لا يُقاس حب الأوطان بحجم الصراخ، ولا تُبنى الدول ولا تُنتقد سياساتها على وقع الابتذال والانحطاط الأخلاقي. إن معركة بناء الدولة المصرية وتجاوز تحدياتها الكبرى هي معركة فكر ووعي وبناء وإرادة، وليست أبداً مسرحاً للرخيص من القول، ولا مستنقعاً للأساليب الدنيئة التي تُحفر خصيصاً للنيل من ثوابت المجتمع المصري، وكرامة رموزه، وهيبة مؤسساته. وحين تخرج بعض الأصوات الضالة عن الإطار الإنساني والأخلاقي والقانوني لتخوض في الأعراض وتعتمد على العري والفظاظة، فإنها لا تعبر عن أي فكر سياسي أو رأي معارض، بل تسقط في قاع الانحطاط السلوكي الكامل الذي يلفظه كل صاحب ضمير حي.
السقوط في مستنقع الانحطاط والابتذال
حين تتجرد بعض الأبواق المشبوهة والمنصات المأجور-ة من أبسط معايير الحياء والشرف الوطني، وتلجأ إلى العري الفاضح، والأساليب الوضيعة، والعبارات النابية للترويج لأجنداتها الهدامة، فإنها لا تُسقط نفسها فحسب، بل تُعلن بوضوح تام أن رصيدها من الفكر والوطنية والرجولة والكرامة قد نفد حتى أثاره الأخيرة.
إن محاولات النيل من مصر وقيادتها، عبر الابتذال والتطاول الأرعن والمنحط، لا تمثل معارضة سياسية سليمة بأي حال من الأحوال، ولا تدخل تحت مظلة حرية الرأي والتعبير التي كفلتها الشرائع والدساتير. بل هي "عري أخلاقي" وفكري يفضح الإفلاس القيمي لمن يقفون خلف هذه الممارسات الساقطة، ومن يدعمونهم أو يروجون لهم في الظلام. إن اللجوء إلى مفردات الإهانة وسلاح الجسد والعري يعكس عجزا تاما عن مواجهة الحقيقة بالحجة، والواقع بالمنطق، والدولة بالأدلة، وهو ما يعبر عن بيئة هشة وضحلة لا تنتج سوى الخراب والتخريب.
مصر التي لا تساوم على كرامتها
إن الشعب المصري، بتاريخه العريق الممتد لآلاف السنين، وجيناته الحضارية الأصيلة التي تأبى الضيم والمهانة، يدرك جيداً وبوعي راسخ الفرق الشاسع بين الاختلاف المشروع في الرأي وبين الخسة التي تستهدف رموز الدولة واستقرارها. لقد أثبت المصريون دوماً على مر العصور أنهم يحملون غيرة وطنية صادقة لا تقبل المساومة، تحمي وطنهم من عبث العابثين وسقوط الساقطين.
إن الاختلاف في السياسات الاقتصادية، أو تقدير المواقف، أو تناول تفاصيل الإدارة أمر طبيعي وصحي في عمر الأمم الحية، بل وهو مطلوب لإثراء الحياة العامة. أما التطاول الفج، والسباب الممنهج، والانحطاط السلوكي المتعمد، فهو خط أحمر لا يمكن لمصري حقيقي غيور على وطنه أن يقبله أو يمر عليه مرور الكرام، بغض النظر عن اختلافه السياسي أو قناعاته الشخصية تجاه تفاصيل الأوضاع الحالية. فالوطن ليس مجرد بقعة جغرافية، والكرامة الوطنية ليست سلعة رخيصة تُعرض على قارعة منصات التواصل الاجتماعي من أجل إثارة الغرائز أو تحقيق مكاسب وهمية على حساب أمن واستقرار ومشاعر الملايين.
حدود الأدب الوطني وميثاق الشرف المجتمعي
للوطنية أدبها الرفيع، وللاختلاف السياسي حدوده الأخلاقية والقانونية التي لا ينبغي بحال من الأحوال تجاوزها. إن من يتخذون من السباب والتعري والفظاظة وسيلة للحديث عن الشأن العام، إنما يبيعون أنفسهم في أرخص الأسواق لمن يدفع أكثر، ضاربين بعرض الحائط كافة القيم والمبادئ الدينية والأخلاقية والمجتمعية التي تربى عليها الشعب المصري بمختلف طوائفه واتجاهاته.
لقد كانت مصر ولا تزال قلعة للقيم والأخلاق، وستبقى صامدة ومنيعة أمام كل محاولات التلوث الفكري والأخلاقي التي تقودها منصات الرخص والابتذال. إن المجتمعات الحية تحمي نفسها أولاً بالرفض القاطع لكل مظهر من مظاهر البذاءة والانحراف، وتعزل كل من يحاول هدم السور الأخلاقي الذي يحمي تماسك الأسرة المصرية وسلامة وجدانها العام.
خاتمة:
إن الساقطين تاريخياً وأخلاقياً لا يصنعون تاريخاً، والوضيع لا يستطيع بحال من الأحوال أن يهز أركان أمة عظيمة راسخة كجمهورية مصر العربية. ويبقى الوعي المصري الصلب هو الحصن المنيع والدرع الواقي الذي يتكسر أمامه كل عدوان رخيص، وتبقى مصر عزيزة أبية بأبنائها الأحرار الشرفاء الذين يرفضون الإهانة بقدر ما يرفضون الخيانة، ويدركون جيداً أن الحفاظ على هيبة الدولة ورموزها هو دفاع مباشر عن بقاء الوطن واستقراره ضد طوفان الابتذال والسقوط.