رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

فى عالم "متعدد الأقطاب" بعد الحرب الروسية فى أوكرانيا.. كيف يتعامل العرب مع المتغيرات الدولية الجديدة؟

بوابة الجمهورية

حان الوقت لتحقيق التكامل الاقتصادى والشراكة الاستراتيجية بين دول المنطقة

التحالف العسكرى والأمنى ضرورة لمواجهة التهديدات وتحقيق الأمن الإقليمى

القمة الأمريكية - العربية المرتقبة.. فرصة لإعادة التوازن الاستراتيجى للمنطقة

منذ اندلاع الحرب الروسية فى أوكرانيا فى الرابع والعشرين من فبراير من العام الجارى، والعالم يشهد متغيرات جديدة على كافة الأصعدة، السياسية والاقتصادية والعسكرية


على الصعيد السياسى، تدفع الأزمة الأوكرانية حاليا النظام العالمى نحو التعددية القطبية، بعد أكثر من ثلاثة عقود من الجهود الأمريكية لتأسيس وتعزيز نظام دولي أحادى القطب.

فقد كشفت الأزمة الأوكرانية، عجز القطب العالمى الأوحد (أمريكا) عن ممارسة دوره، حيث فقَد قوة الردع، التي كان يجب أن تمنع روسيا من دخول نزاع عسكري مع أوكرانيا.


فيما فقد هذا القطب القدرة على المواجهة المباشرة في هذا النزاع، واكتفى بأضعف الوسائل وهى الحصار الاقتصادى والإعلامى والثقافي والرياضى. وجتى العقوبات الغربية على روسيا تأثيرها على اقتصادات أوروبا وأمريكا أشد بدرجة تجعلها سلاحا ذا حدين لا يمكن استخدامه لفترات زمنية طويلة.

وأوضحت الأزمة الأوكرانية حدود القوة الأمريكية، والتى ظهرت بشكل أساسى فى استبعاد الخيار العسكرى، وتبنى نهج العقوبات الاقتصادية.. ويعتقد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أن القوة الأمريكية فى حالة تراجع، وأن التزام الولايات المتحدة تجاه حلفائها أصابه ضعف كبير، كما اتضح فى هرولة الخروج من أفغانستان.

ومن يصدق أن الولايات المتحدة التي لم تواجه روسيا مباشرة في حرب أوكرانيا، ستدخل مباشرة في حرب مع الصين دفاعا عن تايوان، وهنا يمكن الإشارة إلى أن تحدى الولايات المتحدة فى هذه اللحظة التاريخية لن يقتصر فقط على روسيا، وسوف تسعى دول أخرى كبرى وإقليمية إلى اختبار حدود القوة الأمريكية، وإظهار التراجع الأمريكي كقوة عظمى، وهو أمر ستكون له نتائج طويلة المدى فيما يتعلق بموازين القوى فى النظام الدولى.

وعلى الصعيد الاقتصادى، خلفت حرب أوكرانيا تأثيرا كبيرا على الاقتصاد العالمي الذى شهد بالفعل تحولات كبيرة أيضا ممثلة فى ارتفاع معدلات التضخم مع احتمال تضاؤل أو انكماش معدلات النمو الاقتصادى العالمى، الأمر الذى يمكن أن يؤدى إلى مرحلة من الركود التضخمى. هذا فضلا عن أزمة الغذاء التى تهدد دول كثيرة حول العالم، جراء النقص فى إمدادات الحبوب من روسيا وأوكرانيا.

هذه هى بعض ملامح عالم ما بعد الحرب في أوكرانيا، والسؤال الذى يشغل بال الكثيرين، ما هى السياسة العربية فى التعامل مع تلك المتغيرات الجديدة التى أفرزتها الحرب فى كييف؟

فى البداية، تجدر الإشارة إلى أنه منذ اندلاع الحرب الروسية فى أوكرانيا فى ٢٤ فبراير الماضى، والدول العربية تلتزم الحياد الإيجابى، من خلال مساعيها للتهدئة وتسوية الأزمة سلميا عبر الطرق الدبلوماسية. وفضلت الدول العربية حالة الحياد التى ترفضها الولايات المتحدة بشكل أحرج دولا أوروبية عظمى وجدت نفسها تدفع ثمن الانخراط فى تحالفات مكلفة اقتصاديا ومن ثم عسكريا.

فالمنطقة العربية تحظى بأهمية جيوسياسية، وقدرات اقتصادية هائلة، وكلها عوامل قوة اكسبتها نفوذا قويا بين القوى العالمية الكبرى، ومنحتها مكانة كبيرة، ودورا هاما فى جهود تسوية القضايا الإقليمية والدولية.

