مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد أيوب

>

من حدائق الروح

نسيتُ أن أُخبركَ


نسيتُ أن أُخبركَ...
أنَّ الفجرَ، حين مرَّ بقربي،
 كان يحملُ شيئًا من عطرك،
 أنَّ البحرَ ما عاد بحرًا،
ضاعَ في برِّيَّتِكَ.
--
أنني ما عدتُ أذكرُ أسماءَ مدنٍ،
ولا وجوهَ عابرين.
كيف أذكرُ شيئًا،
ولم يبقَ إلا وطنُ الحنينِ؟
لا أذكرُ غيرَ صمتٍ
يسبقُ خطوتي.
--
نسيتُ أن أُخبركَ...
كلَّما هممتُ أن أنساكَ،
أضاءَ نجمُكَ في روحي،
 ليعيدني ذاهلا
لأوَّلِ الحنين
--
نسيتُ أن أُخبركَ...
أنَّ الصبحَ ذات مرة
قابلني مبتسمًا، كصديقٍ قديم،
يحملُ في ضحاه
 نسيمًا تعثَّرَ  بالوجدِ،
فما اكتملَ النشيدُ.
--
نسيتُ أن أُخبركَ...
أنَّ القمرَ، منذ غيابِكَ،
 صار يتيمًا،
مأخوذًا بحزنِنا.
وأنَّ المطرَ، حين يلامسُ نافذتي،
 يذكرني ببسمتك، 
 ثم يمضي.
أنَّ السنابلَ تُورقُ شوقًا
كلَّما مرَّ طيفُكَ.
وكلَّما أردتُ أن أكتبَ عنكَ، بكيتُ،
 فيخفقُ لي جناحان
فأطير إليك
--
نسيتُ أن أُخبركَ...
أنني، كلَّما أصغيتُ إلى النجوم،
سمعتُها تردِّدُ همسَكَ الأخير.
إنَّها لا تنامُ بسماءِ فؤادي،
كلَّما تأخَّرتَ في الشعر
عن الحضور.
--
نسيتُ أن أُخبركَ...
أنَّ النسيمَ، كلَّما أقبل،
لا يوقظُ الزهر،
بل أراه كل مرة
يداعب وجنتيك 
من الشوقِ بساتينُ ودوحاتٌ،
وقد صفا الموردُ
لعذبِ مقامٍ سرمديٍّ،
وفي حدائقِ الروحِ
تجري الأنهارُ
ويتفتَّحُ زهرُ السماءِ
في شذى ذكراك.
..
أبدًا... ما نسيتُكَ... ما نسيتُكَ.
فحسبُ، نسيتُ أن أُخبركَ...
أنَّ الفجرَ... والبحرَ... والسنابلَ... وبستان الشعر...
لا أدري...
أمِنْ عينيكَ، أم من حدائقِ روحِكَ؟
نسيتُ أن أُخبركَ فحسب...
أنَّ حبَّكَ كتبني قصيدة.
-----------------------------------------
٢ __ ( آخرُ الغياب) **
--------------------------
كلُّ ما تبقّى من رُفاتِ ذاك الموعد
قمرٌ قد غفا في كفَّيَّ،
وأنا أسأل غيابك
 باحثًا عن غدٍ.
كلا... كلا،
أذكر أيضًا ذاك الطائرَ الذي يبكي فجرًا
عند نافذتي.
منذ افترقنا... يحفظُ عنِّي
ما نسيتُ أن أحكيه
وأسفي.
---
أذكرُ ما يشبهُنا؛ تعبرُه الريحُ في صدري.
ينسجُ في روحي ما عجزتُ عن قوله.
ثم يمضي.
---
منذ افترقنا...
وأنا أجمعُ من صدى الأيام
بقاياكِ،
ولا يطرقُ بابَ وحدتي
إلا زهرُ منفيُّ.
---
كلُّ ما تبقّى:
فقدٌ،
ولوعةٌ سرَتْ في أوردتي.
أكلُّ ما تبقّى... أنتِ؟
وذلك السرُّ:
حنيني إلى عينيكِ.
---
أحقًّا، أذلك كلُّ ما أذكره؟
موعدٌ لم يكن أبدًا...
وبقايا حلمٍ
تعتَّق دهرًا في شاردتي.
مترقِّبًا النسيان...
أو لمسةَ روحٍ تسري
 زهرةِ شمس
منتحرةِ في قلبي.
---
حبيبتي...
ما أبهى الحزن،
أكسوه رداءَ الصمت،
فيبيتُ،
وتضيء أغصانُه
في فضاءٍ متشظٍّ.
