هيرمس
    مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

إيـاد أبــو الحجــاج

رئيس التحرير

عبد النبي الشحـــات

معاً للمستقبل

الوعي الحقيقي.. أهم ركائز الجمهورية الجديدة

 

"الوعي الرشيد سر الانتصار" هذا هو ما ينبغي أن تتنادى به كل أجهزة الدولة ومكوناتها من إعلام ومؤسسات ثقافية ودينية وشبابية،  فما تخوضه مصر الآن على المستويات كافة هو معركة وعي بالأساس، فتفكيك جبهتنا الداخلية هدف تسعى له جماعات الإرهاب وأهل الشر، كما الحروب الراهنة هي حروب معلومات لتزييف الوعي أملاً في زعزعة ثقة المواطن وتشكيكه في دولته وقيادته كخطوة لازمة لهدم الدولة..وهو ما يفسر لنا لماذا يطالبنا الرئيس السيسي في كل مناسبة منذ تولى الحكم بضرورة وجود إعلام مهني ملتزم بقضايا أمته وشواغل دولته الحقيقية، إعلام حريص على خلق وعي جاد وحقيقي لدى شعبنا بتقديم ما ينبغي له أن يعرفه لا ما يحبه ويدغدغ عواطفه أو يحرفه عن مساره؛ ليعرف عن بينة ويقين كيف تسعى دولته لرفعة شأنه وتمكينه من الحياة الكريمة في كل مكان.

بالعلم والمعلومة الصحيحة والدراما الهادفة والقيم الأصيلة تبنى صروح الوعي وتهدم أوهام التزييف والشائعات والأراجيف فإذا امتلكنا وعياً حقيقياً صلباً أمكننا خوض المعارك بجبهة موحدة وعزيمة لا تلين ولا تهادن ..والوعي لا يقتصر فقط على معرفة المعلومة والحقيقة بل معرفة كيف يفكر الأعداء وكيف يسعون للهدم والتخريب، الوعي بأهمية العلم والعمل والبناء والتعمير، وبناء الوعي هو فرض على كل مؤسسة وكل مواطن ومسئول ومثقف، كما أنه مسئولية على المعلم والفن والإعلام؛ ومن ثم وكعادته دائما نبهنا السيسي ولا يزال إلى مغبة انتشار وعي زائف يمكنه إذا ما استشرى أن يمهد الأرض أمام دعاة الفوضى وقبول الشائعات والوقوع في شرك إعلام معادٍ يستهدف نشر الإحباط وتوهين عزيمة جبهتنا الداخلية.

ومنذ أيام حذرنا الرئيس خلال زيارته لأسوان من تكرار سيناريو 2011 وما جره على البلاد والعباد من خراب ودمار لا نزال نعاني تبعاته حتى هذه اللحظة ..قال الرئيس:" لن أنسى 2011 والمفروض يا مصريين ما تنسوهاش أبداً في كل إجراء وخطوة بتتعمل..اللي أنقذكم ربنا وحده اللي أنقذ البلد دي من مصاير الدمار والخراب لأجل خاطر ال 100 مليون والناس الغلابة ولحكمة إلهية ..طيب أكرر..المسار ده تاني..لا وألف لا ".

ورأيي أن الإعلام والصحافة وفي القلب منهما صحافتنا القومية رأس الحربة في معركة الدولة لمجابهة التحديات ومتغيرات المنطقة والعالم من حولنا، ورمانة الميزان في صون العقل الجمعي من رياح الحرب النفسية وإخوان الشر ومحاولات الاستهداف التي لا تتوقف من هنا وهناك .

ولعل حرص السيسي على تذكيرنا بأهمية الإعلام يجعلني أتساءل: هل قام إعلامنا وصحافتنا والدراما بوجه خاص بدورها في تحصين الرأي العام من رياح الفتن التي تهب من الفضائيات والمواقع الكارهة لمصر..ومن الكارهين لها هنا وخارج هنا.

