رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

طيور الجسم الرائعة

بوابة الجمهورية

من أعمال الراحل: محمد عبد المنعم زهران


وكلما تحرك ، تعثرت قدماه فى أشياء ، وتنقطع أفكار كان مستغرقا فيها ، فبدأ فى ركلها ، وظل يركلها حتى اتسعت مساحة خالية من الأرض تشبه دائرة . نسى ما كان يفكر فيه ، ودارت حوله الحجرة فى دوامة كانت تضيق تدريجيا ، فأمسك رأسه .

واستلقى بعرض الفراش دافنا وجهه فى الملاءة ، تتناثر حوله كتب وأوراق ولوحات مقلدة لفنانين من أزمنة بعيدة ، سكن تماما ، ولم يشعر ببقعة الشمس المنسابة من النافذة ، والتى تحركت ببطء من الأرض إلى الفراش ، ثم إلى الحائط ، ثم أخذت فى التضاؤل .

فتح عينيه ، وأغلقهما مرة أخرى ، تحرك فى بطء ، جلس فى منتصف الفراش متكئا على يد ، تلفت فى الحجرة بعيون نصف مغلقة ، تأملها فى الضوء الذى يسبق هبوط الظلام ، ورآها بهيئة حجرات دفن القدماء ، متسعة ، ومحتشدة بكل الأشياء اللازمة لحياة . نهض وتحرك باتجاه الموقد ، صنع كوبا كبيرا من القهوة ، تمشى فى الحجرة وأسند ذراعه على النافذة ، متأملا بقايا ألوان هادئة ، تتفرق ثم تعود وتختلط فى مزيج عجيب . أضاء الحجرة ، فتلألأت الألوان فى كل اللوحات المتناثرة على الأرض وتلك المعلقة على الحوائط ، دخل فى كل حجرة وهبط إلى الطابق السفلى أضاء جميع الحجرات ، كان يدوس على لوحات محطمة ، وصور فوتوغرافية لأشخاص ، مناضد وأرائك كلها محطمة وقد اهترأت أغطيتها وتغطت بطبقة كثيفة من الأتربة . أضاء مصباح المدخل ، وحدق فى الظلام . صعد إلى غرفته وصنع كوبا آخر من القهوة ، وضع لوحة بيضاء على حامل ، فتح كتابا على صورة صغيرة لسيدة تجلس بسكينة وتنظر فى غموض ، طوى الكتاب وثبته أمامه ، وكان ينظر بجدية وهو يضع ريشته ويرى آثرها على بياض اللوحة .

* * * * *

استيقظ على صوت يشبه صوت طائر ، كان يكتنفه من كل جانب ، فاعتقد أنه ما يزال فى حلمه واستمر متشبثا بوسادته مغمضا عينيه ، وصوت الطائر متواصل وجميل . نهض ونظر عبر النافذة ولم ير شيئا ، وشعر أن جسده خفيف وأن الصوت يخترقه وينفذ إلى داخله ويشيع بهجة لا حدود لوصفها . وحار فى أن يهبط باحثا عن مكانه أو يترك جسده لتلك الدغدغة التى ملكته ، وأخير هبط واندفع فى الشوارع ، وكان يعرف أنه ليس ثمة أشجار وليس ثمة شئ إلا خلاء متسع ، تنتصب فيه خرائب بيوت وأعمدة خرسانية خالية من الحوائط ، وفشل فى العثور على مصدر الصوت الذى كان يبتعد ويقترب دون أن يتحدد تماما . عرف أنه موجود فى مكان ما ، وشعر أنه يبحث عن كائن خائف ، فقرر أن يكف عن محاولاته .

