لاشك أن تقدم الأمم اقتصاديا يقاس بحجم قدرتها على التصنيع واستخدام التكنولوجيا فى تطوير إمكانياتها مستفيدة من كوادرها البشرية عقولا وسواعد, وفى حين يسير هذا الأمر فى الدول المتقدمة سيرا طبيعيا بحكم كونها تجاوزت مرحلة البدايات منذ الثورة الصناعية فإن حالة الدول النامية تبدو أكثر إلحاحا في تبني فكرة "تصنيع البلد" بمعنى تحويلها لبلد صناعي من تقديم الدعم للمشروعات الصناعية الصغيرة التي تقدم فرصا واسعة لحضور المنتج المحلي في كل المجالات ليحل محل المنتج المستورد الذي يستهلك جزءا غير يسير من ميزانيات الدول ويتسبب في عجز الميزان التجاري لها بصورة تؤثر سلبا على الأداء الاقتصادي بشكل عام, في حين أنه يمكن بقليل من الرشاد الاقتصادي تقليل نسبة الواردات لأي دولة ليس في مجال السلع الكمالية فقط- وهو ما تقوم به الدولة المصرية بالفعل من خلال العديد من الإجراءات التي تحد من استيراد السلع الإستهلاكية وبالذات سلع الرفاهية- لكن الأصعب هو المئات من أشكال وأنواع السلع الصناعية "الصغيرة" و"الوسيطة"التي يمكن أن تحل محلها عشرات بل آلاف من الإبتكارات والإختراعات التي قدمتها وتقدمها عقول الشباب المصري الواعد في مختلف المجالات والاستخدامات وهو ما يمكن ملاحظته بسهولة من خلال متابعة تجمعات المخترعين والمبتكرين سواء على مواقع التواصل الاجتماعي أو وسائل الإعلام أو حتى المعارض التي يتم تنظيمها بين حين وآخر دون أي استفادة منها على أرض الواقع الفعلي وقد يتجاوز الزمن هذه الأفكار في كثير من الأحيان قبل أن تتم الإستفادة منها, وتضيع محاولات مبتكريها في البحث عن أي طريقة لتمويل وتسهيل خروج أفكارهم للنور بصورة تغير حياتهم للأفضل وتشيع في المجتمع نوعا من الحيوية والحركة الإيجابية نحو التقدم والرقي, وتضيع فرص تقديم منتجات محلية تساهم في دوران عجلة الاقتصاد, وتقلل عمليات الإستيراد, وتوفر العملات الصعبة لمشاريع أكبر وأهم للمواطن والاقتصاد الوطني.
ومن خلال ملاحظة ومتابعة بعض أنشطة هذا الفئة المتميزة من الشباب فإن المشكلة الأكبر التي تواجههم وتواجه "قدرتهم" و"رغبتهم" في تقديم أفكار وحلول للعديد من المشكلات التي تواجه المجتمع في هذا المجال من خلال ابتكاراتهم واختراعاتهم هي التمويل حيث يعجز الكثير منهم عن التعامل مع وسائل وطرق التمويل التقليدية التي تقدمها جهات الدولة المتعددة ربما لعدم امتلاك البعض منهم لآليات ومتطلبات هذا التمويل أو خوف البعض الآخر من تداعيات القروض في حالة عدم النجاح المنشود للمشروع.
