يتواصل الحديث عن إفريقيا بتواصل الفعاليات المتعلقة بها. ما بين منتدي "افريقيا 2018" الذي أنهي أعماله بمصر. وتحديدا في مدينة شرم الشيخ الأسبوع الماضي. ومنتدي "افريقيا - أوروبا" الذي شهدته العاصمة النمساوية فيينا هذا الأسبوع. وكان حضور الرئيس السيسي القاسم المشترك بين المنتديين.
افريقيا - إذن - شأن عالمي. وليست فقط شأنا مصريا ولا أوروبيا.. والمنتديات هي إحدي آليات التواصل والحوار وطرح الرؤي وتبادل الخبرات والأفكار. ثم تتويج ذلك بعقد اتفاقيات أو توقيع مذكرات تفاهيم حول دعم التجارة وزيادة الاستثمار.
من قبل. عقدت الصين منتدي "الصين - افريقيا".. والصين هي اليوم أحد اللاعبين الكبار في القارة السمراء.
بل أمريكا أيضا.. فعندما فكرت "ميلانيا ترامب" في التخطيط لأول رحلة خارجية لها كسيدة للبيت الأبيض. اختارت أن تذهب لافريقيا. وأن تزور ثلاث دول فيها. توجتها بزيارة مصر.
وتشاء الظروف أن يكون هذا الاحتشاد الدولي حول افريقيا وهموم دولها وتطلعات شعوبها. قبل أسابيع قليلة من تولي مصر رئاسة الاتحاد الافريقي في دورته الجديدة لعام 2019 بما يضع مصر وافريقيا 2019 في بؤرة الاهتمام الدولي والمتابعة العالمية.
* * *
افريقيا اليوم 52 دولة. وما يزيد علي المليار نسمة نصفهم تقريبا من الشباب. لا تزال كنزا من الموارد الطبيعية التي تحتاج إلي استثمارات هائلة لاستغلالها. وسوقا ضخمة. تتطلع إلي بنية أساسية ونظم اتصال وتواصل لتسهيل الدخول إليها.
افريقيا اليوم تتنافس فيها. بل تتصارع عليها قوتان أساسيتان: قوة قديمة. وقوة حديثة
الغرب. هو القوة الأولي ممثلا بالأساس في أوروبا ثم بعدها أمريكا.. الاتحاد الأوروبي الآن هو الشريك التجاري الاول لافريقيا وأمريكا في المركز الثالث.
الاستثمارات الغربية في افريقيا كبيرة.. وتدرك افريقيا أهمية الغرب في ترجيح كفتها للحصول علي تمويل من مؤسسات التمويل العالمية كالبنك الدولي وصندوق النقد.. ومؤسسات التمويل القارية.
لكن افريقيا لا تزال تحتفظ للغرب بميراث من الذكريات الاستعمارية المؤلمة. من نهب الخيرات. ووأد لحركات التحرر. واتجار في البشر. وإهمال في كل الخدمات. ولا تزال - بسببه - تتعامل بحذر وتحفظ مع مبادرات الغرب الاقتصادية. تحسبا من أن تكون محاولة للعودة. من النافذة بعد الخروج من الباب.
وحين نشط الغرب في السنوات القليلة الماضية لزيادة الاهتمام بافريقيا وتشجيع التجارة والاستثمار فيها. فإن كثيرا من الأفارقة أخذوا علي هذا الاهتمام المتزايد أنه لاينبع - من وجهة نظرهم - من إيمان بحق افريقيا في النمو والتقدم. أو حق مواطنيها في حياة ومستقبل أفضل. بل ينبع من شعور أوروبا بالخطر نتيجة تفاقم الصراعات والحروب إلي تحول مناطق في افريقيا الي ساحة لارهاب تنظيمات ارهابية مثل القاعدة وداعش وبوكوحرام وغيرها. كما حولت هذه المناطق الي مناطق "طاردة للبشر" نتيجة انعدام الأمن وسبل الحياة. فانطلقوا في موجات هجرة الي الضفة الاخري من البحر المتوسط حيث توجد أوروبا.