وتكرر ذلك فى كل صباح ، فكان يطيل فى نومه ، وأحيانا يضع لوحة ويظل يرسم حتى يختفى صوته ، فيدور فى أرجاء البيت ، مرتبا الأشياء ، وطاردا كل المخلفات التى لا يرغب فى وجودها . وتدلت اللوحات فى أنساق متلائمة مع لون الحوائط ، ودارت فى رأسه إمكانية إزالة ما يحيط بالبيت ، بل وإزالة بقايا كل البيوت والشوارع ، وبنائها من جديد بأصابع رقيقة ودافئة ، وتشكلت أمامه ملامح لبشر يأتون ويسكنونها ، يقفون بالشرفات فى المساء ، بابتسامة لا تفارق وجوههم ، يلوحون بأيديهم ، ويلقون التحية فى صفاء ، وقد تكون عجوز فى حديقة ، تربت على كتفه وتمشى ، يضع رأسه على صدرها ويحدثها بأشياء كثيرة فى داخله ، فتضمه أكثر .

وفى ليلة جلس يتأمل ما رسمه طيلة الأيام السابقة وأدهشه إنها أكثر نضارة من غيرها ، وأدهشه أكثر ، ذلك الطائر الذى ظهر فى كل لوحة ، رآه مختلفا فى كل مرة ، فتارة يكون مرسوما بجوار باقة من الزهور ، ويكون محلقا حولها ، وتارة أخرى يكون نائما فى راحة يد السيدة .

* * * * *

وكان صوته قد غاب ...

جلس منكمشا ملتصقا بالحائط ، يتلفت فى بطء وينظر إلى الأشياء بعينين حادتين ، ويمر وقت ويكون قد زاد فى انكماشه ، وتهبط رأسه وتكاد أن تختفى ، حتى يتبدى فى النهاية كتلة لا تحمل أى ملامح لكائن محدد ، وشيئا فشيئا يتحرك – نائما – فى لزوجة سائل ثقيل ، ويفترش الأرض وسط بعثرتها العديدة . وفى ليالى تالية ، كان يستيقظ على أصوات نباح كلاب ونقيق ضفادع وأصوات مكتومة لحيوانات تعبث فى الخرائب المحيطة .

وكان لا يجد طعما للقهوة ، وأحيانا كثيرة ينساها على الموقد ، وتغلى ، فيسكبها على الأرض ، ثم يجلس أمام لوحة ويصنع بها أشياء لا تمت للوحة الأصلية بصلة ، ويهبط راكلا المناضد التى قد تكون فى طريقه ، غير عابئ باللوحات التى تساقطت من الحوائط ، والأتربة التى غمرت كل شئ مرة أخرى .

* * * * *

ويجيئه فى الحلم فى أوقات متباعدة جدا ، فيرتاح وجهه النائم ، وتختفى منه كل التغضنات وتأخذ رأسه وضع من ينصت لموسيقى فى ابتسام ، وفى لحظات رائعة يسترسل فى ضحكات لها صوت .

وفى ليال أخرى ، يكون الفراش خاليا ، ويكون واقفا بمواجهة النافذة عاقدا يديه وراء ظهره ، ويسقط شهاب من السماء ويتوهج للحظات بسيطة فتلمع دموع فى عينيه .

* * * * *

صعد إلى سطح المنزل ، وتمدد مراقبا السماء ، ورغم أنه كان صباحا إلا أن الهواء كان مشبعا بالرطوبة إلى أبعد مدى ، والشمس ترتفع فى الأفق تنشر ضوءا باهتا . ورأى شيئا يطير فى الهواء بعيدا ، فيما وراء حطام الأبنية ، واعتقد أنها محض أوراق تحملها الرياح وتلقى بها بعيدا . وكان يظهر رويدا رويدا وتتبدى ملامحه ، إلى أن اقترب تماما فانتفض جسده . رآه بريش أخضر ونتف بيضاء بسيطة عند الرقبة يحمل فى منقاره قشة ، تجمد فى مكانه ، وارتفع وجهه فى السماء كأنما خط نقطة التقاء كان يسرع إلى اجتيازها . ورآه يهبط ويقترب من شرفة خشبية لأحد البيوت ، محطمة ومائلة تجاه الأرض ، وراقبه طوال النهار يذهب ويعود بقشة فى منقاره ، وكان بمقدوره رؤية الأجنحة تخفق فى هدوء ، وذيله ينحرف فى خفة ، ورأسه الصغير يتحرك كاشفا كل الأرجاء .

