نقدر جميعا قسوة الحياة فى غزة حاليا .. ونقدر أكثر معاناة شعبها الذى عاش أقسي ظروف حرب الابادة الشاملة التى شنها العدو الصهيونى المجرم على المدنيين العزل وقتل منهم أكثر من مائة ألف من الشيوخ والأطفال والنساء والمرضى وحصدت آلته الحربية أرواح الأبرياء من مختلف الأعمار بعد أن تجرد الصهاينة المجرمون من كل المشاعر الإنسانية
نقدر أيضا أن غزة التى تحولت إلى كومة من الانقاض لم تعد صالحة للحياة ولا يوجد بها أدنى مقومات الحياة الكريمة. .. لكن رغم كل ذلك لا ننصح الأخوة الغزاويين أن يبادروا بترك وطنهم مع أول فرصة للخروج منه، وألا يكون خروج من يخرج منهم إلا للضرورة القصوى.. وكل ضرورة تقدر بقدرها
أهل غزة يعيشون لحظة فارقة من عمر وطنهم، وقرارهم بالبقاء مع تحمل الظروف المعيشية القاسية ليس مجرد تضحية إضافية لما سبق وضحوا به.. بل هو قرار مصيرى تاريخى يتوقف عليه مستقبل وطنهم حيث تستهدف أمريكا وإسرائيل تفريغ غزة من أهلها بكل الوسائل لكى تتحقق الأهداف الأمريكية والصهيونية .. فهم لم يصرفوا النظر عن مخطط التهجير كما يتوهم البعض.. فالمخطط لا يزال قائما ولكن السعي إلى تحقيقه سيكون بوسائل وأدوات أخرى فى مقدمتها زرع اليأس ونشر الاحباط فى نفوس أهل غزة عن طريق الحصار الأمنى
وتصعيب الحياة أكثر وأكثر، والتهرب من تنفيذ بنود ومراحل اتفاق وقف إطلاق النار الذى تم توقيعه فى شرم الشيخ فى أكتوبر الماضى .. وكلها أساليب قمع وتدليس صهيونية الكل يعرفها جيدا وليست جديدة على الفلسطينيين.
****
قرار أهل غزة فى وطنهم- رغم قسوة الظروف المعيشية- سيسجله التاريخ لهم بحروف من نور، بعد أن أكدوا للعالم أنهم أكثر الشعوب تمسكا بالوطن وتضحية من أجله.. وما أعظم ما قدمه الفلسطينيون من تضحيات وتحملهم لأقصى صور المعاناة من أجل وطنهم
في غزة الأبية الصامدة فى وجه أحقر قوة احتلال فى التاريخ تختلط الدماء بالركام، ويمتزج الألم بالأمل، والشعب الفلسطيني الصامد البطل سيبقي فوق أرضه يعمرها ويبنيها من جديد، ويعيد لها الحياة لتكون عنوانا للفداء والتضحية والكفاح المشرف من أجل الوطن.
نعلم أن بعض الغزاويين ينظرون الى أن فتح معبر رفح سيكون (منفذ النجاة) لسكان أنهكتهم الحرب والحصار والجوع..غير أن السؤال الأخطر الذي يجب أن يُطرح بوضوح وشجاعة هو: هل من يخرج من غزة يضمن حق العودة إليها؟
خلاصة التجارب المريرة التى عاشها الفلسطينيون منذ نكبة 1948، تؤكد أن لا شىء مضمون فالصهاينة يتلاعبون بالوعود ويتملصون من الاتفاقيات، ويتلككون لكى يتهربوا من الالتزامات، حين خرج منهم من قبل مئات الآلاف تحت ضغط القصف والرعب على أمل العودة بعد أيام، فتحولت الأيام إلى عقود، وتحولت البيوت إلى أطلال، والذكريات إلى وثائق لاجئين.
اليوم يتكرر المشهد بصور جديدة وأدوات أكثر تعقيدا.. ولذلك لا ينبغي التعامل مع فتح معبر رفح على أنه فرصة للهروب من غزة فهو مجرد نقطة عبور جغرافية تمثل الرئة الأساسية التى يتنفس منها قطاع غزة خارج السيطرة الإسرائيلية المباشرة ولهذا السبب سيظل المعبر ظل رهينة حسابات أمنية وسياسية معقدة.
