صحابيات.. ذات النطاقين .. مناضلة عظيمة.. وعزيمة ثابتة
أسماء بنت أبي بكر ، صحابية جليلة من السابقين الأولين في الإسلام فهي مناضلة عظيمة قدمت الكثير لدينها وقومها، وهي أم عبد الله بن الزبير الذي بويع له بالخلافة، وهو أول مولود للمهاجرين بالمدينة، لقبت بذات النطاقين، وهي الأخت الكبري لأم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها، وآخر المهاجرات وفاة.
أسلمت منذ صغرها وهي في مكة المكرمة، وكان ترتيبها بين من أسلم "السابعة عشر"، فقد كانت أسماء تحب والدها حبا شديدا وتتأسي به، لذلك سارعت في دخولها إلى الإسلام فور إسلام أبيها..رضي الله عنهما.
تعد أسماء بنت أبي بكر من الصحابة الذين برزوا فى قصة الهجرة النبوية..حيث كان لها الكثير من الخصال والمواقف الرائعة، فقد ضرب بها المثل فى الشجاعة والقوة، كما كانت محدثة ورعة راضية، كريمة سخية، صابرة محتسبة.. وهناك الكثير من المواقف التى تدل على قوتها وشجاعتها فعند هجرة المصطفي عليه السلام وابيها، جاء أبو جهل إلى بيتهم باحثا عن رسول الله صلي الله عليه وسلم، وسأل أسماء عن والدها ولم تجبه، فقام أبو جهل بضربها على وجهها ضربة مبرحة، تسببت بسقوط القرط من أذنها، وسيلان الدم من وجهها، ولكنها وقفت فى وجهه بعزيمة ثابتة ولم تخبره بشئ رغم صغر سنها.
أما مواقفها التى تدل على أخلاقها الفاضلة وسرعة بديهيتها هى عندما علم جدها أبو قحافة والد ابو بكر الصديق رضي الله عنه بأنه خرج مع رسول الله من مكة، جاء مسرعا الى بيت ابنه لقلقله على أبنائه بعد أن هاجر وتركهم، وسأل أسماء إن كان أبوهم قد ترك لهم شيئا "وكان أبو قحافة يؤمئذ ضريرا لا يبصر" فقامت أسماء بجمع الحصي وربطتها ووضعت عليها ثوب، ثم أخذت بيده ووضعتها على الثوب حتي يتحسسها لتوهمه أن أبا بكر الصديق ترك لهم مالا وفيرا، وقالت له " لقد ترك لنا خيرا كثيرا".
ومن المواقف التى لا تنسي رضي الله عنها ايضا في الهجرة.. عندما كانت تقوم بإعداد سفرة من الطعام والشراب لرسول الله "ص" ولأبيها ليقتاتا عليه في سفرهما، فلما انتهت من إعدادها لم تجد شيئا تضع فيه الطعام، فقامت بشق نطاقها وجعلته نصفين، نصف للطعام ونصف وضعت فيه السقاء.. ولما بلغ ذلك النبي عليه أفضل الصلاة والسلام قال لها: أبدلك الله بنطاقك هذا نطاقين في الجنة "فسميت بذات النطاقين"، وظلت طوال فترة بقاء النبي "ص" في غار ثور تنقل لهما الزاد والأخبار.
تزوجت أسماء من الصحابي الجليل الزبير بن العوام قبل أن يخرج مهاجرا مع النبي عليه الصلاة و السلام، وكان فقيرا حينها وكانت أسماء امرأة قوية جلدة صبورة تخدم نفسها وأهل بيتها.
ولما خرجت أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها - من مكة الي المدينة المنورة مهاجرة كانت حاملا، وولدت بقباء في شوال في بداية السنة الثانية من الهجرة.. وكان مولودها أول مولود يولد بعد الهجرة، وقد استبشر المسلمون بمولده .. حيث كانوا قد بقوا لفترة لا يولد لهم مولود حتي قيل إن يهود المدينة سحرتهم.. وقد فرح رسول الله صلي الله عليه وسلم - بمجيئه فرحا شديدا، وقام بتحنيكه بتمرة، وسماه عبد الله، وبعد ذلك أنجبت أسماء خمسة أولاد كان أولهم عبد الله، ثم عروة، والمنذر، وعاصم، والمهاجر، وثلاث بنات هن : خديجة الكبري، وأم الحسن، وعائشة.
عاشت السيدة أسماء حياة صعبة خشنة بعد زواجها من سيدنا الزبير بن العوام رضي الله عنه حيث كان فقيرا لا يملك غير فرسه، وكان في طبعه شدة وكان يغار عليها، فكانت السيدة أسماء بنت الصديق تعتني بالفرس وتعلفه وتدق النوي وتحمله علي رأسها مسافة طويلة من الأرض التي يعمل بها زوجها الزبير، وكان من عظيم عنايتها بزوجها وصبرها معه وتقديرها له.. قد روي أنها ذات مرة لقيها رجل وهي تحمل النوي ورأف بها وأراد أن يحملها على دابته تخفيفا عنها، لكنها اعتذرت له لما كانت تعلم من غيرة زوجها عليها، فأخبرت الزبير فقال لها: "والله لحملك النوي كان أشد على من ركوبك معه"، وكان من شدة ورعها أنها حين قدمت عليها أمها وهي لا تزال على الشرك وأحضرت لها بعض الهدايا لم تقبلها. حتي سألت النبي "ص" قائلة له: إن أمي قدمت وهي رغبة أي غير مسلمة أفأصلها؟ فقال لها النبي صلي الله عليه وسلم " نعم صلي أمك " رواه البخاري.
شهدت أسماء معركة اليرموك مع ابنها وزوجها الذي طلقها بعد ذلك ثم عاشت مع ابنها عبد الله بعد طلاقها، وعمرت كثيرا، وقد كف بصرها، إلى أن تولي عبدالله بن الزبير الخلافة، مابين عامي 64 و73 هجرية، بعد وفاة يزيد بن معاوية.. واتخذ من مكة عاصمة لحكمه، وبايعته الولايات كلها إلا مناطق في الشام، ولكن خلافته لم تمكث طويلا.
وفي زمن الحجاج بن يوسف الثقفي، لم يقبل عبد الله بن الزبير مبايعته.. فنصب الحجاح المنجنيق على جبل أبي قبيس بمكة، من أجل قتال عبد الله الذي خذله كل أصحابه وتفرقوا عنه فدخل عبدالله على أمه ليأخذ رأيها فيما يحدث معه وتخاذل أصحابه له فقال : يا أماه هل اواصل القتال وحدي أم ماذا أفعل فانا أخشي أن يمثلوا بي ويصلبونني بعد أن يقتلوني "قالت يا بني إن الشاة لا تتألم بالسلخ إذا ذبحت، فامض على بصيرتك واستعن بالله، فقبل رأسها وسألها الدعاء له، وانصرف عازما على مواصلة القتال ولم تمضي أيام حتي هجم عليه جيش الحجاج وقتلوه.. وتم صلبه ثلاثة أيام.. ثم انطلق الحجاج إليها حتي دخل عليها، فقال : "كيف رأيتني صنعت بعدو الله" فقالت رضي الله عنها : رأيتك أفسدت عليه دنياه وأفسد عليك آخرتك.
بلغت أسماء مائة سنة . روت عدة أحاديث عن النبي صلي الله عليه وسلم، وكانت أخر المهاجرات وفاة فى المدينة المنورة.. وقد توفيت بعد وفاة ابنها بعدة أيام قليلة رضي الله عنها وأرضاها.