مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد أيوب

>

بالبنط‭ ‬العريض

يوم ‬‮«‬الإنزال‭ ‬الاقتصادى‮»‬



نقل‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكى‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬المواجهة‭ ‬كاملة‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬إلى‭ ‬ساحة‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬فى‭ ‬محاولة‭ ‬لخنق‭ ‬شرايينها‭ ‬التجارية‭ ‬والمالية‭ ‬ودفع‭ ‬قيادتها‭ ‬إلى‭ ‬تقديم‭ ‬تنازلات،‭ ‬فى‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬صك‭ ‬ترامب‭ ‬مصطلحا‭ ‬جديدا‭ ‬أسماه‭ ‬‮«‬يوم‭ ‬الإنزال‭ ‬الاقتصادي‮»‬‭ (‬Economic D-Day‭) ‬للإعلان‭ ‬أنه‭ ‬منذ‭ ‬الاثنين‭ ‬الماضى‭ ‬بدأت‭ ‬واشنطن‭ ‬حزمة‭ ‬عقوبات‭ ‬اقتصادية‭ ‬شاملة‭ ‬وقاسية‭ ‬وعزل‭ ‬مالى‭ ‬غير‭ ‬مسبوق‭ ‬ضد‭ ‬إيران،‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬استوحى‭ ‬اسم‭ ‬المصطلح‭ ‬من‭ ‬يوم‭ ‬‮«‬إنزال‭ ‬نورماندي‮»‬‭ ‬التاريخى‭ ‬إبان‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية،‭ ‬وهو‭ ‬أكبر‭ ‬عملية‭ ‬غزو‭ ‬بحرى‭ ‬وبرمائى‭ ‬فى‭ ‬التاريخ،‭ ‬بدأت‭ ‬فجر‭ ‬الثلاثاء‭ ‬6‭ ‬يونيو‭ ‬1944،‭ ‬وشهدت‭ ‬نزول‭ ‬نحو‭ ‬160‭ ‬ألف‭ ‬جندى‭ ‬من‭ ‬قوات‭ ‬الحلفاء‭ ‬على‭ ‬شواطئ‭ ‬شمال‭ ‬فرنسا‭ ‬لتحرير‭ ‬أوروبا‭ ‬من‭ ‬الاحتلال‭ ‬النازي،‭ ‬فى‭ ‬إشارة‭ ‬إلى‭ ‬رغبة‭ ‬ترامب‭ ‬فى‭ ‬جعلها‭ ‬معركة‭ ‬حاسمة‭ ‬ومفصلية‭ ‬لإرضاخ‭ ‬إيران‭.‬
وهنا‭ ‬لدينا‭ ‬سؤالين،‭ ‬الأول‭: ‬هل‭ ‬تستطيع‭ ‬واشنطن‭ ‬فعليا‭ ‬عزل‭ ‬إيران؟،‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬العقوبات‭ ‬ستعيد‭ ‬إنتاج‭ ‬تجربة‭ ‬‮«‬الضغط‭ ‬الأقصي‮»‬‭ ‬السابقة‭ ‬وتدفع‭ ‬طهران‭ ‬إلى‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬التشدد‭ ‬والتصعيد؟،‭ ‬عمليا‭ ‬سبق‭ ‬للرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬فى‭ ‬عام‭ ‬2018‭ ‬فرض‭ ‬عقوبات‭ ‬اقتصادية‭ ‬مشددة‭ ‬على‭ ‬إيران‭ ‬عندما‭ ‬انسحب‭ ‬من‭ ‬الاتفاق‭ ‬النووي،‭ ‬أملا‭ ‬فى‭ ‬إجبارها‭ ‬على‭ ‬التفاوض‭ ‬من‭ ‬موقع‭ ‬ضعف،‭ ‬لكنّ‭ ‬إيران‭ ‬صمدت‭ ‬و‭ ‬تكيفت‭ ‬مع‭ ‬العقوبات‭ ‬ولم‭ ‬تنجح‭ ‬واشنطن‭ ‬وقتذاك‭ ‬فى‭ ‬انتزاع‭ ‬تنازلات‭ ‬من‭ ‬طهران،‭ ‬بل‭ ‬دفعتها‭ ‬إلى‭ ‬زيادة‭ ‬نشاطها‭ ‬النووى‭ ‬وتشديد‭ ‬موقفها‭ ‬تجاه‭ ‬الغرب‭.‬