للإعلام والصحافة رسالة تنويرية هدفها إيقاظ الهمم والشعور الوطني وخلق ظهير شعبي قوي مساند للدولة في تحولاتها الكبرى مع التنبيه لأوجه القصور متى وجدت، ونشر الرأي والرأي الآخر كسباً للمصداقية وتحقيقاً للموثوقية فليس يقنع إلا المقنع في النهاية، ومن ثم فإنهما-أي الإعلام والصحافة- بهذا المعنى ليسا سلعة ولا ينبغي أن ينتظر منهما الربح والمكسب المادي فما ينفق عليهما أقل بكثير من الفائدة المرجوة حال وجود رأي عام مستنير وداعم ومتفاعل مع قضايا أمته وشواغل دولته..وإلا فإن ثمن غياب مثل هذا الرأي العام فادح وفادح جداً.. ولن يملأ فراغهما إلا أبواق الإفك والضلال والشائعات وهشاشة العقول وقابليتها لتصديق ما يلقى إليها دونما تمحيص ولا تحقق.

ولا يجادل أحد أن قوة الإعلام والصحافة وحيويتهما من قوة الدولة وحيويتها؛ فهما يقومان بدور خطير في تشكيل وعي أي شعب وإلا ما نبهنا الرئيس السيسي مرارا وتكراراً لخطورة أدوارهما لدرجة أنه جعلهما محوراً رئيسياً في كل زياراته ومؤتمراته، يحاول قدر المستطاع سد فجوة يعجز إعلامنا عن ردمها ؛ ويشتبك مع القضايا الحقيقية وأولويات الوقت الواجبة لتوصيل صحيح المعلومات و تبيان ما تبذله الحكومة من جهد كبير في مشروعات قومية عملاقة لتحسين جودة الحياة ليعرف المواطن كيف كنا ..وأين أصبحنا..وأين نذهب في الغد القريب.

إعلامنا في حاجة مستمرة للتطوير والإصلاح لمواكبة ما يستجد من متغيرات وتحديات، ولا يخفى على أحد أسباب ما يعانيه إعلامنا وصحافتنا من تراجع اجتمعت له عوامل عديدة على فترة من الإهمال والغفلة وليس أقل تلك الأسباب أن المهنة صارت مستباحة من دخلاء كثيرين حتى أنها باتت مهنة من لا مهنة له بعد أحداث يناير 2011.

كثرة الدخلاء على الصحافة والإعلام لم تحرم فقط خريجي الإعلام من فرصهم المستحقة في العمل بمهنة تخصصوا في دراستها وتعبوا لأجل الحصول على شهادتها بل حرمت الجمهور كذلك من سمو الرسالة وجودة محتواها وموضوعيتها..هل رأيتم كيف يهتم إعلامنا بأحداث تافهة من عينة "سيدة البلكونة" ويستضيف الدجالين والعرافين ليستطلع رأيهم فيما خفي في علم الغيب..أليس هذا إغراقاً في الخرافة وتسفيهاً للعلم والعقل واستهزاء بالمشاهد؟!.

المتتبع لما تقدمها الفضائيات من برامج ودراما من يناير  2011 يجد عجباً؛ فكثير منها برامج وأعمال تافهة تحرض على الكسل والانقسام والاستقطاب ولا يملك مقدموها أدنى مقومات النجاح ..ولعل ما رصدته مراكز أبحاث واستطلاعات الرأي من أخطاء فادحة وسقطات وقع فيها بعض الإعلاميين في تناول أحداث عديدة أضرت بمصر وأهلها كثيراً.

افتقاد المعايير المهنية والعلمية في المذيع والإعلامي والصحفي الحق أضر بخريجي كليات الإعلام وأقسامها الكثيرة أيَّما ضرر وأضاع عليهم ما أنفقوه من مال وجهد ووقت في سنوات دراستهم؛ أملاً في اللحاق بوظيفة طالما حلموا بها، وتحرقوا شوقاً إليها.

والنتيجة أن كثرة غالبة من خريجي الإعلام صاروا متعطلين عن العمل في الإعلام الذي هم أهله وأحق به وأولى؛ لما درسوه من مناهج متنوعة في فنون الصحافة والإذاعة والتليفزيون والإخراج والاجتماع والسياسة والاقتصاد والتشريعات والصحافة الإلكترونية سواء في كلية إعلام القاهرة التي انطلقت أولى دفعاتها 1975 بديلا لقسم الصحافة الوحيد بكلية آداب القاهرة أو في غيره من كليات وأقسام متخصصة.