---
ما أجمل الحزن،
حين أبتسمُ لموعدٍ لم يكن أبدًا،
بنهارٍ لا يُمسي.
لا تكترثي... لا تلتفتي،
فذاك الذي هناك
وهمٌ مطوَّقٌ
بخريفِ العمر،
من زمنٍ لم يأتِ.
---
ما أبهى الحزن
على موعدٍ لم يكن أبدًا.
حينما أُخفيكِ في هوامشي،
وأنتِ تمضين
كحلمٍ عبرني.
وأراكِ آخرَ الغياب،
تخرجين من رمادِ الحروف
كالفجرِ يتعلَّمُ النهوضَ
وتهمسين
بخطوةٍ أضاعها الحنين.
غيرَ أنِّي كلَّما أيقظتُ قلبي
عاد يسألُني عن خُطاك،
كأنها لم تغادرْ أمسي.
---
ولقد علمتُ
أنَّ بعضَ الرحيل يبقى بابًا
يلتقي عنده ظلّانِ،
وأبقى سطرًا أخيرًا
يؤجِّل خطانا،
لنمشيها معًا.
---
ولقد أيقنتُ
أنَّ بعضَ اللقاءِ
لا يجيء،
بل تكتبه القصائدُ
في ذاكرةتي.
---
حبيبتي...
ما أروع الحزنَ
حين أشتاقُ إليكِ.
ويورقُ فؤادي
كلَّما كتبتُ اسمَكِ.
---
كيف أنجو؟
وما زال الغيابُ يعرفُ الطريقَ إليَّ.
كيف أنجو؟
ولا تزالُ الظلالُ تُدركني.
كيف أنجو؟
وأكثرُ ما تبقّى من خُطاي
ينتهي في الطريقِ إليك.
____________________________
٣_ ( ما بَقِيَ) **  
_____________
أَذَهَبَ العُمْرُ أَمِ الأَيَّامُ خَادِعَةٌ؟
مِنِّي مَضَتْ
وَفِي الرُّوحِ تحيا أَوْهَامِي
مَا بَيْنَ طَرْفَةِ عَيْنٍ
 ثُمَّ صَحَوْتُ مِنْهَا
أَغْدُو حَامِلًا أَثْقَالَ آلامِي
أَمْسَى القَرِيبُ كَأَنِّي مَا شَهِدْتُ بِهِ
إِلَّا كَظِلٍّ
 تَوَارَى بَيْنَ أَحْلَامِي
يَا لَيْتَ شِعْرِي
 أَعُمْرِي كُنْتُ أَعْرِفُهُ
أَمْ كُنْتُ أَسْعَى
 إِلَى وَهْمٍ بِإِقْدَامِي؟
هَلْ كَانَ العُمْرُ سِوَى حُلْمٍ أُقَلِّبُهُ
رُؤًى تُسَافِرُ
نَحْوَ السَّرَابِ بِمَرَامِي؟
مَا بَيْنَ أَيَّامٍ وَلَيَالٍ قَدِ انْقَضَتْ
 مِنِّي مَضَى
 قَلْبِي قَبْلَ أَعْوَامِي
وَلَّى بِيَ الزَّمَانُ لَمْ يَتْرُكْ لِي
إِلَّا ظِلَالَ ذِكْرَى
وَبَعْضَ أَحْلَامِي
أَنَا الَّذِي نَظَرَ
 فَلَمْ يَجِدْ مَا بَقِيَ لَهُ
وَمَا قَرَّ لِلرُّوحِ
 إِلَّا صَرِيرُ أَقْلَامِي
سَفَرِي فِي الخَيَالِ ذكرى
 دَوْمًا مُنْفَرِدًا
تَعَجَّبَتْ مِنِّي الفَيَافِي وَالأَكَامُ
مَوْسِمًا فَمَوْسِمًا
بَيْنَ أَسَى الأَمْسِ
 وَرَدِّ السِّهَامِ
________________________
٤ _ ( أوَّلَ العابرينَ )  **
_________________
ظلٌّ وراءَ ظلٍّ،
يتحسَّسُ أنفاسي.
نِهَايَةَ اَلْأَمْرِ :
أَسمَاءٌ . . أَحلَامُ
         رَمَادٍ . . أَشبَاحُ
         دُخَّانِ آتٍ
 ليملأ فمَ الشعرِ صمتًا
مسرعًا...
يمضي كسرِّ أمسِ
وغيبٍ آتٍ.
.. 
 وَمِنْ جَدِيدٍ . .