وبالنظر إلى الإستفادة القانون رقم 5 الصادر عام 2015 فى شأن تفضيل المنتجات المصرية فى العقود الحكومية وبتشجيع منه, فقد يكون من المناسب إطلاق مشروع قومى باسم "البديل الصناعى المصرى" يقدم بديلا جديدا لعملية التمويل لا يتحمل فيها الشباب مخاطر المسئولية المباشرة عن التمويل التقليدي- حتى في ظل جودة الفكرة أو المنتج الذي يطرحه وضمان الحاجة إليه- من خلال إنشاء صندوق لدعم انتاج المبتكرات والإختراعات المصرية من سلع ومستلزمات مختلفة شرط أن تكون المنتجات بدائل ممكنة للسلع الصناعية والاستهلاكية المستوردة, على أن يتم تمويله من خلال حملة قومية تشارك فيها فعاليات المجتمع المدنى والاقتصادى والحكومة بهدف بناء قاعدة وطنية من الصناعات الصغيرة ذات الفكر المحلي لتشكل كل سلعة مصرية منتجة من خلال هذا المشروع منتجا مصريا بديلا وتشكل فى مجموعها طاقة إقتصادية هائلة تضاف الى الإقتصاد المصري, وتقديم حلا عمليا لمشكلة البطالة بتوفير آلاف من فرص العمل فى الإنتاج والتوزيع والتسويق والتصدير, وفوق ذلك والأهم منه توفير مبالغ طائلة من العملات الصعبة التى تدفع لاستيراد المنتجات الأجنبية التي يستخدمها المواطن أو الجهات الحكومية أو الهيئات والشركات, ومن ثم بناء قاعدة تصديرية للسلع الصغيرة يمكن أن نغزو من خلالها الأسواق المحيطة مستفيدين من الموقع وسهولة النقل, وأخيرا تقديم نوعيات من السلع والمنتجات لها صفة المصرية من مبتكرات واختراعات الشباب المصرى.
وفي تقديري فإن آلية تنفيذ هذه الفكرة تتمثل في الإعلان عن معرض يحمل مثلا اسم "البديل الصناعى المصرى" تتبناه أي جهة أو مؤسسة وطنية بالتعاون مع جهاز دعم وتنمية المشروعات الصغيرة واتحاد المخترعين المصريين والمركز القومى للبحوث, يعقبه تنظيم معرض كبير أشبه بالمؤتمرات الإقتصادية الكبرى التي تتفاوض فيها الشركات لكن في هذا المعرض يطرح المخترعون من الشباب -أو حتى الكبار- أفكارهم التى يمكن أن تقدم سلعا ومستلزمات تحل محل السلع والمستلزمات المستوردة مصحوبة بدراسة جدوى إقتصادية مبسطة على جهات التمويل المختلفة من البنوك ورجال الأعمال الذين يرغبون في التعاون مع شباب المخترعين, أو من خلال إطلاق "الصندوق القومى للبديل المصرى "والحصول على تمويل له من الجهات المانحة مثل مؤسسة مصر الخير وصندوق "تحيا مصر" والبنوك العامة والأفراد " فنانين ورياضيين ", كما يمكن من خلال تسويق المشروع كعمل وطنى أن تشارك فيه مؤسسات إقتصادية كبرى مثل "شركات المحمول وشركات المنتجات الغذائية وغيرها" بتخصيص جزء يسير من سعر السلعة أو الخدمة -خمسة قروش مثلا – لتمويل الصندوق, وفي مرحلة تالية يمكن اختيار إحدى المحافظات في كل عام لتكون لتتبني تنظيم المعرض السنوي للمشروع من خلال تخصيصها لقطعة ارض كمنطقة صناعية تقام فيها المصانع الصغيرة بنظام العنابر فى المصنع الكبير, وعندما يتم الإتفاق على إنتاج سلعة أو فكرة جديدة ومبتكرة فإن كل صاحب فكرة منتج سيحصل على تمويل من الصندوق – الذي سيصبح مالكا للفكرة - لبدء إنتاجه فى حدود أقل من خمسين ألف جنيه مثلا على أن يلتزم بتشغيل عدد من الأفراد معه ومع إنتاج أول وحدة من السلعة يتم تمليك صاحب الإبتكار نسبة معينة من المشروع كثمن لإختراعه أو ابتكاره على أن تبقى النسبة الأكبر ملكا للصندوق الذى ستتزايد أرباحه بإستمرار ليصبح كيانا إقتصاديا يتوسع باستمرار.
هذه مجرد فكرة قابلة للنقاش والتطوير بما يصب في الصالح العام....