عبد الرحمن بن عوف.. يدخل الجنة حبوا
عبد الرحمن بن عوف، صحابي جليل وأحد المبشرين بالجنة، ومن السابقين الأولين إلي الإسلام، اشتهر قبل الإسلام بأنه من أغنياء قريش، وكان يمثل نموذجا فريدا في الشكر مع الغني حتي لقب "بالغني الشاكر"، كما كان كريما ماهرا في التجارة وشجاعا عفيفا وزاهدا لدرجة أنه رفض الخلافة مرتين.. وكان اسمه في الجاهلية عبد الكعبة، فسماه النبي صلي الله عليه وسلم عبد الرحمن.
كان عبد الرحمن أحد الثمانية الذين سبقوا بالإسلام وأحد الخمسة الذين أسلموا علي يد أبو بكر الصديق، هاجر الى الحبشة في الهجرة الأولي، ثم هاجر الي المدينة.. وعندما آخي الرسول "صلي الله عليه وسلم" بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري عرض عليه سعد أن يقاسمه ماله وزوجاته فقال له عبدالرحمن بارك الله لك في مالك وزوجك، ولكن دلني على السوق.. ولأنه كان ماهرا في التجارة فقد ربح كثيرا وفتح الله عليه وأصبح من أغني الأغنياء في المدينة المنورة.
بشره رسول الله صلي الله عليه وسلم بالجنة.. وشارك في جميع الغزوات مع رسول الله "ص" فشهد غزوتي بدر وأحد التي كان له دورا كبيرا فيها حيث كان ممن ثبتوا يوم أحد مع الرسول صلي الله عليه وسلم وقد أبلي بلاء حسنا حين بدأ بالقتال فقد أحصي الكفار في جسده 21 طعنة. ثم أصيب في ساقه. وسقطت ثناياه "بعض أسنانه"، وظل يعرج برجله إثر إصابته بها إلي أن مات.. ورغم ذلك كان فارسا مقداما فقد شارك في غزوتي الخندق وبني النضير وغزوتي بني قريظة وذي قرد والحديبية وحنين وخيبر والتي كان فيها أحد الرؤساء وحصار الطائف وغزوة تبوك وبيعة الرضوان.
وعندما بعثه رسول الله عليه الصلاة والسلام إلي دومة جندل التابعة لمنطقة الجوف "بالسعودية" فتح الله عليه ونجح في دعوتهم الي الإسلام وتزوج بنت ملكهم وهي تماضر بنت الأصبع بن عمرو الكلبي الذي كان نصرانيا وأسلم مع قومه، وجاء بها الي المدينة.
كان عبد الرحمن بن عوف يتميز بالشجاعة والإقدام في المعارك ولا يفر ولا يهاب الأعداء وكان مقاتلا بارعا، ورغم ثرائه إلا أنه كان متواضعا فكان يمشي بين مماليكه فلا يعرف أنه بينهم من شدة تقشفه وتواضعه.
قد فتح الله على عبد الرحمن في التجارة، كما فتح الله عليه في الصدقة، ومن أوجه الصدقة التي بذلها في سبيل الله: بينما كانت عائشة رضي الله عنها في بيتها إذ سمعت صوتا رجت منه المدينة فقالت ما هذا قالوا: عير قدمت لعبد الرحمن بن عوف من الشام وكانت سبعمائة راحلة.. فقالت عائشة: إني سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول رأيت عبد الرحمن بن عوف يدخل الجنة حبوا، فبلغ ذلك عبد الرحمن فأتاها فسألها عما بلغه فحدثته. قال فإني أشهدك أنها بأحمالها في سبيل الله عز وجل.
كما تصدق في عهد الرسول "ص" بشطر ماله أربعة آلاف دينار ثم تصدق بأربعين ألف دينار .. ثم حمل على خمسمائة فرس فى سبيل الله تعالي ثم حمل على ألف وخمسمائة راحلة في سبيل الله.
وفى عهد الخلفاء الراشدين كان لعبد الرحمن بن عوف منزلة كبيرة خاصة في عهد عمر بن الخطاب الذي كان يستشيره دائما. فعندما فتحت بلاد فارس سنة 22 هجرية اختلف الصحابة في أخذ الجزية من المجوس. فجاء عبدالرحمن بن عوف وأخبر الفاروق عمر أن النبي صلي الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس هجر.. "أي المجوس الذين انتقلوا من موطنهم الأصلى الى مكان آخر " فأخذ عمر بشهادة عبد الرحمن.. وبعث عمر كتابا لمعاوية " بأن يأخذ الجزية من المجوس الموجودين عنده لأن عبدالرحمن بن عوف أخبره أن رسول الله "ص" أخذ الجزية من مجوس هجر".
وعند وفاة عمر بن الخطاب كان عبد الرحمن أحد الرجال الستة الذين أقاموا مجلسا للشورى ليختاروا من يتولي الخلافة.
وقد عرف عن عبد الرحمن أنه زاهد في الإمارة .. رغم أن قيادة الأمة الإسلامية مهمة جليلة خاصة أن من تولاها في صدر الإسلام كانوا كبار الصحابة، الذين سطروا أروع سطور التاريخ الإسلامي وكتبوا أنصع صفحاته، لكن ابن عوف آثر أن يكون ضمن المعاونين للخلفاء وليس هو واحدا منهم، ورغم أن الفرصة كانت سانحة أمامه بعد وفاة عمر بن الخطاب فقد عرضوا عليه الخلافة ولكنه رفضها.. وفي عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه عندما وجد عثمان نفسه متعبا أرسل الي ابن عوف ليعرض عليه أمر الخلافة من بعده، فرفض مرة أخري.
توفي عبد الرحمن بن عوف سنة 32 هجرية وكان عمره خمس وسبعين سنة.. وكان قد أوصي بعد وفاته لمن بقي من أهل بدر لكل رجل أربعمائة دينار، وكانوا مائة، وأوصي بألف فرس فى سبيل الله.. ودفن بالبقيع رضي الله عنه.