مثل هذه المناهج أسهمت في تأهيل خريجي الإعلام والصحافة لأداء مهنتهم بعلم وموهبة وقدرة على استيعاب متغيرات عصر الصحافة الإلكترونية وتطويعها لخدمة قضايا المجتمع وتنميتها عبر إنتاج محتوى مبدع يأخذ بألباب المتلقين ويغذي عقولهم وأرواحهم ووجدانهم ويبني عن بينة اتجاهات الرأي العام بصورة إيجابية وينمي الوعي الجمعي وينقل الأخبار بتجرد وموضوعية ليكشف عن أوجه القصور والفساد ويحارب الإرهاب ويصحح المفاهيم المغلوطة.

خمسون عاماً مرت على إنشاء"إعلام القاهرة" وهي تحتفل اليوم بيوبيلها الذهبي وقد تخرج فيها دفعات عديدة شق بعضهم طريقه للنجاح، وصار منهم قيادات صحفية وسفراء ومخرجون ومبدعون في التسويق.. وهنا يثور سؤال مهم: لماذا يتم التوسع في إنشاء أقسام وكليات جديدة للإعلام والصحافة رغم ما يعانيه خريجوهما من بطالة واضحة حرمتهم من وظيفة مستحقة ذهبت بكل أسف لمن لا يستحقونها.. وبعضهم لا يملك حساً إعلامياً ولا موهبة ولا قبولاً جماهيرياً وتلك ولا شك أوجب مقومات العمل الإعلامي ..لماذا هذا التوسع غير المحسوب رغم وجود كلية إعلام عريقة بجامعة القاهرة يمكنها أن تسد حاجة سوق العمل التي تشبعت ولم تعد في حاجة للمزيد بعد التراجع الرهيب في الموارد والإعلانات والظروف الاقتصادية الصعبة التي تطبق الخناق على سوق الطباعة والصحافة والإعلام.

ما حدث غداة أحداث يناير 2011 ولسنوات بعدها من فوضى وتدني الثقافة والأخلاق ونشر الإحباط وعزوف الناس عن الإعلام الذي باتت ساحته تعج بوجوه كثيرة لا جمهور لها ولا فكر ولا مقومات إلا الزعيق والنعيق.. كل ذلك وغيره كان نتاجاً لهذا الارتجال الإعلامي الذي تداركته دولة 30 يونيو فأنشأت مجالس وهيئات للصحافة والإعلام هدفها النهوض بالمهنة وإزالة ما يعوق تطورها وأداء دورها.

عودة إعلامنا قوياً يشار له بالبنان من مصلحة الجميع، إعلام لا يهتم باللت والعجن والدجل والشعوذة واختلاق معارك وهمية وترويج فضائح المشاهير وخناقاتهم وفتاوى الفتن المنافية لقيمنا الأصيلة وهتك الحرمات وانتهاك الخصوصيات وتهويل نقائص المجتمع وكشف عوراته ..فهل من المقبول ما يثيره الإعلام الرياضي من فتن وانقسام وما يبثه من عصبية جهاراً نهاراً ..وهل نرضى بمحتوى إعلامي يطغى عليه حشو يضر بأكثر مما ينفع ويشوه صورة الدولة والشعب بعد غياب الفكر الهادف القادر على صياغة رؤية خلاقة تتبنى واجبات الوقت وأولوياته الواجبة دون تهوين أو تهويل.

ما أكثر ما غاب الإعلام عن ملفات كان حضوره فيها واجباً لا عذر في تخلفه ومنها الأمية والجهل والمرض وانحطاط الأخلاق والعنف ولاسيما الأسري والإدمان..وتحقيق طفرة ملموسة في الإنتاج وتكريس قيم الولاء والانتماء الوطني.

