مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

لحظة تمرد 

إيران الفائز الاستراتيجي .. كيف ؟ (2)


نعم من الصعب تحديد "فائز" مطلق في أي مواجهة عسكرية أو سياسية شاملة ، وأخرها الحرب بين إيران ووشنطن وتل ابيب وعواصم الخليج ، لأن الحسابات تختلف بين مكاسب جيوسياسية، خسائر اقتصادية، وأثمان بشرية واستراتيجية..فلم تعد الحرب مجرد معادلة "قصف وتدمير"، بل أصبحت تُقاس بمدى تحقيق الأهداف السياسية والاقتصادية.
لكن هل يمكن القول أن إيران هي الفائز الاستراتيجي   ؟!
نعم إيران كانت الطرف الأضعف تقليدياً في مواجهة تكنولوجية وعسكرية مباشرة مع أمريكا وإسرائيل ، لكن لم ينهار النظام رغم   الضربات القاسية والإغتيالات وتدمير جزء من بنيتها التحتية، بل حولت ايران الضعف الي أوراق قوة.. كيف ؟
ويكون السؤال أيضا  كيف تحولت "إدارة الأزمات" لدى النظام الإيراني من وضعية الدفاع ومحاولة البقاء إلى فرض واقع جيوسياسي واقتصادي جديد... وكيف استطاعت إلحاق ضرر هائل بخصومها عبر "حرب اللامتناظرة" وعبر حلفائها، قائلة بوضوح : لن أخسر بمفردي ، وسحبت المنطقة معها بل و دفع العالم الثمن من اغلاق مضيق هرمز وارتفاع اسعار النفط…
يعني ألا تُعتبر ايران الفائزة استراتيجياً بموجب الواقع الحالي... كيف ؟ 
كيف ؟ طبقت بنجاح فلسفة "الحرب اللامتناظرة" وتحويل الضعف العسكري إلى أوراق ضغط  
يميل ميزان القوى العسكري والتكنولوجي تقليديًا لصالح الولايات المتحدة وإسرائيل بشكل ساحق ، ولذلك اعتمدت طهران على استراتيجية "الحرب اللامتناظرة" بنقل المعركة إلى ساحات خارج الحدود بدلاً من مواجهة الصواريخ والتكنولوجيا السيبرانية الإسرائيلية-الأمريكية في العمق الإيراني قامت إيران بتفعيل شبكة حلفائها الإقليميين... هذا التوزيع الجغرافي للمخاطر جعل أي ضربة موجهة لإيران تعني تلقائيًا اشتعال جبهات متعددة في وقت واحد.
وصاغت إيران معادلة أمنية واضحة مفادها "الكل يخسر أو الكل يربح " يعني استهداف بنيتها التحتية أو السعي لإسقاط نظامها لن يمر دون دفع الإقليم والعالم بأسره الثمن... تجلى ذلك في التهديد الفعلي والعملي لطرق الملاحة الدولية، مما حوّل أمن الطاقة العالمي إلى رهينة للمظلة الأمنية الإيرانية.
ورغم الاغتيالات القاسية التي طالت قادة من الصف الأول وتدمير بعض المنشآت نجح النظام في البقاء ولم يسقط  وظلت الدولة متماسكة ، يعني فشل الهدف الأسمى للمحور الأمريكي-الإسرائيلي " إما إسقاط النظام، أو إدخال إيران في فوضى عارمة وتقسيمها داخليًا عبر تدمير بنيتها الاقتصادية والعسكرية... لم يتحقق أي من هذا؛ بل خرجت الجغرافيا الإيرانية موحدة، وظل الهيكل السياسي للنظام متماسكًا، 
والمهم أن النواة الصلبة لبرنامج إيران الصاروخي وترسانتها الباليستية، إلى جانب البنية الأساسية لبرنامجها النووي، بقيت سليمة ولم تُمس في جوهرها ، مما يعني أن أدوات الردع الإيرانية للمستقبل لا تزال قائمة.
شرعنة" الجباية الجيوسياسية
فرضت إيران تفوقاً غير متماثل عبر إغلاق مضيق هرمز والتحكم به وهو التحول الاستراتيجي الأبرز في هذه المواجهة ، مما جعلها تتحكم بـ"شريان الطاقة العالمي" وفرض شروطها في مذكرات التفاهم اللاحقة التي وصلت الي  طرح فرض رسوم مرور وتثبيته كواقع جديد بعد الحرب...
