لم يعد “الترند” مجرد موضوع منتشر على مواقع التواصل الاجتماعي، بل تحول في السنوات الأخيرة إلى ما يشبه الحاكم الخفي لعقول الناس واهتماماتهم. يكفي أن يستيقظ شخص صباحًا ويجد اسمًا أو قضية تتصدر الشاشة، حتى يشعر أن عليه أن يتحدث فيها فورًا، سواء فهمها أو لم يفهمها، اقتنع بها أو لم يقتنع.
في زمن قديم، كان الإنسان يبحث عن الخبر أو الفكرة التي تناسب اهتمامه، أما اليوم فالترند هو الذي يختار للناس ما يشاهدونه وما يغضبون منه وما يضحكون عليه. وكأن ملايين البشر أصبحوا يجلسون داخل غرفة واحدة ضخمة، يلتفتون جميعًا نحو نفس الضجيج في اللحظة نفسها.
العجيب أن عمر كثير من “التريندات” لا يتجاوز أيامًا قليلة، لكنها خلال هذه الأيام القصيرة تتحول إلى قضية حياة أو موت. الجميع يكتب، والجميع يحلل، والجميع يهاجم أو يدافع، ثم فجأة يختفي كل شيء وكأن شيئًا لم يكن، ليبدأ الناس الجري خلف ترند جديد.
الأخطر أن بعض الناس لم يعد يسأل: “هل هذا مهم فعلًا؟”، بل يسأل فقط: “هل هذا منتشر؟”. وهنا تكمن المشكلة. فهناك فرق كبير بين القضية الحقيقية والقضية التي صنعتها الخوارزميات. كم من موضوعات تافهة احتلت الشاشات واخذت ساعات طويلة من النقاش، بينما قضايا أكثر أهمية مرت في هدوء لأنها لم تتحول إلى “ترند”.
ومع الوقت، ظهر نوع جديد من البشر يمكن تسميتهم بـ”صيادي التريند”. أشخاص لا يعنيهم مضمون القضية بقدر ما يعنيهم عدد المشاهدات والتفاعل. قد يتحول أي حدث عندهم إلى فرصة للظهور وجمع الإعجابات، حتى لو كان الأمر مأساة أو أزمة إنسانية.
المفارقة أن البعض أصبح يقيس نجاحه بعدد المشاهدات لا بقيمة ما يقدمه. لم يعد السؤال: “ماذا تقول؟”، بل “كم شخص شاهدك؟”. وهكذا انتقلت العدوى من عالم السوشيال ميديا إلى تفاصيل الحياة اليومية، فأصبح كثيرون يبحثون عن الشهرة السريعة حتى لو كانت بلا معنى.
ورغم كل ذلك، لا يمكن إنكار أن مواقع التواصل منحت الناس مساحة للتعبير والوصول السريع للمعلومات، لكن المشكلة ليست في التكنولوجيا نفسها، بل في الطريقة التي نتعامل بها معها. فالترند قد يكون مفيدًا عندما يسلط الضوء على قضية حقيقية أو مشكلة تستحق الاهتمام، لكنه يصبح خطيرًا عندما يتحول إلى آلة تصنع الضجيج فقط.
وفي النهاية، يبدو أن أخطر ما فعله “الترند” ليس أنه سيطر على الشاشات، بل أنه جعل كثيرين يخشون الهدوء والتفكير الفردي. فالبعض لم يعد يكوّن رأيه بنفسه، بل ينتظر معرفة الاتجاه الذي يسير فيه الجمهور أولًا، ثم يقرر أن يسير معهم حتى لا يبقى خارج المشهد.