الشاهد‭ ‬أن‭ ‬إيران‭ ‬الآن‭ ‬وبعد‭ ‬أربعة‭ ‬عقود‭ ‬تقريبا‭ ‬من‭ ‬العقوبات‭ ‬صار‭ ‬لديها‭ ‬خبرة‭ ‬فى‭ ‬التعامل‭ ‬تحت‭ ‬ضغط‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تنهار،‭ ‬وأصبحت‭ ‬أكثر‭ ‬خبرة‭ ‬فى‭ ‬الالتفاف‭ ‬على‭ ‬العقوبات،‭ ‬فقد‭ ‬تحوله‭ ‬إيران‭ ‬إلى‭ ‬مجرد‭ ‬حملة‭ ‬عقوبات‭ ‬تدريجية‭ ‬كالتى‭ ‬تعودت‭ ‬عليها،‭ ‬بعدما‭ ‬استهدفت‭ ‬الخزانة‭ ‬الأمريكية‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬60‭ ‬جهة‭ ‬مرتبطة‭ ‬بإيران‭ ‬ووسعت‭ ‬نطاق‭ ‬العقوبات‭ ‬الثانوية،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تحديد‭ ‬موعد‭ ‬نهائى‭ ‬واضح‭ ‬للدول‭ ‬والشركات‭ ‬المعنية‭.‬
نجاح‭ ‬العقوبات‭ ‬الجديدة‭ ‬على‭ ‬إيران‭ ‬مرهون‭ ‬بتعاون‭ ‬دول‭ ‬لا‭ ‬تبدو‭ ‬مستعدة‭ ‬بالضرورة‭ ‬للانصياع‭ ‬الكامل‭ ‬لواشنطن،‭ ‬وفى‭ ‬مقدمتها‭ ‬الصين‭ ‬وروسيا‭ ‬وتركيا‭ ‬والعراق،‭ ‬فالصين‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬تمثل‭ ‬فى‭ ‬رأيى‭ ‬التحدى‭ ‬الأكبر‭ ‬لـيوم‭ ‬الإنزال‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬فهى‭ ‬أكبر‭ ‬شريك‭ ‬تجارى‭ ‬لإيران‭ ‬والمشترى‭ ‬الرئيسى‭ ‬لنفطها‭.‬
سبب‭ ‬آخر،‭ ‬يصعب‭ ‬تطبيق‭ ‬هذه‭ ‬العقوبات،‭ ‬أن‭ ‬إيران‭ ‬طورت‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭ ‬شبكات‭ ‬من‭ ‬الشركات‭ ‬الوهمية‭ ‬والوسطاء‭ ‬للالتفاف‭ ‬عليها،‭ ‬لا‭ ‬يعنى‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬العقوبات‭ ‬بلا‭ ‬أثر،‭ ‬فقد‭ ‬تسببت‭ ‬سياسة‭ ‬الضغط‭ ‬الأقصى‭ ‬السابقة‭ ‬فى‭ ‬انكماش‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الإيراني،‭ ‬وانهيار‭ ‬قيمة‭ ‬الريال‭ ‬وارتفاع‭ ‬التضخم‭ ‬وتراجع‭ ‬صادرات‭ ‬النفط،‭.. ‬لكنّ‭ ‬طهران‭ ‬طورت‭ ‬فى‭ ‬المقابل‭ ‬اقتصادا‭ ‬موازيا‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬شركات‭ ‬واجهة‭ ‬ومسارات‭ ‬تجارية‭ ‬عبر‭ ‬تركيا‭ ‬وعُمان‭ ‬والإمارات،‭ ‬كما‭ ‬وسعت‭ ‬صادراتها‭ ‬غير‭ ‬النفطية‭ ‬من‭ ‬الصلب‭ ‬والبتروكيميائيات‭.‬
أما‭ ‬السؤال‭ ‬الثاني‭: ‬هل‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬مستعد‭ ‬فعلا‭ ‬لمعاقبة‭ ‬البنوك‭ ‬والمصافى‭ ‬وشركات‭ ‬الشحن‭ ‬الصينية‭ ‬إذا‭ ‬رفضت‭ ‬بكين‭ ‬الانضمام‭ ‬إلى‭ ‬الحصار؟،‭ ‬الإجابة‭ ‬فى‭ ‬رأيى‭ ‬لا،‭ ‬فالصين‭ ‬أصبحت‭ ‬أكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬مقاومة‭ ‬الضغوط‭ ‬الأمريكية،‭ ‬وقد‭ ‬ترد‭ ‬على‭ ‬العقوبات‭ ‬الثانوية‭ ‬بإجراءات‭ ‬تستهدف‭ ‬المعادن‭ ‬الحيوية‭ ‬أو‭ ‬الأصول‭ ‬المالية‭ ‬الأمريكية،‭ ‬ثم‭ ‬هل‭ ‬سيطرح‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬هذه‭ ‬المسألة‭ ‬خلال‭ ‬زيارة‭ ‬الرئيس‭ ‬الصينى‭ ‬شى‭ ‬جين‭ ‬بينغ‭ ‬لواشنطن‭ ‬المنتظرة‭ ‬خلال‭ ‬الأيام‭ ‬القليلة‭ ‬القادمة؟
واشنطن‭ ‬تحتاج‭ ‬فى‭ ‬هذه‭ ‬المواجهة‭ ‬إلى‭ ‬تعاون‭ ‬الصين‭ ‬وروسيا‭ ‬والهند‭ ‬وتركيا‭ ‬وأوروبا‭ ‬والمراكز‭ ‬المالية‭ ‬الكبري،‭ ‬هذا‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬رد‭ ‬فعل‭ ‬طهران‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬صادما‭ ‬لترامب،‭ ‬وقد‭ ‬يمنحها‭ ‬دفع‭ ‬الدول‭ ‬الأخرى‭ ‬إلى‭ ‬قطع‭ ‬ما‭ ‬تبقى‭ ‬من‭ ‬شرايينها‭ ‬الاقتصادية‭ ‬حافزا‭ ‬أكبر‭ ‬لإثبات‭ ‬أن‭ ‬المشاركة‭ ‬فى‭ ‬عزلها‭ ‬ستكون‭ ‬مكلفة‭ ‬أيضا‭.. ‬وقد‭ ‬تظلم‭ ‬إيران‭ ‬الأجواء‭ ‬على‭ ‬الكل‭ ‬بإغلاق‭ ‬صادرات‭ ‬النفط‭ ‬فى‭ ‬الخليج‭ ‬إذا‭ ‬شاركت‭ ‬دول‭ ‬المنطقة‭ ‬فى‭ ‬الحملة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يشعل‭ ‬المواجهة‭ ‬مجددا‭ ‬ويرفع‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭ ‬والوقود‭ ‬عالميا،‭ ‬فى‭ ‬ظل‭ ‬أزمة‭ ‬طاقة‭ ‬موجودة‭ ‬بالفعل‭ ‬ومرشحة‭ ‬للتفاقم‭ ‬مع‭ ‬انخفاض‭ ‬مخزونات‭ ‬أوروبا،‭ ‬بما‭ ‬ينعكس‭ ‬على‭ ‬التضخم‭ ‬وتكاليف‭ ‬المعيشة‭.‬
أستطيع‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬العقوبات‭ ‬على‭ ‬إيران‭ ‬قد‭ ‬تنجح‭ ‬فى‭ ‬خنقها‭ ‬لكنها‭ ‬أبدا‭ ‬لن‭ ‬تجبرها‭ ‬على‭ ‬الاستسلام،‭ ‬فالأزمة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬العميقة‭ ‬قد‭ ‬تجعلها‭ ‬أقل‭ ‬استعدادا‭ ‬للاستسلام‭ ‬لأن‭ ‬قيادتها‭ ‬الحالية‭ ‬تعتبر‭ ‬التصعيد‭ ‬أقل‭ ‬كلفة‭ ‬من‭ ‬القبول‭ ‬بشروط‭ ‬واشنطن،‭ ‬وقد‭ ‬يتراجع‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬بعد‭ ‬يومين‭ ‬أو‭ ‬ثلاثة‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬العقوبات‭ ‬ليثبت‭ ‬أن‭ ‬‮«‬الإنزال‭ ‬الاقتصادي‮»‬‭ ‬عجز‭ ‬عن‭ ‬تحقيق‭ ‬أهدافه،‭ ‬ونعود‭ ‬مجددا‭ ‬للحديث‭ ‬عن‭ ‬التفاوض‭.‬