في بلاط صاحبة الجلالة
بقلم - هبه مرجان:
يتخيل البعض أن الكاتب أو الصحفي يستيقظ ف الصباح ليمسك الورقة والقلم ويكتب الأخبار ،أو المقالات في غضون عشرة دقائق ،ثم ينتهي الأمر ،و يُمضي بقية اليوم في ترف بعد أن أدي مهمته ،الأمر ليس كذلك يا سادة ؛فالكتابة من أصعب وأشق المهن علي الإطلاق ،يظل فيها الكاتب ساعات ،بل وأيام في حالة عصف ذهني لاستخراج الفكرة فقط ،ويبدأ بعدها معاناته في كتابة أول سطر ، ويا له من سطر ،لا يأتي أبدا ،كلما كتبت جملة محوتها وكتبت غيرها ،وهكذا حتى تستنفذ كلماتك ولا تجد أمامك سوي المحاولة مرارا وتكرارا ،فلا فقرة ترضيك ،ولا عنوان يشرح صدرك ،ويبدأ مرض "الانسداد الكتابي" في التوغل داخل كل خلاياك العصبية ،هذا هو الوباء الذي يعاني منه كل الكتاب ،كم من حبر استنزف وكم من ورق تمزق في سبيل إيجاد مقدمة أو خاتمة أو حتى عنوان ؛ولكن كل تلك المعاناة تختفي بمجرد أن تأتي "لحظة الإلهام"،وقتها فقط تري القلم وقد خط عشرات السطور دُفْقة واحدة ،ويظل يكتب ويكتب حتى ينتهي الوقت الميمون و ينقضي مفعول السحر ،ويرجع حراس سندريلا ،وعربتها إلي حالتهم الأصلية ،سحالي و يقطين ،ويعود الكاتب المسكين لطاولته ،كما عادت ماجدة الرومي .. لا شيء معه إلا "كلمات".
في لحظات كثيرة أود أن أترك ما أكتبه وأذهب لأسمع "ممنوعة أنتي" ،أغنية كاظم الساهر ،أشعر وكأنها تتحدث عن كل من اختفت كلماته وشحبت أفكاره ،خاصة حينما يقول "ممنوعة أنتي ،أطلب أقلاماً فلا يعطونني أقلام ،أسألهم برشامة تدخلني في عالم الأحلام" ،وكأن "نزار قباني" قد كتبها ،وهو يفكر في المأساة التي كان يعانيها في كتابة قصائده ؛ ولكن علي الجانب الأخر نجد أن هناك من يحارب حرب أخري لا تمت للصحافة أو للكتابة بصلة ،حربه ليست حرباً مع نفسه لإيجاد الأفكار ،إنما هي حرب مصالح وأجندات ،هؤلاء قادرون علي تحويل السلام حرباً كيفما شاءوا ،و الثورة إلي وفاق وطني وقتما أرادوا . هناك مقوله قالها "أوسكار وايلد" : في أمريكا ،يحكم الرئيس لأربع سنوات ،بينما تحكم الصحافة إلي الأبد ؛ولهذا كان أول خطاب رسمي لــ"ترامب"عقب فوزه بمنصب الرئاسة ،يحمل نقد لاذع لكل وسائل الإعلام الأمريكية والعالمية ،بالضبط ،كما يقول المثل المصري " ذبح لهم القطة" ،و الآن جعل العالم بأسره يغرد باسمه حتى أصبح الجميع يترقب ما يقوله "ترامب" كل صباح ،علي حسابه الشخصي في تويتر ،هؤلاء الأشخاص أمثال "ترامب و كم جونغ أون و أردوغان ،وغيرهم ينطبق عليهم ما قاله مصطفي أمين :"الصحافة الحرة تقول للحاكم ما يريده الشعب ،وليس أن تقول للشعب ما يريده الحاكم".
أصبحت أخشي أي سبق صحفي يظهر أمامي أو الأفكار الجديدة التي تداعب عقلي بين الْفَيْنَةِ وَالأُخْرَى،لأني سرعان ما أتذكر مقولة توم ستوبارد : "مازلت مؤمنا أنك إذا أردت تغيير العالم ،فالصحافة سلاح فوري وأسرع" ،و أن الخبر مُقدس والتعليق حر ،في تلك اللحظة تماماً أشعر وكأنني أريد اعتزال العمل الصحفي وأعود إلي صفوف القراء ،كثيراً ما أخشي أن تُخْزِنِي كلماتي يوم ما ،أو أن يحمل نقدي أذي لذوي القلوب الرقيقة ، وفي حذر شديد أمكث في صمت ،أو مع سيمفونيات شوبان ،وأبدأ في اختيار الجمل والعبارات بما يتناسب مع عقلية وسيكولوجية القراء ،ويا له من شعب ، يمرضني حتى الكتابة إليه ،لا أجد ما يليق بعقليته وثقافته ، أحاول جاهدة يوماً بعد يوم في ثقل مهاراتي الصحفية كي أرقي إلي مستواه الفكري .. وعلي الرغم من ذلك لا أتمني أبداً أن يراني أحد وأنا في خضم معركتي مع الكتابة ؛ففي البداية أبدو كمذيعات نشرات الأخبار ،في أبهى حلة ؛ ولكن شتان بين البدايات والنهايات ،فبعد 5 ساعات علي الأقل، ينتهي بي الأمر ،وقد شددت كل خصلة من شعري لأصبح في النهاية كــ" سوكا العبيطة "،في فيلم أبوعلي .
"أقسم بالله العظيم أن أصون مصلحة الوطن و أؤدي رسالتي بالشرف والأمانة والنزاهة وأن أحافظ على سر المهنة وأن أحترم آدابها وأراعى تقاليدها" ،قبل أن يقسم أي صحفي بهذا اليمين القانوني ،عليه أولاً أن يؤدي يمين أخر ، لا علاقة له بسر المهنة ولا الشرف والأمانة ؛ولكنه "قسم الضمير الصحفي" تجاه القراء ،تجاه شعبه بمختلف فئاته و اتجاهاته.. قسم، أن كلامه لا يضر أبداً لا بالثوابت ،ولا بالقيم ولا بتراث وطنه وثقافته وحضارته ،قسم من نوع أخر ،لا يعترف بالأجندات السياسية أو موازين القوة ،قسم مجرد من العنصرية ،والتعصب بكل أنواعه .
«صاحبة الجلالة» .. هي فقط القادرة علي تحقيق حلم أفلاطون في خلق مدينة فاضلة ،قائمة علي "سلطة رابعة" عادلة ونزيهة ،لا ترغب في شيء سوي عرض الحقائق ،و نشر الأفكار الإيجابية ،ونقل التراث الثقافي للأجيال القادمة .