من المكروه المحبوب ذلك الشخص الدموي الذي جمع في نفس واحدة كل المتناقضات في حالة تدعو للتأمل والدراسة لأبعاد شخصية الحجاج بن يوسف الثقفي، والذي تناولت جزء من سيرته الأسبوع الماضي إلي الضاحك الباكي والذي حلت ذكري ميلاده في 25 ديسمبر الحالي ومازال يفيض علينا من فيض إبداعه وعبقرتيه ورباعياته وإنسانيته حتي انكساره واكتئابه ووفاته في أبريل 1986 وهو في الخامسة والخمسين من عمره عمنا المبدع صلاح جاهين.
يخرب شيطانك يا جدع، إزاي بتضحك ع الوجع وتقول ما فيش، الدنيا كيف مبتكسركش، والبعد كيف مبيوجعكش، إزاي برغم الخوف وكلاكيع البشر قادر تعيش ..عجبي.
الفيلسوف الحكيم محمد صلاح الدين بهجت أحمد حلمي المولود في شبرا 1930 وشهرته صلاح جاهين، جمع في جنبات نفسة مواهب عدة وكأنها حبات اللؤلؤ أغلي أنواع الأحجار الكريمة التي تخرج من الماء علي عكس باقي أنواع الأحجار الكريمة الأخرى التي توجد في باطن الأرض، هو مختلف بكل المقاييس شاعر عاميه لا يقارن، رسام كاريكاتير وممثل وسيناريست وأديب وصحافي, محبا وعاشقا لمصر وشعبها مهموما بها وبأوجاع البسطاء, كان ناصريا حتي النخاع عشق جمال عبد الناصر وظل حتي أخر لحظة قبل نكسة يونيو 1967 يكتب بمداد قلبه كل الأغاني الحماسية التي صهرت مشاعر الشعب كله في بوتقة واحدة، غنت له أم كلثوم وعبد الحليم, خلق بأشعاره وأغانيه حالة عامه يصعب تكرارها, ولأنه صعد بكل جوارحه عنان السماء كانت الهزيمة قاسية عليه لم يتحملها, ولم يستطع تجاوز محنة وفاة الزعيم جمال عبد الناصر الذي كان يري فيه العزة والكرامة.
بالطبع حامت الشكوك حول وفاة صلاح جاهين وقيل انه انتحر بل أني قرات لأحد كبار الكتاب ممن عاصروه إنه كان يعاني من نوبات اكتئاب حادة وانه كان يقوم بغلق نوافذ حجرته ويقوم برشها بالبيرو سل ثم يخلد للنوم ربما أراد بذلك الانتحار، هذا ما تردد بعد سنوات من وفاته، رغم نفي أبنه الشاعر الكبير بهاء جاهين ذلك الأمر وأكد انه توفي بسبب تناول أدوية منومة تتعارض مع مرض القلب الذي كان يعاني منه، ولعل هذا ما جعل البعض يربط بين وفاة جاهين وبين اليوم العالمي لمنع الانتحار المخصص له 10 سبتمبر من كل عام ليزج باسمه ضمن مشاهير السياسة والفن العالمين المنتحرين مثل فان جوخ وإرنست هيمنجواي.
كان حاذقا ماهرا ساخرا حتي من الموت, كتب في رباعياته يا طير يا عالي في السما طز فيك.. ما تفتكرش ربنا مصطفيك.. برضك بتاكل دود وللطين بتعود.. بتمص فيه يا حلو ويمص فيك.. عجبي.
صلاح جاهين إلتحق بكلية الفنون الجميلة لكنه تركها ليتخرج من كلية الحقوق، كلية العظماء والوزراء في ذلك الوقت، ربما تأثر في ذلك بوالده رئيس محكمة استئناف المنصورة، لكنه جمع بين الجمال والحكمة والثقافة والفنون، تسعون عاما مرت علي ميلاد العملاق الذي أبدع في الليلة الكبيرة ذلك الأوبريت الغنائي الخالد للعرائس الذي يعشقه الصغار والكبار الرجل المثقف والبسيط, لطالما حفظنا كلماته والحانه وقلدناها في الحفلات المدرسية والترفيهية والتي ربما لا يعيها أبناء هذا الجيل الذي حرم من الذوق الفني الرفيع الكثير, مثلت له سعاد حسني معظم أفلامه التي انتجها أو كتب لها السيناريو والحوار مثل أميرة حبي أنا، خلي بالك من زوزو, وشفيقه متولي، المتوحشة، ومسلسل هو وهي، أنتج عودة الابن الضال إخراج يوسف شاهين، وقام بالتمثيل في اللص والكلاب ولا وقت للحب والمماليك والحب الإلهي, وكتب العديد من أغاني الأفلام، من أشهر أعماله الرباعيات التي قام بتلحينها سيد مكاوي وغناها علي الحجار, وهذا كله علي سبيل المثال لا الحصر.
شخصية غنية متعددة المواهب محب مخلص منتمي للناس ملح الأرض, لا يختلف اثنان علي فن وموهبة وأبداع الضاحك الباكي ولو بعد مائة عام مهما اختلفت الأذواق والاتجاهات والميول السياسية صلاح جاهين كتب تاريخه بمداد قلبه, بينما يظل الخلاف قائما علي شخصية المكروه المحبوب الحجاج بن يوسف الثقفي ولو بعد الفي عام فهو من خضب سيرته بسفك دماء المسلمين والصحابة وال البيت , يا له من حمل عظيم ارتبط باسمه أبد الدهر ولا يقوي علي حمله غيره.