بشريات.. الساعي علي الأرملة والمسكين
عن أبي هريرة عن النبي صلي الله عليه وسلم: الساعي علي الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله. وأحسبه قال: وكالقائم الذي لا يفتُر. وكالصائم الذي لا يُفطِر» متفق عليه.. والساعي عليهم هو الذي يقوم بمصالحهم ومؤنتهم وما يَلزَمُهم.
فقد اعتني ديننا الحنيف بشؤون الضّعفاء والمُحتاجين من النّاس. وأَوْلاهم مزيدًا من الاهتمام والرّعاية. جبرًا لضعفهم. وإصلاحًا لشأنهم. حتّي وصل الأجر والثّواب المترتّب علي القيام بشؤونهم إلي منزلة أعلي العبادات والطّاعات مَرتبةً وفضيلةً.
والأرملة: من لا زوج لها. وقيل الّتي مات عنها زوجها. غنيّة كانت أم فقيرة. قالپابن قُتيبة: سُمّيت أرملة لما يحصل لها من الإِرمال. وهو الفقر وذهاب الزّاد بفقد الزّوج. يُقال أرمل الرّجل. إذا فَنِيَ زاده.
لا يَفتُر: من الفُتُور وهو الانكسار والملل والضّعف. والمُراد لا يتوقّف أو لا يستريح أو لا ينقطع أو لا يملّ.
وفي الحديث يحثّ النّبيّ صلّي الله عليه وسلّم الأمّة علي التّكافل والتّراحم. وعلي رعاية الضّعفاء والمحتاجين من الأرامل والمساكين. ويخبرها بالثّواب الجزيل والمردود الجميل والمرتبة العُليا لمن فعل ذلك. فيقول صلّي الله عليه وسلّم: "السَّاعِي عَلَي الأَرْمَلَةِ وَالمِسْكِينِ" والسّاعي أي الّذي يسعي ليُحصّل ما ينفقه عليهم. أو الكاسب لهما العامل لمُؤنتهما. أو الذي يقوم بشؤونهما ويرعاهما ولو من غير ماله. والأرملة بالمعني العام هي الّتي لا زوج لها أو لا عائل لها. سواءى سبق لها أن تزوّجت أم لم يسبق لها ذلك. والمِسكين هو الّذي لا شيء له. أو الّذي له شيء يسير. وقد تُطلق المَسْكنة علي الضَّعف. والمقصود أنّ الّذي يسعي ويقوم برعاية الأرامل والمساكين "كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِپ- وأحسِبُه قال: كَالقَائِمِ لاَ يَفْتُرُ. وَكَالصَّائِمِ لاَ يُفْطِرُ". أي أنّ ثواب القائم بأمرهما وإصلاح شأنهما والإنفاق عليهما. كثواب الغازي في سبيل الله. فإنّ المال شقيق الرّوح. وفي بذله مخالفة النّفس ومطالبة رضا الرّب. وأيضًا كثواب الّذي يقوم الّليل دون فتور. ويصوم النّهار دون فطور. ولا يخفي ما في ذلك من أجور. فدّل ذلك علي المنزلة الرّفيعة. والمكانة السّامية. لمن يقوم بهذا الدّور العظيم.
قالپابن بطّالپرحمه الله: من عجز عن الجهاد في سبيل الله. وعن قيام الّليل وصيام النّهار. فليعمل بهذا الحديث. وليسعَ علي الأرامل والمساكين» ليُحشر يوم القيامة في جملة المجاهدين في سبيل الله دون أن يخطو في ذلك خطوة. أو ينفق درهمًا. أو يلقي عدوًّا يرتاع بلقائه. أو ليحشر في زُمرة الصّائمين والقائمين. وينال درجتهم. وهو طاعمى نهاره. نائمى ليلة أيام حياته. فينبغي لكلِّ مؤمن أن يحرص علي هذه التّجارة الّتي لا تبور. ويسعي علي أرملة أو مسكين لوجه الله تعالي. فيربح في تجارته درجات المجاهدين والصّائمين والقائمين من غير تعب ولا نصب. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
ووجه الشّبه بين المُجاهد والسّاعي علي الأرامل والمساكين: كلاهما يقوم بالإحياء. وكلاهما يغالب النّفس والشّيطان والهوي. المُجاهد يعمل علي إحياء الدّين. والسّاعي يعمل علي إحياء النّفوس. يذود المُجاهد في سبيل الله عن دينه في ميدان المعركة. ويبذل نفسه وماله لله عزّ وجلّ. ويكدّ السّاعي علي الأرامل والمساكين في ميدان الحياة. ويتعب وينصب. ويبذل ماله ووقته. لا ليُمتّع نفسه أو ولده. أو لينفقه في البذخ والّلذة. وإنّما ليكفيهم حاجاتهم ويرعي مصالحهم. ويغنيهم عن الاستجداء وذلّ السّؤال. طلبًا لرضا الله عزّ وجلّ. فاشتركا في البذل والعطاء ابتغاء لمرضاة الله عزّ وجلّ ورغبة فيما عنده. فكان خليقًا -أي السّاعي- بمرتبة المُجاهدين. ومنزلة المقرّبين. ولَعمري إنّها لمنزلة تستحقّ أن نُبادر إليها ونتسابق فيها. لكي نظفر بأجرها وثوابها. وحتي لا يبقي في الأمة أرامل ضائعين. أو مساكين دون رعاية وكفالة.