صهيب بن سنان .. باع نفسه ابتغاء مرضاة الله فقال النبي "ربح البيع"
السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار
صهيب بن سنان أو صهيب الرومي .. صحابي جليل من السابقين الاولين فهو سابق الروم. فعندما انطلق شعاع النور والايمان في مكة، أسرع صهيب لتلبية النداء، فذهب إلى دار الأرقم، وأعلن إسلامه أمام رسول الله. هاجر إلى المدينة بصحبة علي بن ابي طالب، وترك أمواله لقريش مقابل ان يتركوه، وقال له رسول الله تعليقاً على ذلك "ربح البيع ابا يحيي" وبذلك أطلق عليه النبي كنيه أبو يحيي. ونزل فيه قرأن يتلى، وهو من أهل بدر. وقد أمره عمر بن الخطاب ان يصلي بالمسلمين بدلاً منه عندما تعرض للاعتداء وهو يصلي الفجر.
- أسلم مع عمار بن ياسر في نفس الساعة وأطلق عليه النبي لقب أبا يحيي ونزل فيه قرآن يتلى
- كان سيرافق رسول الله وأبو بكر في رحلة الهجرة فعطله مشركي قريش فهاجر مع علي بن ابي طالب
- شهد كل الغزوات مع رسول الله وامره الفاروق عمر بن الخطاب ان يصلي بالناس بدلا منه
- توفي بالمدينة سنة 38 هجرية وعمره 73 عاماً ودفن بالبقيع وروى عن النبي والصحابة أحاديث كثيرة
اشتهر صهيب باسم الرومي رغم انه عربي المولد والنسب والأصل فهو صهيب بن سنان بن مالك ويقال: خالد بن عبد عمرو بن عقيل، ويقال: طفيل بن عامر بن جندلة بن سعد بن خزيمة بن كعب بن سعد بن أسلم بن أوس بن زيد مناة بن النمر بن قاسط النمري، أبو يحيى وُلد في الجزيرة الفراتية بالقرب من مدينة نينوى في العراق، وأمه من بني مالك بن عمرو بن تميم، واسمها سلمى بنت قعيد بن مهيض. وكان رضي الله عنه فاضلاً، وافر الحرمة، وكان موصوفاً بالكرم والسماحة. وكان أحمر شديد الصهوبة تشوبها حمرة، وكان كثير شعر الرأس، يخضب بالحناء
كان والده حاكم منطقة الأبلة عاملاً لكسرى ملك الفرس، فهو من العرب الذين نزحوا إلى العراق قبل الإسلام بعهد طويل، وله قصـر كبير على شاطئ الفرات، فعاش صهيب طفولة ناعمة سعيدة، إلى أن اغار الروم على منزله ومنازل قومه وتعرض صهيب للأسر، وحمله الروم معهم، وقضى طفولته وصدر شبابه في بلاد الروم، وأخذ لسانهم ولهجتهم، وثم اشتراه رجل من كلب فباعه بمكة، فاشتراه عبد الله بن جدعان التميمي، أحد سادة قريش الذي أعجب بذكائه ونشاطه وإخلاصه وأعتقه وأخذ يتاجر معه ويصحبه في رحلاته حتى أصبح صهيب من أغنياء مكة.
أسلم صهيب بن سنان هو وعمار بن ياسر رضي الله عنهما في ساعة واحدة وعن ذلك يقول عمار: "لقيت صهيب بن سنان على باب دار الأرقم، ورسول الله فيها، فقلت له: ماذا تريد؟ فأجابني: ماذا تريد أنت؟ قلت له: أريد أن أدخل على محمد، فأسمع ما يقول. قال: وأنا أريد ذلك. فدخلنا على رسول الله فعرض علينا الإسلام، فأسلمنا ثم مكثنا على ذلك حتى أمسينا، ثم خرجنا، ونحن مستخفيان". فكان إسلامهما بعد بضعة وثلاثين رجلاً.
عرف كفار قريش بإسلام صهيب بن سنان رضي الله عنه فتعرضوا له بالأذى والتعذيب فتحمل في صبر وجلد؛ ابتغاء مرضاة الله وحبًّا لرسوله مثل كل المستضعفين من المؤمنين الأوائل وروى بن سعد من طريق عمر بن الحكم عن ذلك قال: كان عمار بن ياسر يعذب حتى لا يدري ما يقول، وكذا صهيب، وأبو فائد، وعامر بن فهيرة، وقوم، وفيهم نزلت هذه الآية: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَاهَدُواْ وَصَبَرُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} (110) سورة النحل
تأخر صهيب بن سنان رضي الله عنه في الهجرة، وعندما هم الرسول صلى الله عليه وسلم بالهجرة، علم صهيب به، وكان من المفروض أن يكون مع النبي ورفيقه ابي بكر، ولكن لم يستطع الإفلات من المشركين الكافرون، فسبقه الرسول وأبو بكر، وتأخر حتى كان أخر من يهاجر مع علي بن ابي طالب رضي الله عنه في تلك السنة، حيث دخلا المدينة في نصف ربيع الأول، ولزما رسول الله وصلى الله عليه وسلم وشهد بدراً، والمشاهد بعدها.
