أسباب براءة قاتل والديه : الفارق بين العقل والجنون مقداره سمك شعرة..ولا عقوبة للمرضى النفسيين
قالت محكمة جنايات دمنهور برئاسة المستشار الدكتور سامح عبد الله في حيثيات حكمها ببراءة المتهم بقتل والديه بكفر الدوار انها وأثناء حكمها فانه لا يغرب عنها ذلك الجرم الكبير الذى راح ضحيته أبوان قد وقعا ضحية لمرض تمكن من عقل ابنهما وفلذة كبدهما ففتك بهما دون أن يعلم أنه يمزق أحشاء قد حملته ووريداً قد تشكلت دمائه منه.
واضافت المحكمة في حيثياتها أنها وهى تقضى بذلك فإنها آسفة لما حدث، قلقة لما يمكن أن يحدث مرات ومرات وطالما ظلت نظرة المجتمع المليئة بالسخرية للمريض العقلى والنفسى ناسيين ومتغافلين أن الفارق بين العقل والجنون هو بمقدار سُمك شعرة وأن من مُتِّع بنعمة العقل لا يجب أبداً أن يسخر ممن ذهبت عنه.
إن هذه المأساة ما كانت لتقع لو كنَّا قد أدركنا العلاج فى حينه وما تراخينا حتى استفحل وصار وحش كاسر... وها هى النتيجة..أبوان غارقان فى دمائهما وإبن فقد عقله ومجتمع يبدو أنه اعتاد ألا يفيق إلا بعد وقوع الكارثة فتأخذه عاطفة الإنفعال ثم لا يلبث حتى يعود إلى ثبانه ويالها من مأساة..!
وأشارت المحكمة في حيثياتها برئاسة المستشار الدكتور سامح عبد الله وعضوية المستشارين حاتم محمد محمود وعاصم نعيم محمد انه لما كان من المقرر أنه لا يكفى لقيام المسؤولية الجنائية على عاتق مرتكب الفعل الجرمى أن يكون إنسان وإنما يلزم أن يكون مرتكب الفعل وقت ارتكابه متمتعاً بالبلوغ والوعى وهما الدعامتان اللتان يقوم عليهما الوعى والإرادة، وهذا معناه أنه يلزم أن يكون مرتكب الفعل وقت ارتكابه متمتعا بالملكات الذهنية والعقلية التى تسمح له بإدراك معنى الجريمة ومعنى العقوبة وتدفعه بالتالى إلى الاختيار بين الإقدام على الجرم وبين الإحجام عنه فلا يُعقل أن يُحكم على أحد بعقوبة ما لم يكن قد أقدم على الفعل بشعور واختيار عن وعى وإرادة وليس من مصلحة الجماعة أبداً أن يُحاكم من كان فاقد الوعى والإرادة وقت ارتكاب الجريمة وإلا كان منظورنا إلى العقوبة أنها تعبير عن الألم..مجرد الألم!..وهذا ليس صحيح على الإطلاق.
واوضحت المحكمة إن العقوبة فى جوهرها ردع وإصلاح وليس المقصود منها التلذذ بالألم وإذا كانت كل السياسات العقابية الحديثة تنظر إلى العقوبة بوصفها أداة لإعادة التوازن بين الجريمة كشر وقع وبين العقوبة بما تتميز به من ردع وإصلاح وتهدئة لشعور العامة فإن تلك المعانى تذهب سدا عندما يدفع المجتمع بشخص فاقد الوعى إلى العقاب مهما كان حجم الجرم الذى اقترفه.
ولقد صنع المشرع حسناً عندما أضاف فى التعديل الذى أدخله على المادة ٦٢ من قانون العقوبات بالقانون ٧١ لسنة ٢٠٠٩ المرض النفسى إلى المرض العقلى كمانع من موانع المسؤولية.