يعني "شرعنة" الجباية الجيوسياسية ومحاولة فرض "واقع ما بعد الحرب" ، يكشف ذلك رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف بقوله بأن "إدارة المضيق لن تعود أبداً إلى ما كانت عليه قبل الحرب"  وهو ما يعكس رغبة طهران في فرض سيادة قانونية وأمنية .  ويتجلي ذلك في عولمة الرسوم (الأمن والبيئة مقابل العبور) بفرض رسوم مرور تحت مسميات "خدمات الأمن والسلامة وحماية البيئة" لجمع ما يقارب 40 مليار دولار سنويًا، يعني  محاولة لتحويل النفوذ العسكري إلى مؤسسة اقتصادية مستدامة.. إيران هنا تحاول محاكاة القوانين المنظمة للممرات المائية الاصطناعية (كالقنوات الدولية) وتطبيقها على مضيق طبيعي ودولي، مما يمثل سابقة في القانون الدولي البحري تعيد صياغة مفهوم حرية الملاحة.
 ولعبة الـ 60 يومًا  ولغز تصريح ترامب يثيران علامات الاستفهام : "إيران أبلغت واشنطن بالتزامها بإبقاء المضيق مفتوحاً  في فترة الهدنة دون فرض أي رسوم عبور أو تكاليف تأمين" ...والسؤال ..وماذابعد 60 يوما  يا ترامب .؟ .. هذا يوضح مهارة التفاوض الإيراني؛ حيث تم تحويل "حق الملاحة المكفول دوليًا" إلى "ورقة مقايضة" وتنازل مؤقت يُمنح للجانب الأمريكي خلال الهدنة... السؤال الاستراتيجي "ماذا بعد 60 يوماً؟"    
يمثل سيفًا مصلتًا تؤجله إيران للضغط في المفاوضات النهائية، مما يعنى أن الهدنة ليست نهاية المطاف بل هي مساحة لالتقاط الأنفاس وإعادة التموضع.
والمتابع للأحداث يرى أن ايران تحاول استغلال الحرب بالخروج من الحصار  إلى التعافي الرسمي.. كيف ؟ 
بتفكيك العقوبات والحصول على السيولة النقدية باسترداد الأصول المجمدة (24 مليار دولار) والبداية  الإفراج عن 12 مليار دولار كخطوة أولى بقرار أمريكي هو اعتراف ضمني بفشل سياسة "الضغط الأقصى". هذه الأموال لا تمثل فقط إنقاذًا ماليًا مباشرًا للاقتصاد الإيراني المتعثر، بل هي بمثابة "فدية جيوسياسية" دفعتها الأطراف الدولية مقابل تأمين تدفق النفط عبر المضيق
و المهم ايضا العودة الرسمية لسوق النفط بالسماح لطهران بتصدير النفط رسمياً وبشكل علني بعد سنوات من التخفي وبيع الشحنات بأسعار مخفضة في السوق السوداء، يعني إعادة دمج إيران في النظام المالي العالمي من موقع القوة وليس الامتثال، مما يمنح النظام تدفقات نقدية مستدامة تحميه من أي اضطرابات داخلية مستقبلية.
• وبذلك ألا تعتبر ايران هي الفائز الحقيقي ؟!
نعم، بموجب الحسابات البراجماتية وواقع موازين القوى الحالي، يمكن اعتبار إيران الفائز الاستراتيجي..كيف ؟ 
أثبتت طهران تفوقها في "حافة الهاوية"، باستغلال نقاط ضعف النظام الدولي (الاعتماد على الطاقة، الخوف من الحروب الشاملة، الحساسية الاقتصادية) لتحقيق مكاسب عديدة  ، ثم شرعنت نفوذها الإقليمي بحكم الأمر الواقع، وفرضت شروطاً اقتصادية وسيادية جديدة على ممر مائي دولي. وأخيرا أنتزعت اعترافاً أميركياً ماليًا ونفطيًا دون التخلي عن ركائز قوتها العسكرية أو النووية.
بحق إنها مفارقة جيوسياسية كلاسيكية.. الطرف الأضعف عسكريًا وتكنولوجيًا نجح في فرض شروطه على الأطراف الأكثر قوة، مستفيداً من مرونة مناورته وقدرته العالية على تحمل الضربات وتصدير الأزمات إلى الخارج.
وبذلك ألا تعتبر ايران هي الفائز الحقيقي ؟!‬
[email protected]