****
فتح المعبر في هذا التوقيت، بعد حرب مدمرة أفرغت أحياء كاملة من سكانها، ليس حدثا إداريا عابرا، بل خطوة تحمل أبعادا استراتيجية خطيرة.. فخروج عشرات أو مئات الآلاف من السكان، حتى لو كان طوعيا وتحت ضغط المعاناة، سيخلق واقعا جديدا على الأرض يصعب علاجه.. والتجربة تقول إن الحدود التي تُفتح للخروج في بعد الحرب، قد تُغلق في زمن العودة.. خاصة وأن قرار العودة ليس فى يد أصحاب الأرض والقضية وحدهم
والحديث الواقعي الذى يفرض نفسه: أن قرار العودة لا يملكه الفلسطيني وحده.
إنه مرتبط بإجراءات أمنية، وموافقات سياسية، وقوائم وتصنيفات، واعتبارات "التهديد الأمني"، وهي معايير فضفاضة استخدمها العدو المجرم مرارا لمنع آلاف الفلسطينيين من العودة إلى بيوتهم أو حتى إلى أسرهم.
فإذا خرج سكان غزة اليوم، فمن يضمن لهم العودة؟؟
****
ما أكثر صور المماطلة والتعسف الصهيونى.. وما أكثر الكلمات الناعمة التي تُستخدم لتجميل القرارات القاسية والمخططات الصهيونية الحقيرة التى تستهدف ابتلاع الأرض وقتل أو طرد أهلها منها للأبد.
لا يحتاج المتابع للشأن الإسرائيلي إلى عناء كثير ليدرك أن الديموغرافيا كانت دائما هاجسا مركزيا في التفكير الصهيوني: عدد الفلسطينيين، نسبتهم، توزيعهم، وكثافتهم.
غزة، بأكثر من مليوني إنسان في مساحة ضيقة، تمثل كابوسا استراتيجيا دائما لإسرائيل: فهى كثافة بشرية عالية، مجتمع أغلبه من الأطفال والشباب، بيئة مقاومة، وحدود ملتهبة.. ولهذا، فإن أي انخفاض كبير في عدد السكان – حتى لو لم يُعلن عنه رسميا كهدف – يمثل "مكسبا أمنيا" من وجهة نظر الاحتلال.
إنه تهجير (ناعم)، بلا شاحنات عسكرية ولا قرارات رسمية صارخة، لكنه لا يقل خطورة في نتائجه..التاريخ لا يطمئن من يظن أن العالم سيتحرك يوما ليعيد من يغادر غزة إلى بيته، فليقرأ تاريخ فلسطين جيدا.
من يظن أن المجتمع الدولي سيضغط بجدية من أجل حق العودة، فليتذكر سبعة عقود من القرارات الدولية التي بقيت حبرا على ورق.
نعم.. المعاناة في غزة حقيقية، قاسية، فوق طاقة البشر.
لكن الفرق كبير بين الخروج للعلاج أو الدراسة أو المؤقت لالتقاط الأنفاس، وبين الخروج الجماعي تحت ضغط تداعيات الحرب، بلا ضمانات مكتوبة، ولا آليات دولية مُلزِمة، ولا جدول واضح للعودة..هنا يتحول القرار الفردي إلى زلزال جماعي.
****
يا أهل غزة: اعلموا أيها الكرام الأبطال أن فى مصر حاليا مئات من الأسر الغزوية الذين يتطلعون لدخول غزة رغم متابعتهم اليومية لمعاناة أهلها لأنهم يدركون أنهم حماة لوطن غال ووجودهم فوق أرضها ولو فى خيام بين أنقاضها، هو بحد ذاته فعل مقاومة.
لذلك.. احذروا أن يتحول المعبر من نافذة نجاة إلى باب فقدان لوطن عزيز عليكم.
احذروا أن يتحول الخروج من "حل مؤقت" الى غياب دائم
احذروا أن تُكتب فصول جديدة من النكبة بأقدام متعبة وقلوب مكسورة.
غزة ليست مجرد مكان للسكن .. غزة شاهد تاريخ وعنوان على الكفاح من أجل الحرية.