أما غياب الحس الإعلامي ولا أقول الوطني لدى بعض إعلاميينا فمرجعه غياب العلم والخبرة والموهبة وانعدام التدريب وتناقل الخبرات، والجهل بدور الإعلام ومقتضياته وحدود مسئولياته؛ ذلك أن الإعلام شأنه شأن أي مهنة هو علم لا فهلوة بل إنه بلا مبالغة هو أخطر المهن جميعاً؛ فهو يبني أمماً أو يهدمها بكلمة أو صورة أو شائعة.. وهو فوق ذلك جزء أصيل وكاشف لمنظومة ثقافية  وفكرية واجتماعية تحدد اتجاهات الدولة وتعكس المستوى الفكري والثقافي والسلوكي لشعبها..والسؤال: لماذا لا يسمح لغير خريجي الطب والهندسة والحقوق مثلاً بممارسة تلك المهن..لماذا أبواب الإعلام مفتوحة على مصاريعها للاعبي الكرة ونجوم الفن والرقص والطبخ والتجميل والموضة..بينما هي موصدة في وجه أهل التخصص والرؤية والفهم.

وإذا كان لا يسمح  بمشرط الجراح لغير أهل الطب فكيف يسمح للدخلاء والهواة بأن يصوغوا وعي الشعب ويرسموا طريقه للمستقبل عبر الميكروفونات والأقلام ..؟!

قد يكون مقبولاً أن يصبح لاعب الكرة معلقاً لا مذيعاً ولا ناقداً.. فالقاعدة القرآنية تقول بوضوح " فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون" وهم بالقطع أهل العلم والتخصص وهو ما تحتاجه جمهوريتنا الجديدة بشدة.. الاحتكام للعلم وتطوير البحث العلمي.. كما أنها في حاجة أشد لإعلام مهني قوي يملك أدواته ومقومات نجاحه وتأثيره.. وهو ما يتطلب لعودة لأهل الكفاءة والتخصص والمهنية ؛ فالحرية ليست - كما يفهما بعض مذيعينا وصحفيينا- نشر وإذاعة ما يشاءون دونما تحقق ولا تثبت أو مراعاة للمهنية والأمن القومي وهو ما يدفع الجميع ثمنه غالياً.

ما أحوجنا اليوم مع جمهوريتنا الجديدة لاستعادة المعايير الموضوعية الضابطة للأداء الإعلامي، معايير ترتقي بالمهنة وتعصمها من الانفلات الذي يمارسه دخلاء ينتسبون زوراً وبهتاناً إليها..معايير تحفظ لخريجي "إعلام القاهرة" حقوقهم وتضمن لهم تكافؤ الفرص في الوظائف ذات الصلة الأصيلة بدراستهم.

أهل مكة أدرى بشعابها ولا أن نعطى العيش كما يقال لخبازه؛ وكفانا فتح أقسام وكليات جديدة للصحافة والإعلام حكومية أو خاصة فقد بلغ سيل الخريجين الزبى ولم تعد سوق العمل تطيق المزيد منهم.. وتلك مطالب مشروعة يحدونا أمل أن تتبناها هيئات الإعلام والصحافة ونقابتاهما ، وهم يحاولون ذلك بالتأكيد لإعادة الحياة لمهنة تصارع للبقاء وتحتاج لمواهب حقيقية تعيد إليها الحيوية والإبداع وتستعيد جمهورها من براثن "السوشيال ميديا".

الإعلام ليس فهلوة يا سادة لكنه علم ورؤية وموهبة ورسالة أخلاقية تسعى نقابتا الصحفيين والإعلاميين ومن قبلهما الهيئات والمجالس المختصة لضبط إيقاعه وتوفير مناخ يسمح بأداء تلك الرسالة ويخدم أهداف التنمية الشاملة والمستدامة ويحصن الوطن ضد رياح أهل الشرر كما يطالب الرئيس السيسي دائما وفق منهج علمي رصين ولسوف يتحقق ذلك إذا اتحدنا جميعاً على كلمة سواء ..ولست أقول ذلك من باب النقد لكنها الغيرة على مهنة غالية قضيت فيها أكثر عمري ولا رجاء لي إلا عودتها لأبهى صورها وأعز أدوارها ..حفظ الله مصر..حفظ الله الوطن.