* * *
هنا.. وهنا فقط. شعرت أوروبا بأن أمنها يتوقف علي استقرار الأوضاع في افريقيا. وأن مواجهة نتائج الصراعات والحروب من إرهاب وهجرة. لاتكفي فيها الاجراءات التي تتخذها علي حدودها حيث المصب.. لكن لابد من إجراءات استباقية عند المنبع. أي بالتدخل لتجفيف منابع هذه الاخطار.
سارعت المانيا إلي اطلاق "مشروع مارشال" لافريقيا. وقدمت دعما ماليا حكوميا للشركات الالمانية الكبري لتشجيعها علي الاستثمار في افريقيا.. بينما وسعت فرنسا نطاق تجارتها واستثماراتها الافريقية خارج نطاق مجموعة "الفرانكفون" التي تضم مستعمراتها السابقة الناطقة بالفرنسية. وفعلت بريطانيا ذلك ايضا مع الدول الافريقية خارج نطاق الكومنولث البريطاني الذي يضم المستعمرات الانجليزية السابقة.
هذه ليست رؤيتي.. بل هي رؤية الأوروبيين أنفسهم كما تنقلها صحفهم وأجهزة إعلامهم.. وقد عبرت عنها صحيفة "فينانشيال تايمز" البريطانية في كثير من تحليلاتها للعلاقة الحالية بين أوروبا وافريقيا.. أوروبا تهتم بافريقيا كجزء من استراتيجية "الامن الوقائي".. ولذلك كما قالت الصحيفة. فإن الدول الافريقية تفضل التعامل مع "القوي الجديدة في العالم" لمواجهة سطوة الغرب وضغوطه "الفينانشيال تايمز في دراسة رئيسية عن افريقيا - عدد 25/9/2018.
هنا نصل إلي السؤال :
ما هي هذه "القوي الجديدة" في العالم التي تفضل افريقيا التعامل معها؟!
لقد فتحت افريقيا ابوابها لعروض التجارة والاستثمار والتعاون العسكري والتكنولوجي مع دول ليس لها ميراث استعماري فيها. ولا نظرة سلبية إليها. ولا تمثل صراعات القارة وحروبها خطرا مباشرا عليها يدفعها للتحرك لاتقائه.
وتأتي الصين علي رأس هذه الدول. وتمثل - وحدها - الشريك التجاري الثاني لافريقيا بعد الاتحاد الاوروبي بكل اعضائه 27 دولة. وقبل الولايات المتحدة. ثم تأتي بعدها الهند - والبرازيل - وروسيا - اندونيسيا - ماليزيا - تركيا - دول الخليج - الفلبين - اسرائيل.
شركات عديدة. حكومية وخاصة من هذه الدول. تعمل في مشروعات البنية التحتية في عديد من الدول الافريقية. خاصة في مجال الانشاءات والطرق. وشبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي. وفي تقديم المشورة الفنية. وكذلك في الاستثمار الزراعي.
وفي مجال التعاون العسكري. تتصدر روسيا قائمة مبيعات السلاح للدول الافريقية. بينما اقامت الصين قاعدة عسكرية لها في جيبوتي حيث تتسابق الدول الكبري لحجز مكان لها في هذه الدولة الصغيرة باعتبار موقعها يمثل منصة مراقبة ومركز حراسة لأهم خطين من خطوط النقل البحري والتجارة العالمية وهما باب المندب في اتجاه الشمال عبر قناة السويس وجنوبا في اتجاه طريق رأس الرجاء الصالح.
***
افريقيا - بعيدا عن تحفظات الماضي - في حاجة الي كل دولار يساعد في تنمية التجارة او زيادة الاستثمار لا يهم ان يكون غربيا أم شرقيا.. المهم أن يصبح افريقيا.
لكن افريقيا في حاجة الي ما هو أهم.. هي في حاجة الي نفسها أولا قبل حاجتها الي الاخرين.. فلا يعقل ان يظل حجم التجارة البينية.. أي بين دولها بعضها البعض في حدود 18% فقط من اجمالي تجارتها.
افريقيا 2019 وبقيادة مصر لاتحادها في حاجة الي أن تتشكل منها "القوة الثالثة" التي تحقق التوازن بين الغرب والقوي الجديدة وتضع استراتيجية طويلة المدي للاستفادة من كل الاطراف العالمية وفق محددات واضحة ومستقرة تحقق المصالح الافريقية.