وحيث إنه لما كان ذلك وكانت المحكمة وهى فى سبيلها لاستجلاء الحقيقة قد استجابت إلى طلب الدفاع بإحالة المتهم إلى لجنة من خبراء الطب النفسى للوقوف على مدى مسؤوليته عن أفعاله وقد ورد تقرير الطب النفسى بعد وضع المتهم تحت الاختبار مدة خمسة وأربعون يوما والمحرر من ثلاثة من الاستشاريين النفسيين يثبت أنه يعانى من مرض عقلى ( فصام ضلالى) قبل ارتكاب الواقعة وأثتاءها كان تحت تأثير الضلالات اعتقاداً منه أن المجنى عليهما ( أبوه وأمه) كانا يضروه ويقوما بإذائه بالسحر وكذلك بالهلاوس التى تصور له أن المجنى عليهما غير آدميين ووجههما قبيح وتصدر منهما روائح نتنه وأنه بعد أن فرغ من قتلهما سمع صوت تكبير من ربنا( الله أكبر..الله أكبر) " عشان هما كانو ظالمين" وأن الله نصره عليهما كما أنه ليس لديه شعور بالذنب تجاه المجنى عليهما وغير مكترث لعاقبة أفعاله مما يدل على عدم وجود استبصار لديه واضطراب فى حكمه على الأمور ويتضح مما سبق أن المتهم يعانى من مرض الفصام الضلالى وهو مرض عقلى وأنه كان قبل وأثناء ارتكابه الواقعة تحت تأثير الضلالات والهلاوس المرضية التى أفقدته الإدراك والإختيار وعليه فهو غير مسئول عما ارتكبه من واقعة وتوصى اللجنة بإيداع المتهم إحدى مستشفيات الطب النفسى لمباشرة علاجه حتى تستقر حالته وتزول خطورة الأعراض المرضية لديه.
وحيث إنه لما كان ذلك وكان من المقرر أن المرض العقلى الذى يوصف بأنه جنون أو عاهة فى العقل وتنعدم به المسئولية طبقاً لنص المادة ٦٢ من قانون العقوبات هو ذلك المرض الذى من شأنه يعدم الشعور أو الإدراك.
ولما كان من المقرر أن تقدير آراء الخبراء موكول لمحكمة الموضوع بما تملكه من تقدير القوة التدليلية لتلك التقارير والأخذ بما ترتاح إليه منها. وكان الثابت من التقرير الطبى النفسى أن اللجنة المشكلة من الأطباء الاستشاريين قد أخضعت المتهم للفحص والمراقبة فرادى ومجتمعين وأجرت له التحاليل اللازمة وبحثت تاريخ مرضه النفسى حيث خضع المتهم من قبل للعلاج النفسى لمدة شهر دون أن يكمل وكانت المحكمة قد اطمأنت كل الاطمئنان للإجراءات التى اتبعتها لجنة الفحص وكذلك إلى النتيجة التى انتهت إليها الأمر الذى لا تجد معه المحكمة سبيلاً سوى أن تقضى ببراءة المتهم لإنتفاء مسئوليته الجنائية.
لقد رُفع عنه القلم وكان لزاماً على المحكمة أن ترفع قلمها عنه.
وذكرت المحكمة في أسباب حكمها بالبراءة أن شعور المتهم بالاضطهاد كان يتزايد دون أن يدرك ابواه ذلك أو اشقاؤه.
الشعور بالدنيا والاضطهاد بينما كان الشيطان الذى تمكن من المتهم المريض فصور له أبواه كوحشين كاسرين يريدان الفتك به ففتك هو بهما الأم أولا حيث طعنها بسكين وأخبئ جثتها بحمام المنزل ثم انتظر أباه حتى عاد إلى المنزل ففتك به أيضا.
ترجع احداث الواقع الي يونيو ٢٠١٨ بقيام المتهم اثر شعوره باضطهاد والديه له وتفضيل اشقائه المتعلمين عليه بأخذه قرار التخلص منهما فقام بذبح والدته اولا ثم أعقبها ذبح والده سبقتهما ثم قام بالهرب الي مدينة المنصورة فتم تحديد موقعه وضبطه من قبل ضباط مباحث كفر الدوار بالاشتراك مع ضباط مصلحة الامن العام .