وتلك العوامل جعلت دول المنطقة محل منافسة قوية بين واشنطن وموسكو على استمالتها فى الأزمة الأوكرانية، وهو ما انعكس فى الزيارات المتكررة لدول المنطقة من قبل المسئولين الروس والأمريكيين. ولعل هذا هو الهدف الرئيسى لاجتماع الرئيس الأمريكي جو بايدن وقادة 9 دول عربية، المقررعقده فى جدة الشهر المقبل.

وفى هذا الشأن، يقول الدكتور عبد المنعم سعيد- المحلل السياسى وعضو مجلس الشيوخ- أن ما تريده الولايات المتحدة من لقاء جدة القادم هو ضخ المزيد من النفط العربي، وخصوصا السعودي، إلى الأسواق العالمية لعل التضخم يذهب، والغلاء يقل، وفرص الرئيس الأمريكي في انتخابات التجديد النصفي تزيد.

ويلفت د. سعيد إلى أن اجتماع بايدن مع 9 من القادة العرب، يأتى ممثلا لإشارة إعادة التوازن الاستراتيجى فى المنطقة، الذي تتصور إيران أنها كسبته لصالحها. ويضيف د. سعيد فى مقال نشرته صحيفة " الشرق الأوسط" تحت عنوان" مشروع عربي للشرق الأوسط"، أن الاجتماع المزمع بين بايدن و9 من القادة العرب فى جدة، يمكنه تشكيل نقطة انطلاق لمشروع عربي للأمن الإقليمى، يتجاوز العلاقة مع الولايات المتحدة لكي تكون ركائزه داخل المنطقة ذاتها.

ويوضح د. سعيد إن الواجب يستدعي تفاهمات ومحادثات بين الدول التسع تطرح على الاجتماع العربي - الأمريكي، ولبقية العالم، أن الإقليم العربي وجواره الشرق أوسطي، هو مهمة عربية في المقام الأول.

يقول د. سعيد إن المهمة تبدأ في تصفية بقايا "الربيع المزعوم" في دول عربية يقع في مقدمتها اليمن، وتكرس أنه في وقت تحرص فيه الدول العربية على الإصلاح والبناء، فإنها ستعمل على ألا يقوم أي طرف بفرض حالة من عدم الاستقرار في المنطقة.

ووضع د. سعيد محددات للأمن الإقليمي، وتتمثل فى الحفاظ على الحدود القائمة منذ الاستقلال، وعدم التدخل في الشئون الداخلية للدول، وتحقيق احتكار السلاح في يد الدولة الوطنية، ووضع سقف لسباق التسلح في المنطقة، وفي المقدمة أسلحة الدمار الشامل، وتحقيق التنمية والتعاون الاقتصادي الذي هو واقع بأشكال كثيرة بين الدول العربية.

ويؤكد خبراء السياسة على ضرورة تحقيق التكامل الاقتصادى بين الدول العربية، حيث يقول الدكتور طارق فهمى- أستاذ العلوم السياسية المتخصص فى العلاقات الدولية- أن الدول العربية تمتلك إمكانات هائلة يمكن توظيفها بشكل فعال فى حجز مكان فى النظام الدولى الجديد، مشيرا إلى أن دول الخليج لاعب رئيس فى النظام الإقليمى عموما بما لديها من إمكانات.

نفس الرأى يحمله المحلل الاقتصادى السعودى سليمان العساف، الذى يؤكد أن الدول العربية تتميز بعدة مزايا والتى فى حال استغلالها بالشكل المناسب، فإن العرب يضمنون حضورا مؤثرا لهم فى سياق التفاعلات الجديدة حول العالم.

يقول العساف: "ثمة دول لديها العلم، وأخرى تتمتع بفوائض مالية هائلة، ودول لديها وفرة بالأيدي العاملة الماهرة، ودول لديها الموارد الطبيعية والأرض الخصبة، وبالتالي لو أن هناك تكاملاً عربياً حقيقياً لأصبح العرب قوة لا يستهان بها، كما الاتحاد الأوروبي، بناتج محلي ربما يتزايد بأكثر من المعدلات الراهنة، التي هي في حدود الثلاثة تريليون دولار، بثلاثة أضعاف، إذا استطاعت الدول العربية توظيف قدراتها بشكل سليم من خلال تكامل عربي حقيقي وفعال".

ولفت إلى أن دول الخليج لديها فوائض مالية ضخمة جداً، تتمثل في الاحتياطات التي تتمتع بها (ضمن قائمة أكبر 10 صناديق سيادية حول العالم، وتمثل ما قد يصل إلى نصف الاحتياطات في العالم) فضلاً عن احتياطات النفط الضخمة (احتياطات مؤكدة تجاوزت 1.55 تريليون برميل من النفط الخام)، كما تمثل دول الخليج نسبة مؤثرة في الناتج المحلي العالمي (يشكل الاقتصاد الخليجي 1.75% من الاقتصاد العالمي عام 2021 البالغ 96.29 تريليون دولار، محتلاً المرتبة الـ12).

