لم تكن مشاركة المنتخب المصري في كأس العالم 2026 مجرد ظهور جديد في أكبر محفل كروي، بل كانت نقطة تحول حقيقية في تاريخ الكرة المصرية. فمنذ أول مشاركة عام 1934، مرورًا بالمشاركات التالية، ظل المنتخب يودع البطولة من دور المجموعات، وكأن هذا الدور أصبح سقفًا لا يمكن تجاوزه. لكن في هذه النسخة، كسر الفراعنة هذه القاعدة، وكتبوا صفحة جديدة في تاريخهم بالتأهل إلى دور الـ32، ثم إلى دور الـ16، ليؤكدوا أن الكرة المصرية قادرة على منافسة كبار العالم.
هذا الإنجاز لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة شخصية قوية داخل الملعب، وروح قتالية عالية، وانضباط تكتيكي أعاد الثقة للجماهير المصرية. ومع كل مباراة كان سقف الأحلام يرتفع، فلم يعد التأهل إلى دور الـ16 هو نهاية الطموح، بل أصبح الحديث يدور عن ربع النهائي، ولماذا لا يكون الطريق مفتوحًا إلى ما هو أبعد من ذلك؟
ما قدمه المنتخب في هذه البطولة كان استثنائيًا بكل المقاييس. فقد لعب بشجاعة أمام أقوى المنتخبات، وكان في معظم المباريات هو الطرف المبادر بتسجيل الأهداف، بينما كانت الفرق المنافسة تسعى إلى إدراك التعادل. والأكثر دلالة أن المنتخب سجل في هذه البطولة عددًا من الأهداف يفوق ما سجله في مشاركاته الثلاث السابقة مجتمعة، وهو ما يعكس تطورًا واضحًا في الشخصية الهجومية والثقة بالنفس.
وجاءت مواجهة الأرجنتين، حاملة اللقب، لتكون الاختبار الأصعب. الجميع كان يترقب اللقاء، لكن قليلين فقط توقعوا أن يظهر المنتخب المصري بهذه الشخصية، وأن يهز شباك بطل العالم مرتين، فضلًا عن هدف ثالث أُلغي وأثار كثيرًا من علامات الاستفهام. لقد أثبت اللاعبون أنهم كانوا على قدر المسؤولية، وأن الفارق بين المنتخبين لم يكن كما توقعه كثيرون قبل انطلاق المباراة.
ولا يمكن تجاهل ما صاحب اللقاء من قرارات تحكيمية أثارت جدلًا واسعًا داخل مصر وخارجها. ومن حق الاتحاد المصري لكرة القدم أن يتقدم باعتراض رسمي وفق اللوائح، وأن يطالب بمراجعة كل الوقائع المثيرة للجدل حفاظًا على العدالة الكروية ومصداقية البطولة. كما أن للإعلام والجماهير دورًا مهمًا في مساندة هذا التحرك القانوني والدفاع عن حقوق المنتخب بكل الوسائل المشروعة، لأن العدالة هي أساس قيمة أي منافسة رياضية.
لكن، بعيدًا عن نتيجة مباراة الأرجنتين، فإن المنتخب المصري خرج من البطولة منتصرًا في أشياء كثيرة. لقد كسب احترام العالم، وغيّر الصورة الذهنية عن الكرة المصرية، وأثبت أن الفراعنة قادرون على الوقوف نِدًا أمام كبار اللعبة، بل وفرضوا أنفسهم ضمن المنتخبات التي يحسب لها الجميع ألف حساب.
ويقع على عاتق الجهاز الفني بقيادة حسام حسن، ومعه نجوم المنتخب وفي مقدمتهم محمد صلاح، مسؤولية استثمار هذا الإنجاز وعدم اعتباره محطة عابرة. فما تحقق يجب أن يكون بداية لمشروع طويل المدى يصنع جيلًا جديدًا قادرًا على المنافسة في البطولات الكبرى، وليس مجرد فريق يحقق مفاجأة ثم يعود إلى نقطة البداية.
ومن بين أهم الدروس التي فرضتها هذه البطولة أيضًا، ضرورة إعادة النظر في ملف احتراف اللاعبين المصريين في الخارج. فالاحتراف الخارجي لم يعد رفاهية، بل أصبح ضرورة فنية وبدنية وعقلية. فاللاعب الذي يخوض المنافسات في الدوريات الكبرى يكتسب خبرات لا تُقدر بثمن، ويتعامل مع مدارس كروية مختلفة، ويرتفع مستواه التكتيكي والبدني، كما يتأقلم مع نسق الكرة الحديثة التي تعتمد على السرعة والقوة والانضباط، وهو ما ينعكس في النهاية على أداء المنتخب الوطني.
ولتحقيق ذلك، لا بد من إعادة هيكلة منظومة الاحتراف الداخلي. فمن غير المنطقي أن يحصل اللاعب على عقود ورواتب ضخمة داخل الدوري المحلي تجعله غير متحمس لخوض تجربة الاحتراف الخارجي بما تحمله من تحديات. لذلك أصبح من الضروري وضع ضوابط وسقف منطقي للرواتب والعقود، بما يشجع اللاعب على البحث عن فرص الاحتراف في الدوريات الأقوى، حيث يكون التطور الفني هو الطريق الطبيعي أيضًا لتحقيق المكاسب المادية الأكبر.
وأهم درس خرجنا به من كأس العالم هو أن مستقبل المنتخب يبدأ من قطاع الناشئين. فلا يمكن بناء منتخب عالمي إذا ظل متوسط أعمار اللاعبين مرتفعًا، بينما لا يحصل اللاعبون تحت 20 عامًا على الفرصة الكافية للمشاركة واكتساب الخبرة. لذلك أصبح من الضروري إعادة النظر في مسابقاتنا المحلية، وإلزام الأندية بمنح فرص حقيقية للاعبي الشباب في الدوري والكأس، حتى تتحول البطولات المحلية إلى مصنع حقيقي للمنتخب الوطني، لا مجرد سباق على الألقاب.
لقد منحتنا هذه البطولة سمعة دولية جديدة، وأعادت الكرة المصرية إلى دائرة الاهتمام والاحترام. وهذه السمعة لا ينبغي أن تكون إنجازًا عابرًا، بل يجب الحفاظ عليها من خلال التخطيط العلمي، وتوسيع قاعدة الاحتراف الخارجي، والاهتمام بقطاع الناشئين، وإعادة ترتيب أولويات الكرة المصرية بما يخدم المنتخب الوطني أولًا.
لقد انتهت رحلة المنتخب في مونديال 2026، لكنها في الحقيقة ليست نهاية المشوار، بل بداية مرحلة جديدة. مرحلة أثبتت أن الحلم ليس مستحيلًا، وأن المنتخب المصري قادر على مقارعة الكبار متى توافرت الرؤية والتخطيط والإرادة. وما تحقق في هذا المونديال يجب ألا يُحفظ في سجلات التاريخ فقط، بل يجب أن يكون نقطة الانطلاق نحو مشروع كروي وطني يجعل وجود مصر في الأدوار الإقصائية أمرًا طبيعيًا، ويحول حلم المنافسة على اللقب يومًا ما إلى هدف مشروع، لا إلى أمنية بعيدة.