مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

لحظة تمرد : 

وجوه الصمت..من زنزانة العقاب لرحاب التأمل..!! (2 )

 

في عالمٍ يضج بالصخب، وتتسابق فيه الحناجر لإثبات الوجود، يبرز "الصمت" كأقوى اللغات وأكثرها غموضاً  ، فهو ليس مجرد غيابٍ للكلام أو فراغٍ صوّتِيّ، بل هو مساحة شاسعة تتأرجح بين داءٍ يقتل، ودواءٍ يحيي..الصمت جنة ونار
حين يختار الإنسان الصمت طوعاً، يفتح لنفسه نافذةً نحو السكينة والتأمل، محولاً السكون إلى ملاذٍ آمن يرمم فيه شتات روحه بعيداً عن ضوضاء العصر الرقمي وجلجلة الحياة اليومية.. يصبح الصمت هنا جنه .. نمط حياة يعكس الرزانة وعمق البصيرة.. يمكن ، تتجسد حكمة السلف حين رأوا في السكوت ذهباً يُصان به العِرض وتُرتّب به الأفكار.. يمكن !!.
لكن، لهذا الصمت وجهاً آخر.. جهنم .. وجها مظلماً وقاسياً، حين يُشحذ كخنجرٍ مسموم ويُرفع كعقوبةٍ عاطفية في وجه الشركاء أو الأبناء. في تلك اللحظة، يتحول الصمت من واحة سلام إلى جدران زنزانة غير مرئية  ، إنه "العلاج الصامت" الذي يلغي وجود الآخر، ويتحول إلى تعذيب نفسي ينهش في الروابط الإنسانية، ويخلّف وراءه ندوباً لا تبرأ، قد تُنسى الكلمات الجارحة ، أما الصمت العقابي فيعني إنكاراً تاماً لكيان الشريك.
بين صمتٍ يبني وصمتٍ يهدم، وصمتٍ يداوي وصمتٍ يعاقب: 
• غدوتُ كأنني بالصمتِ حَيٌّ ... ومِنْ عينيَّ يَنهمرُ البَيانُ
نَظَرْتُ إليكَ، فانعقد اللسانُ ... وضاعَ الوصفُ، واغتربَ المكانُ
عيونٌ تلتقي، فتقولُ شِعراً ... يَقصرُ عن بَلاغتِهِ الجَنانُ
صَمَتْنا.. والعيونُ لنا كتابٌ ... يُرَتِّلُ لَهْفَةً، وبِها نُصانُ
صمت العشاق 
• أجمل ما في صمت المحبين، أنه صمتٌ "مسموع" جداً للقلوب التي تشعر، حيث تتحول النظرة إلى قصيدة، والسكوت إلى اعتراف.
والسؤال :هل يقوى الوجدان على العيش صامتاً؟
نبضات قلوبنا، ودموعنا، وضحكاتنا، تجيب بنفيٍ قاطع.. نحن كائنات خلقت من لغة ومشاعر  ، واللغة، كما وصفها الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر، هي "مسكن الوجود"... أن يعيش الإنسان في صمت دائم ومطلق، يعني أن يُطرد من هذا المسكن الدافئ، ليموت برداً في عراء الوجود.
صمت الرهبان والعباد 
حتى أولئك الرهبان الذين نذروا الصمت في قمم الجبال، كانوا يكسرون صمتهم بآهات التراتيل، ونبض الكتابة، وعرق البناء. فالإنسان لا يمكنه إلغاء الكلمة، لأن "الآخر" هو مرآتنا، وبدون النطق نصبح أشباحاً تتجول في الفراغ. كما قال الشاعر المتنبي بجرأته المعهودة:
فِإِنَّمَا الْمَرْءُ بَعْدَ الْقَوْلِ صُورَتُهُ ... وَمَا سِوَى نُطْقِهِ فِي الْقَوْمِ تِمْثَالَا محراب الوجود، ولنحمي مشاعرنا من الابتذال.
• لا تطلب الحكمة منا أن نكون تماثيل صامتة، بل أن نتقن تلك المهارة الوجدانية العميقة التي لخصها الفيلسوف الإغريقي بلوتارخ بعمرٍ كامل حين قال: "أحتاج إلى سنتين لتعلم الكلام، وأحتاج إلى خمسين سنة لتعلم الصمت". إنها الحكمة التي تهمس في أرواحنا بكبرياء ورقة:  اعرف متى تتكلم لتنثر الفضة، ومتى تصمت لتسبك الذهب.
الصمت قبل وخلف القضبان
لم يكن الصمت تاريخياً مجرد ترفعٍ عن الكلام، بل استُخدم كأداة هندسة نفسية مرعبة لكسر إرادة البشر..وحق الصمت  أصيح "مبدأ قانوني" يكفله الدساتير والتشريعات الجنائية  ، وحق إنساني أصيل يضمن لأي فرد، خاصة المشتبه بهم أو المتهمين، حرية الامتناع عن الإجابة عن أسئلة المحققين أو القضاة لتجنب إدانة الذات، يمكن ، يأسا  يمكن ، احتجاجا يمكن ، وصار حقا   دون أن يُعد ذلك دليلاً للإدانة أو قرينة ضد صاحبه .
و في القرن التاسع عشر، وتحديداً في الولايات المتحدة وبريطانيا، ظهر ما يُعرف بـ "النظام البنسلفاني" (في سجن "إيسترن ستيت". .. هذا النظام  الذي يقوم على فكرة "العزل الصامت التام"...وتحول السجانون إلى جلادين بسوط الصمت ..كان السجناء يُعزلون في زنازين انفرادية، ويُمنعون من التحدث مع الحراس أو السجناء الآخرين، وحتى الحراس كانوا يرتدون أحذية من القماش لئلا يُصدروا صوتاً، وكان الهدف المعلن هو "دفع السجين للتأمل والتوبة". لكن الهدف كان التعذيب بالصمت ..والنتيجة كانت مرعبة... أُصيب الآلاف بالجنون والهذيان، وانتهى الأمر بالعديد منهم إلى الانتحار..يعني أدركت الأنظمة العقابية مبكراً أن حرمان الإنسان من لغته وتواصله مع بني جنسه هو بمثابة "إعدام مدني ونفسي" وجريمة تُرتكب بلا دماء.
الصمت في الصالون الفلسفي
نظر الفلاسفة إلى الصمت باعتباره فضاءً مليئاً بالمعاني، وليس مجرد فراغ:
• سورين كيركغور: رأى أن أزمة العصر الحديث هي الضوضاء الثرثارة التي تمنع الإنسان من مواجهة حقيقته: "إذا كان بإمكاني خلق دواء واحد للعصر الحديث، فسيكون خلق الصمت  ، فالحق لا يمكن سماعه في عالم يضج بالصخب".
• فريدريش نيتشه: اعتبر الصمت ملاذ الأقوياء، الذين لا يحتاجون لتبرير أنفسهم للقطيع، وكان يقول: "الكلمات الأكثر هدوءاً هي التي تجلب العاصفة، والأفكار التي تأتي على أقدام حمامة هي التي تدير العالم".
..لغة ما وراء الكلمات
في الممارسات الروحية والشرقية، الصمت هو بوابتك للاتصال بالكون وبالذات الإلهية. في الب وذية والتصوف الإسلامي، يُنظر إلى الكلام باعتباره حجاباً يُعمي البصيرة.
أما في العصر الحديث، فقد تحول الصمت إلى  "ديتوكس عقلي" ، حيث يلجأ مئات الآلاف سنوياً إلى معسكرات الصمت الرقمي والتأملي هرباً من فيض التنبيهات، والخوارزميات التي تقتات على انتباهنا. الصمت هنا هو استرداد للملكية الخاصة لعقولنا.
• ويقول المتنبي في عزة النفس والترفع بالصمت عن مجاراة السفهاء:
    أَرَى المُتَكَلِّمِينَ جَهِلْتُ قَدْرِي ... وَإِنِّي عَنْ مَقَالَتِهِمْ لَصَامِتْ
سَكَتُّ عَنِ اللَّئِيمِ صِيَانَةً لِي ...
 وَمَا سَكَتُّ لِأَنَّنِي خَائِفْ
   الصمت في نهاية المطاف هو مرآة عاكسة لنيّتنا  ، فإما أن نستخدمه لنمد به جسور السكينة داخل نفوسنا وفي حيواتنا (كتأمل ونمط عيش)، وإما أن نستخدمه لإقامة مشانق نفسية لمن نحب (كعقاب وهجر). وكما قال جلال الدين الرومي ذات وجد: "الصمت هو لغة الله، وكل ما عدا ذلك هو ترجمة رديئة". والمهمة الإنسانية الكبرى ليست في أن نصمت دائماً أو نتحدث دائماً، بل في امتلاك الحكمة الفائقة لمعرفة أيهما يستحق هذه اللحظة.
[email protected]