يوضح الدكتور طارق البرديسي- خبير العلاقات الدولية- أن نواة النظام الإقليمي بتصوره الجديد يتمثل في هذه العلاقة الوثيقة والشراكة الاستراتيجية بين الإمارات والسعودية ومصر والبحرين، إضافة إلى الشراكات المماثلة التي جاءت بعد ذلك من جانب دول تقترب من هذه النواة الإقليمية الصلبة.

أشار د. البرديسى إلى أن المصالح الآن هي التي تحكم العلاقات السياسية حول العالم، بينما المنطقة العربية ممثلة في النواة الصلبة المذكورة، تنشط بمنتهى البراعة، وقد باتت أكثر نضجاً ورشداً فيما يتعلق بتعاطيها مع هذه التفاعلات الدولية، يتجسد ذلك على سبيل المثال في العلاقات المتوازنة مع روسيا ومع الولايات المتحدة.

لفت د. البرديسى إلى أن المنطقة العربية لم تعد تراهن على الولايات المتحدة بالكامل كما كان عليه الأمر بالنسبة لعديد من الدول من قبل.. الآن أصبح الكل يبحث عن مصالحه، ولم تعد 99 % من أوراق اللعبة بيد واشنطن كما كان يتردد قديماً.. رأينا تحالفات جديدة، ورأينا كيف أن الجميع يبحث عن مصالحه في تكوين شراكات وتحالفات - وفق مبدأ المصلحة - سواء مع الولايات المتحدة ومع روسيا ومع دول الاتحاد الأوروبي، وقد باتت التحالفات مفتوحة على مصراعيها.

الكاتب والأكاديمي عراقي حميد الكفائى، تحدث أيضا عن متطلبات تعامل العرب مع التحولات الجديدة فى العالم بعد الحرب الروسية فى أوكرانيا، قائلا إن الدول العربية الكبرى، يمكنها أن تشكل تجمعا اقتصاديا وتحالفا سياسيا وحتى عسكريا، قائما على احترام سيادة كل منها وعدم التدخل في الشئون السياسية الداخلية لبعضها البعض.

ودعا الكفائى الدول العربية إلى التباحث والتنسيق حول أفضل السبل للتعاون الاقتصادي والثقافي والأمني، وكيفية تحقيق الاستقرار في المنطقة والتماسك بين دولها، سواء عبر توثيق العلاقات الثنائية، أو عبر اتخاذ مواقف دولية موحدة أو متقاربة، يمكنها أن تخدمها جميعا.

ولفت الكفائى إلى أن الدول العربية بمجموعها تمتلك إمكانياتٍ بشرية وطبيعية وصناعيةً وعسكريةً واقتصاديةً كبيرة، داعيا إلى لاستثمارها من أجل الحفاظ على الكيان العربي العام من التشتت أو التفكك، وحماية المصالحة المشتركة للدول العربية، مع الإبقاء على التنوع السياسي والثقافي الحالي، الذي لا يؤثر على التعاون وتنسيق الجهود لمواجهة الأخطار والاحتمالات المستقبلية بكل أشكالها.

يقول الكفائى، فى مقال نشره موقع" سكاى نيوز عربية" تحت عنوان" أين موقع الشرق الأوسط في النظام الدولي الجديد؟"، إن العالم يتشكل الآن مرة أخرى، وهناك أخطار تتهدد المنطقة العربية، خصوصا وأن جارتيها الكبيرتين، الشرقية والشمالية، إيران وتركيا، تسيران في مسارات أيديولوجية مختلفة، بل متعاكسة، مع المسارات العربية التي تسعى نحو الاستقرار والتنمية الاقتصادية والانسجام مع المجتمع الدولي، بينما تسعى كل من تركيا وإيران إلى الهيمنة عبر التشدق بأيديولوجية دينية، تقوم على زعزعة استقرار المنطقة وإضعاف دولها بهدف جعلها تابعة لها.

مقابل هذا الخطر- والحديث لكفائى- أصبح ضروريا على الدول العربية أن تنسق جهودها وتستثمر إمكانياتها من أجل أن تسند بعضها بعضا، اقتصاديا وسياسيا، وربما عسكريا في المستقبل. ومع حديث الكفائى تتجدد فكرة إنشاء تحالف عسكرى عربى على غرار حلف شمال الأطلسى" الناتو"، للحفاظ على أمن المنطقة، ومواجهة محاولات الهيمنة الإيرانية التركية على المنطقة، ودرء الأخطار المستقبلية.





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة