في زمن أصبحت فيه مواقع التواصل الاجتماعي ساحة مفتوحة للجميع، بات من السهل أن تُطلق الاتهامات، وأن تشن الحملات، وأن تُصدر الأحكام دون دليل أو مواجهة صريحة.. وخلال الأيام الماضية تابعت، كما تابع كثيرون، موجة من الهجوم على مستشفى جامعة بنها، هجوماً لم يتضمن وقائع واضحة أو أدلة معلنة، وإنما جاء عبر صفحات وحسابات مجهولة، الأمر الذي يثير تساؤلات أكثر مما يقدم إجابات.
وأقولها بصدق أمام الله والتاريخ: لست هنا للدفاع عن شخص، فالأشخاص يذهبون وتبقى المؤسسات، ولكنني أدافع عن كيان طبي كبير، وعن صرح علاجي أصبح أملاً لآلاف المرضى من أبناء القليوبية والمحافظات المجاورة.
نعم.. لا توجد مؤسسة في العالم تخلو من الأخطاء، ولا يوجد مرفق صحي لا يواجه ضغوطاً أو تحديات، خاصة إذا كان يستقبل هذا العدد الهائل من المرضى يومياً.
والخطأ إذا وقع من فرد، فمكانه التحقيق والمحاسبة، وليس تعميم الاتهام على مؤسسة كاملة يعمل بها آلاف الأطباء وأطقم التمريض والفنيين والإداريين الذين يواصلون الليل بالنهار لإنقاذ الأرواح وتخفيف آلام المرضى.
من يعرف مستشفى جامعة بنها عن قرب، يدرك حجم المسؤولية الملقاة على عاتقه، فهو يستقبل حالات معقدة تُحال إليه من مختلف المستشفيات، كما يقصده المرضى غير القادرين الذين لا تسمح ظروفهم المادية بالعلاج في المستشفيات الخاصة وفي كثير من الأحيان، يكون هو الملاذ الأخير بعد أن تُغلق أمام المريض أبواب كثيرة.
وأرى انه من الإنصاف أن نتحدث أيضاً عن الإنجازات، لا أن نغض الطرف عنها، فقد شهدت مستشفيات جامعة بنها خلال السنوات الأخيرة طفرة حقيقية في مستوى الخدمات الطبية، والتوسع في التخصصات الدقيقة، وتحديث الأجهزة، وتطوير الأقسام، وزيادة الطاقة الاستيعابية، وذلك تحت قيادة الأستاذ الدكتور ناصر الجيزاوي رئيس جامعة بنها، والأستاذ الدكتور محمد الأشهب عميد كلية الطب ورئيس مجلس إدارة المستشفيات الجامعية، والأستاذ الدكتور عمرو الدخاخني المدير التنفيذي للمستشفيات الجامعية، وبجهود جميع الأطباء والتمريض والعاملين الذين يعملون بإخلاص في ظروف ليست سهلة.
هل يعني ذلك أن كل شيء مثالي؟ بالتأكيد لا، فكل مؤسسة قابلة للنقد والتطوير، وكل مسؤول يجب أن يخضع للمحاسبة إذا ثبت وجود تقصير، لكن هناك فرقاً كبيراً بين النقد المسؤول الذي يهدف إلى الإصلاح، وبين حملات التشويه التي تُطلق الاتهامات دون دليل، أو تسعى إلى هدم الثقة في مؤسسة تخدم ملايين المواطنين.
إن من يمتلك شكوى حقيقية أو دليلاً على تقصير، فليتقدم به إلى الجهات المختصة، وستجد الدولة مؤسسات رقابية لا تتهاون في محاسبة أي مسؤول. أما الاكتفاء بمنشورات مجهولة أو اتهامات مرسلة، فلا يخدم المريض، ولا يحقق العدالة، ولا يسهم في الإصلاح.
إن مستشفى جامعة بنها ليس ملكاً لأحد، بل هو ملك لكل مواطن، والحفاظ على سمعته لا يعني التستر على الأخطاء، كما أن كشف الأخطاء لا يعني هدم المؤسسة، فالعدل يقتضي أن نشيد بالإنجاز حين يتحقق، وأن ننتقد التقصير حين يثبت، دون ظلم أو مبالغة أو تصفية حسابات.
في النهاية، أقولها من القلب: إذا أخطأ فرد فليُحاسب، وإذا قصر مسؤول فليتحمل مسؤوليته، لكن لا تجعلوا من أخطاء الأفراد سلاحاً للطعن في مؤسسة عريقة، حملت على عاتقها علاج المرضى وخدمة الإنسان، وتحملت ما لا تتحمله مؤسسات كثيرة.
مستشفى جامعة بنها سيظل صرحاً طبياً كبيراً، وسيظل محل تقدير لكل من يعرف حجم ما يُبذل داخله من جهد وعطاء، وسيبقى الإنصاف والعدل هما الطريق الصحيح للحكم على المؤسسات، بعيداً عن الانفعال، وبعيداً عن حملات التشويه، وبعيداً عن أي مصلحة شخصية.
استقيموا يرحمكم الله... فالحق لا يُعرف بالصوت العالي، وإنما بالعدل والإنصاف.