عن وهمٍ جديدٍ،
نسكنُه... وتسكنُنا القصائد
تَائِهِينَ.  مُتَسَائِلِينَ :
            إِلَى مَتَى نَرْحَلُ مُتَعَثِّرِينَ
 مِنْ وَهْمٍ إِلَى وَهْمٍ لِنَحيَا
بنسمةِ كلمةٍ
تطوي ماضينا.
.. 
 إِلَى مَتَى . . إِلَى أَيْنَ!؟! 
 وَتِلْكَ اَلْأَلْوَانُ اَلشَّائِهَةُ مَازَالَتْ سَاجِيَةً
 تتربصُ بنا بصمتٍ،
وتصكُّنا رياحُها.
تداهمُ سنينَ العمر.
أنصبحُ عصفًا
تلتهمه الظلال؟
أَمْ تَلَقَّيْنَا لِلْجَمْرِ؟!
هُنَالِكَ :
       شَمْسُ تَبْكِي في غروبها
       وَالْحَقِيقَةُ سَجِينَةً بدمعها:
 والشعرُ ما زال ذاهلًا
 لم يُفِقْ من دهشته
 ومَازَالَ اَلسُّؤَالُ عنه يتردد هَمْسًا
 تَرْنِيمَةً لِلطَّيْرِ:
 مَتَّىْ رَحَلَ
 بِجِرَاحِهِ مُهَاجِرًا ؟! 
 متى يعود،
فيسري نسيمُ الروح؟!
..
لكنَّ الريحَ
لم تأتِ بما انتظرناه،
بل أورثتِ الصمتَ بابًا آخرَ.
والحنينُ...
لم يُوقظْ غيرَ صدى الخُطى.
وكان وجهُ الحزنِ
أوَّلَ العابرينَ.
_
بأيِّ وجهٍ ستطلُّ يا حزن...؟! 
وقد مضى طائر كان يطربنا
 رحل بالأمسِ وأبكانا.. 
بأيِّ وجهٍ ستطلُّ...؟! 
وما عادَ للنهارِ وجهٌ نعرفُه
خلا ما أضاعتْهُ دروبُ الذهابِ.
تُراكَ، بأيِّ ملامحٍ ستلقانا؟
تُراكَ، بأيِّ بابٍ ستلجُ؟!
ولم يبقَ إلا أسى الخطوبِ،
نمضي حالمينَ بظلِّ السرابِ.
وأيُّ بحرٍ
يردُّ إلى الروحِ بقايا إيابِ؟
فأيُّ الجهاتِ ستبقى،
إذا غابَ وجهُ النهارِ؟!
-------------------------------------------
٥ _ ( عندَ بابِ ذاكرتي) **
---------------------------------   
ثمّةَ ما لم ينقضِ بعدُ
ثمّةَ جهةٌ خامسةٌ للوجود.
إليها أمضي.
هناك..
عبرَ اثني عشرَ تاريخًا 
كان الغيابُ 
يطلُّ عليَّ
لم أُخبرهم أنني راحلٌ...
ولم يُخبروني أنهم سينتظرونني
في الشتات.
...
مضى الربيعُ
 مخاصمًا اللقاء،
 تركَ زهرةَ النسيانِ 
عندَ بابِ ذاكرتي.
.. 
 وبين غيوم الوجوم
ورمادِ المسافاتِ
دخانِ الرحيلِ
في هدأةِ الروح
يُورِقُ صمتُ الكلماتِ
.. 
هناك مرَّتْ عصورٌ
تتيهُ في الفراغِ،
وأرهفتُ السمعَ
إلى همسِ النجومِ،
وهديرِ البحرِ،
وأهديتُ للشمسِ
سنينَ من المراثي،
وشيئًا
من حُلْمي القديمِ.
..
كتبَ البرقُ سيرتي المنسيَّةَ
ثم اختفى...
قبل أن يطويَها
ليلُ المنفى.
.. 
وعدتُ من غبارِ المحال
والمتاهات
فلم أجد نفسي،
ولم أجدهم،
إلا ظلالًا تمرُّ،
وصدىً يُحدِّقُ بي
في آخرِ المدى.
......
ترنَّح الجمالُ
وقد أثقلتْه الحيرةُ...
 وهو يتساءل:
         أين ذهبت الشمس؟
              أين غاب البحر؟
                   أين توارت النجوم؟
شهقَ الصمتُ...
تناثروا جميعًا 
في قصائدِ الريح، 
وجدتُهم
في كفِّ السديم 
يحتضرون.
.. 
أنا...
والشمسُ، والبحرُ،
والنجومُ
تلاشينا في عصورِ الهباء،
ما من أحدٍ عاد...
منذ ذلك الحين
ما عاد للفناء جهةٌ..
ثمّةَ جهةٌ خامسةٌ للوجود... 
إليها أمضي.