وبدأت أصابعه تتحرك على اللوحة البيضاء بانسيابية ، وكأن خلايا شديدة الحساسية تتألق فى أعماقه وتسيطر على كل شئ ، وكلما بانت الملامح ، يتوقف متأملا ما رسمه ويحرك وجهه فى سعادة ممتزجة بدهشة ، وتتألق دموع بسيطة فى عينيه ، ثم يعاود الرسم فى رعشة لا يستطيع السيطرة عليها . كانت اللوحة قد قاربت على الانتهاء ، عندما ارتخت أجفانه ، واحنى رأسه فى بكاء له شهقات متصلة ومكتومة .

* * * * *

وانسل بين الخرائب ، وبدأ فى وضع أقدامه بأماكن غامضة ، ثم أخذ فى إبعاد أحجار وركام ، تسلق حائطا وهبط فى فناء سقط جزء من سقفه ، ارتقى سلما وكان غبار يغطى وجهه ، رأى الشرفة الخشبية وأزاح قطعا صغيرة من الأخشاب ، ورأى العش مستديرا ومجوفا ، وفى داخله جسد صغير ، تفرق ريشه تحت كومة هائلة من النمل .

وتأمل اللوحة – راقدا – فى وسط حجرته ، وكان طائر جميل يملأها ، يطير وحيدا فى السماء وعلى وجهه مسحة سلام .

* * * * *

ولم يقرب أى لوحة أخرى ، وشيئا فشيئا اختفت الألوان المتراكمة حول أصابعه ، وكان يترك الماء ينساب على جسده لمرات عديدة فى اليوم ، قبل أن يجلس إلى اللوحة ، يقترب بوجهه ، ويأخذ فى تأملها حتى يغيب ، ويشعر أن خذه يمر على ريش ناعم ، وأن حرارة تتدفق فى داخله ، فيغيب أكثر .

* * * * *

وكان يتحدث فى نومه ، فيخرج كلام غير مفهوم ، ويتحرك بأسى من يقاوم حبالا غليظة تلتف حول جسده .

فتح عينيه فجأة . وكان هواء يدخل من النافذة ويحرك بقايا ستائر متآكلة ، نهض بجذعه فى تثاقل ، جلس ، ورأى ضوءا ينبعث من اللوحة فى مزيج رائق من الأخضر والأبيض ، شفافا يشيع فى ظلام الحجرة ، وشعر أن رأسه ثقيلة وأنه منجذب بقوة لمعاودة النوم ، سمع صوته ينبعث فى رقة ونقاء ويملأ الحجرة ، وتحول الضوء إلى بياض قطنى ، غمر كل شئ ، وصوته يرتفع فى وضوح ، مشى بارتجاف وتأمل اللوحة ورآها محض بياض فارغ ، استدار ، ووضع يده على حافة النافذة ، ورأى جيرانا يلوحون فى شرفاتهم ، وقفزت عجوز فى فرح طفولى وأشارت بيدها إلى طيور تحوم حول جسده ، نظر فى عينيها طويلا ، ورآها تفتح ذراعيها وتبتسم فى نبل ، وكان يجرى فى لهفة والمسافات تضيق ، حتى أحس بدفء ينساب فى أوصاله ، فأراح رأسه ونام فى عمق .

* * * * *

واستيقظ على صوت يضغط على أذنيه فى رقة ..

التفت ، ورآه واقفا بجوار رأسه ، يتلفت بعنق صغير ، ثم طار محلقا فى فضاء الحجرة وكان يصعد ويهبط ، فى غناء له صدى .

......

وكان يقف على كتفه دائما ، ويذهب معه إلى كل مكان ..

......

وأحيانا يقف فى الهواء أعلى رأسه .. ويرفرف بجناحيه .

------------------------------------

من مجموعة حيرة الكائن، الفائزة بجائزة الشارقة للإبداع العربى 2002





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة