه أخذ الآخر معه , فأيّنا له حق الرثاء ؟! .
أدينُ بسلام كبييييير إليكِ منّي , يعيد سلامي الداخليّ وأماني إليّ ,
ولأوفيك حقك كان لزامًا عليّ الاعتراف بأحقية "نوبل الأمومة "لك عمّن سواكِ , ولكن يا جنة تحناني تستحقين أنت من البدائل "ملك سليمان ", وجنة وسعها السماوات والأرض جزاءً وفاقًا من الرحمن .

----

نونا





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة