مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

قهوة‭ ‬الصباح

رائحة كريهة رغم بخاخات العطور


 

تُعدُّ مدينة غراس الفرنسية العاصمة العالمية للعطور، لكنَّ كثيرين لا يعرفون أنها كانت موطنًا لدباغة وصناعة الجلود. وكانت رائحة المدابغ شديدة النفاذ، حتى باتت مصدرًا للروائح الكريهة فى المناطق المحيطة. ومن هنا بدأ التفكير فى محاولة السيطرة على تلك الروائح، والتقليل من آثارها السلبية على السكان القاطنين بالقرب من تلك المدابغ، حيث جرى تعطير القفازات بالياسمين والورد والخزامى لإخفاء الرائحة تدريجيًا. ثم بدأت الأفكار تتطور، حتى افتُتح أول مصنع لصناعة الكولونيا، وتوالت بعد ذلك أنواع العطور الأخري، فتحولت المدينة من صناعة الجلود إلى صناعة العطور، وأصبحت، حتى اليوم، العاصمة العالمية للعطور الفاخرة.

تذكرت هذه القصة وأنا أتفحص بعض الوجوه الكريهة التى تحاول أن تخفى رائحتها خلف رذاذ أثمن العطور، لكن النتيجة تكون أكثر رداءة؛ فإشعال البخور فى حلقة السمك لا يُخفى زفارته.

ففى مجتمعاتنا، كثيرًا ما يخدعنا البريق. ننظر إلى الواجهة فنبهر، ثم إذا اقتربنا من الجوهر صُدمنا بالفراغ. الشكل متقن، والصورة لامعة، والكلمات منمقة، لكن المضمون هش، وربما قبيح. لم تعد المشكلة فى الخطأ نفسه، بل فى الإصرار على إخفائه، وتبريره، والدفاع عنه، كأنه سلوك طبيعى لا يستحق الوقوف عنده. هذه المفارقة لم تعد استثناءً، بل أصبحت سمة متكررة فى مؤسساتنا، وأفرادنا، وسلوكنا العام، حتى كأننا نتقن فن إخفاء العيوب أكثر مما نتقن إصلاحها.

فى كل مجال تقريبًا نجد حقائب منتفخة، ومشاريع ضخمة، وشعارات رنانة، لكنها فى الداخل محشوة بأوراق بلا قيمة. مؤسسات تُبهر من الخارج، فإذا دخلت إلى عمقها وجدت فراغًا إداريًا، وغيابًا للرؤية، وادعاءً للإنجاز لا وجود له. والأمر ذاته ينسحب على أشخاص كثر: حضور لافت، ولسان طليق، وثقة مفرطة، لكن بلا مضمون حقيقى أو أثر ملموس.

كثيرًا ما نقع ضحايا لهذه الصور المنمقة. نفتتن بالبدايات، ثم ندفع ثمن النهايات. نقيس الناس والمشاريع بما يظهر منها، لا بما تخفيه، ونفاجأ لاحقًا بأن الفجوة بين الشكل والمضمون أعمق مما كنا نتصور. وحتى المثل الشائع: «الجواب يبان من عنوانه»، على وجاهته، لم يعد صالحًا دائمًا؛ فالعناوين اليوم تُصاغ بعناية لإخفاء الحقيقة، لا لكشفها.

نعيش، للأسف، داخل دائرة واسعة من الوهم. نتخيل أننا نعمل، ونجتهد، ونبحث، وننجز، وأننا نحب الوطن، ونخاف عليه، ونسعى إلى تقدمه. ونتخيل أننا مؤمنون مثاليون، أنقياء وأتقياء، نرفع الشعارات الدينية والأخلاقية بثقة، بينما سلوكنا اليومى يناقضها فى أبسط التفاصيل. نعيش وهم المثالية، ونقنع أنفسنا أننا صادقون، بينما الحقيقة، فى كثير من الأحيان، مدفونة تحت السجادة.