وعندما انطلق صهيب رضي الله عنه إلى الطريق مهاجراً إلى المدينة لحق به قناصة قريش، فصاح فيهم: يا معشر قريش إني من أرماكم، ولا تصلون إليَّ حتى أرميكم بكل سهم معي، ثم أضربكم بسيفي، فإن كنتم تريدون مالي دللتكم عليه، فرضوا، فعاهدهم ودلهم، فرجعوا فأخذوا ماله، وبلغا صهيب وعلي المدينة في 15 ربيع الأول سنة 1 هجرية. كان والنبي عليه الصلاة والسلام وقتئذ لا زال مقيمًا في قباء. فلما بلغ النبي أمر صهيب وما فعله مع أهل مكة قال: “يا أبا يحيى، ربح البيع، ربح البيع، ربح البيع". وفي ذلك نزلت آية: ((وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ)) الآية 207 سورة البقر.
ونزل صهيب بن سنان رضي الله عنه في المدينة المنورة على سعد بن خيثمة، وقد آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين الحارث بن الصمة. وعن أبي أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "السباق أربعة: أنا سابق العرب، وصهيب سابق الروم، وبلال سابق الحبشة، وسليمان سابق الفرس". وبعد الهجرة. وشارك صُهيب في جميع الغزوات والمشاهد الكبرى. وروي انه كان يقول: "لم يشهد رسول الله مشهدًا قط إلا كنت حاضره، ولم يبايع بيعة قط إلا كنت حاضرها، ولم يسر سرية قط إلا كنت حاضرها، ولا غزا غزوة قط إلا كنت فيها عن يمينه أو شماله، وما خافوا أمامهم قط إلا كنت أمامهم، ولا ما وراءهم إلا كنت وراءهم، وما جعلت رسول الله بيني وبين العدو قط حتى تُوُفِّي".
وكان إلى جانب ورعه وجهاده وكرمه وفضله خفيف الروح، حاضر النكتة، فقد رآه الرسول يأكل رطب، وكان بإحدى عينيه رمد، فقال له الرسول ضاحكًا: "أتأكل الرطب وفي عينيك رمد"، فأجاب قائلاً: "وأي بأس؟ إني آكله بعيني الأخرى.
واصل صهيب بن سنان رضي الله عنه جهاده مع الصديق ثم مع الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنهما. وكان بطلا شجاعًا، وكان كريمًا جوادًا، وينفق كل عطائه من بيت المال في سبيل الله، يعين المحتاج ويغيث المكروب، ويطعم الطعام على حبه مسكينًا ويتيمًا وأسيرًا، وقال له عمر رضي الله عنه يومًا: لولا ثلاث خصال فيك يا صهيب، ما قدمت عليك أحدًا، أراك تنتسب عربيًّا ولسانك أعجمي، وتُكنى بأبي يحيي، وتبذر مالك. فأجابه صهيب: أما تبذيري مالي فما أنفقه إلا في حقه، وأما اكتنائي بأبي يحيى، فإن رسول الله كناني بأبي يحيى فلن أتركها، وأما انتمائي إلى العرب، فإن الروم سبتني صغيرًا، فأخذت لسانهم، وأنا رجل من النمر بن قاسط.
وكان عمر رضي الله عنه يعرف لصهيب فضله ومكانته، فعندما طُعن رضي الله عنه أوصى بأن يصلي صهيب بن سنان بالناس إلى أن يتفق أهل الشورى على أحد الستة الذين اختارهم قبل موته للخلافة؛ ليختاروا منهم واحدًا، ظل صهيب يجاهد في سبيل الله حتى كانت الفتنة الكبرى، فاعتزل الناس، واجتنب الفتنة، وأقبل على العبادة حتى مات رضي الله عنه بالمدينة سنة 38 هجرية، وعمره آنذاك 73 عاماً، ودفن بالبقيع. وقد روى صهيب رضي الله عنه عن النبي أحاديث كثيرة، وروى عنه بعض الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين.