مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

محمد الأبنودى

رئيس تحرير عقيدتي‏ في ‏دار الجمهورية للصحافة‏ عضو المجلس الاعلي للشئون الاسلامية بالقاهرة درس ‏اللغة العربية‏ في ‏جامعة الازهر‏  

الخط المفتوح:

مستنقع السوشيال ميديا.. والرهان على الوعي  

 


قبل أن تتحول وسائل التواصل الاجتماعي إلى جزء لا يتجزأ من حياتنا، كانت العلاقات الإنسانية أكثر دفئًا، وكانت الكلمة تُقال بعد تفكير، والخبر ينتقل بعد تحقق، أما اليوم فقد أصبحت هذه المنصات ساحة مفتوحة لكل شيء؛ للمعرفة كما للجهل، وللخير كما للشر، وللبناء كما للهدم. ولذلك فإن وصفها بأنها مستنقع لا يعني أنها شر مطلق، وإنما يعني أن من يدخلها دون وعي قد يغرق في سلبياتها، بينما يستطيع الواعي أن يستفيد من إيجابياتها ويجعلها وسيلة للخير والمعرفة.
لا شك أن السوشيال ميديا قدمت خدمات جليلة للبشرية، فقد قربت المسافات، ويسرت التواصل بين الأهل والأصدقاء، وأتاحت فرصًا هائلة للتعليم عن بُعد، ونقل الخبرات، والتسويق، والعمل، وإطلاق المبادرات المجتمعية والإنسانية. كما أصبحت نافذة يطل منها المبدعون والمثقفون والدعاة وأصحاب المواهب على جمهور واسع لم يكن الوصول إليه ممكنًا من قبل.
لكن المشكلة لم تكن يومًا في الوسيلة، وإنما في طريقة استخدامها. فكما يمكن للدواء أن يشفي إذا استُخدم بطريقة صحيحة، قد يتحول إلى سم إذا أسيء استخدامه. وكذلك السوشيال ميديا؛ فهي سلاح ذو حدين، إلا أن الجانب المظلم منها بات أكثر حضورًا وتأثيرًا في حياة كثيرين.
لقد تحولت بعض المنصات إلى بيئة خصبة للشائعات، وتشويه السمعة، والتنمر الإلكتروني، ونشر الأكاذيب، وإهدار الوقت فيما لا ينفع. وأصبح البعض يقضي ساعات طويلة يتنقل بين المقاطع القصيرة والمنشورات السطحية، حتى سرقت هذه المنصات أعمارًا كان يمكن أن تُستثمر في العلم أو العمل أو العبادة أو الجلوس مع الأسرة.
ومن أخطر ما أفرزته السوشيال ميديا أنها خلقت حالة من المقارنات المستمرة بين الناس، فيظن الإنسان أن الآخرين يعيشون حياة مثالية، فيشعر بالنقص أو الإحباط، بينما الحقيقة أن كثيرًا مما يُنشر ليس سوى صور منتقاة بعناية، تخفي خلفها واقعًا مختلفًا تمامًا. كما ساهمت في نشر ثقافة الشهرة السريعة، حتى أصبح بعض الشباب يبحث عن عدد المشاهدات والإعجابات أكثر من بحثه عن العلم أو النجاح الحقيقي.
ولا يمكن إغفال تأثيرها على العلاقات الأسرية، فكم من أسرة تجلس في مكان واحد بينما كل فرد يعيش في عالمه الافتراضي، وكم من خلافات زوجية وأسرية بدأت بمنشور أو رسالة أو سوء فهم عبر الهاتف. لقد اقتربت الأجساد وابتعدت القلوب، وضعفت لغة الحوار المباشر أمام سطوة الشاشات.
ورغم كل هذه السلبيات، فإن الحل ليس في مقاطعة وسائل التواصل أو إعلان الحرب عليها، فهذا أمر غير واقعي في عصر أصبحت فيه التكنولوجيا جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية. وإنما الحل يكمن في ترشيد استخدامها، وتعزيز الوعي الرقمي، وغرس القيم الأخلاقية التي تجعل الإنسان رقيبًا على نفسه قبل أن يكون خاضعًا لأي رقابة خارجية.
نحن بحاجة إلى أن نُعلِّم أبناءنا أن ما يُكتب على الإنترنت يبقى أثره طويلًا، وأن الكلمة قد تبني إنسانًا أو تهدمه، وأن نشر الأخبار مسؤولية، واحترام خصوصية الآخرين واجب، وأن الوقت أثمن من أن يُهدر في متابعة كل جديد بلا هدف.
إن السوشيال ميديا ليست شيطانًا مطلقًا، كما أنها ليست ملاكًا منزَّهًا عن الخطأ، بل هي أداة تعكس أخلاق مستخدميها. فمن جعلها وسيلة للعلم والخير والإبداع حصد ثمارها، ومن ترك نفسه لدوامة الإدمان والشائعات والإساءة وجد نفسه يغرق في مستنقعها.
لذلك أرى انه يبقى الرهان الحقيقي على وعي الإنسان لا على التكنولوجيا نفسها. فالعقل الواعي قادر على تحويل هذه المنصات إلى جسور للتواصل والمعرفة، أما العقل الغافل فقد يجعل منها مستنقعًا يبتلع الوقت والقيم والعلاقات. وبين هذين الطريقين، يكون الاختيار مسؤولية كل مستخدم.