مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

أقول لكم

«الدِّلْتا الجَدِيدَة.. الَحقِيقَةُ أَرْوَعُ مَنَّ الخَيَّالُ».. «هَلَّ حَانَ الوَقْتُ لِرُبِطَ نَّهْرُالْكُونْغُوِ بالنَّيْل»


لم يعد الساحل الشمالي مجرد وجهة سياحية صيفية عالمية فقط، بل يشهد تحولات وتطورات متسارعة حتى أًصبح مركزاً استثمارياً عالمياً ضخماً، يتصدره مشروع رأس الحكمة، الذي يعد جوهرته وأحد أضخم الشراكات الاستثمارية، إذ يعتبر مدينة ذكية عالمية متكاملة تقام على مساحة تتجاوز 40 ألف فدان، وعلى مدار الفترات الأخيرة، ارتبط اسم المنطقة بعدة أحداث مهمة تشمل طفرات استثمارية كبرى، وجاء افتتاح مشروع الدلتا الجديدة ليؤكد أنه صارمن أهم الوجهات الاستثمارية في مصر، إذ يحتوى على بنى تحتية ضخمة، ومشروعات زراعية وصناعية لجذب المزيد من الاستثمارات العالمية والمحلية، بالورقة والقلم كان المشروع مجرد خيال لكنه بإرادة المصريين الصلبة تحول إلى حقيقة، ولما لا ففي كثيرمن الأحيان، يكون الواقع والحقيقة وجمال ما نعيشه، أروع وأكثر إبهاراً من كل ما يمكن أن ننسجه في أحلامنا وخيالنا، الواقع دائماً يحمل طعماً حقيقياً، وتجارب ملموسة، ولحظات لا يمكن تكرارها، من كان يصدق أن مصرتنفق أكثرمن 800 مليار جنيه على هذا المشروع الذي يوفر ملايين فرص العمل ويخلق بيئة جديدة قابلة للحياة في هذه الظروف الصعبة على العالم كله، دعونا نوضح الصورة لمن لم يقف أمام هذا الإنجاز بتأمل وانبهار ليدرك عظمة الجهد البشري والقدرة على تحويل الأفكار إلى واقع، ويستفسر عن ضخامته وفوائده حتى لا يمر مرور الكرام، المشروع الذي يعد أحد أكبرالمشروعات القومية في مصر، يدمج روعة الحاضربعظمة التاريخ الذي لم يسجل زيادة حقيقية في مساحة الأرض الزراعية طوال مئات السنين، إلا من خلال هذا المشروع الذي يمتد على مساحة نحو 2.2 مليون فدان في الصحراء الغربية.
يهدف المشروع إلى تحقيق الأمن الغذائي، وتوفير ملايين فرص العمل، وإقامة مجتمعات عمرانية متكاملة عبر استصلاح مناطق شاسعة في الساحل الشمالي الغربي، تتراوح مساحتها الإجمالية الموزعة على عدة مشاريع ما بين 2.2 إلى 2.8 مليون فدان لتضيف 15% مساحة منزرعة جديدة لمصر، ويتضمن الإنجاز إنشاء 19 محطة رفع رئيسة لضخ ونقل المياه بكفاءة عالية عكس الميل الجغرافي الطبيعي للأرض نحوعمق الصحراء، ويهدف إلى لتقليل فجوة الاستيراد، وتوفير ملايين فرص العمل، وإنشاء مجتمعات عمرانية متكاملة، مستغلاً شبكة محاور جديدة كمحورالشيخ زايد ومحورتحيا مصرويضم مشروعي مستقبل مصر وجنوب محور الضبعة، ويقع على امتداد طريق محور روض الفرج –الضبعة الجديد، وهو الطريق الذي أنشئ ضمن المشروع القومي للطرق، بالقرب من الدلتا القديمة وشبكة الطرق والموانئ سواء البحرية أو البرية أو الجوية، ويربط بين الحدود الإدارية لمحافظات مطروح والبحيرة والجيزة، وتم التنفيذ بعد أن كشفت الدراسات أن الأرض صالحة لزراعة المحاصيل الاستراتيجية، في مقدمتها القمح والذرة الصفراء والبقوليات ومحاصيل الخضروأنواع مختلفة من الفاكهة، فضلاً عن إنتاج 2000 ميجاوات كهرباء من خلال المحطات المخصصة لتشغيل منظومة الري المطوروالميكنة بالمشروع، وفي خطوة استراتيجية نحو بناء الجمهورية الجديدة وتأمين مستقبل الأجيال القادمة، شهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية، افتتاح المشروع الذي يعد واحداً من أضخم المشروعات القومية الزراعية والعمرانية والتوسع الزراعي في تاريخ مصر الحديث والعالم.
 وجه الرئيس السيسي، رسائل عدة للشعب المصري الصبور، قائلاً: افرحوا ببلدكم وبأنفسكم هذا الإنجاز التاريخي الضخم ما كان ليتحقق إلا بتضافرأجهزة الدولة وإخلاصكم وعزيمتكم، الدولة تتحرك بخطى متسارعة لاستصلاح وإضافة نحو 4.5 مليون فدان إلى المساحة الزراعية ضمن مشروع الدلتا الجديدة ومشروعات جهازمستقبل مصر، إلى جانب 450 ألف فدان إضافية في شبه جزيرة سيناء، مضيفاً أن الكثيرمن الدول لا تحقق اكتفاء ذاتياً كاملاً من المحاصيل الزراعية، خاصة دولة مثل مصر، مهما عملنا لا يمكن أن نحقق اكتفاءً ذاتياً من كل المحاصيل، لأننا لا نملك أراضي ومياه تكفي لكل طلباتنا، وأضاف الرئيس السيسي، أن تحقيق الاكتفاء الذاتي الكامل لـ 110 ملايين مواطن ليس واقعاً ممكناً، حتى مع إضافة ملايين الأفدنة الجديدة، وأرى أن هذا الحديث صحيح لكن علينا أن نستغل كل الفرص المتاحة لزيادة المياة في مصر، خصوصاً أن مستقبل مصرمرتبط بزيادة مساحة الأراضي الزراعية، ولذا لم يعد أمامنا سوى التفكيرفي مشروع القرن مجدداً، وهو نهر الكونغو والذي يطلق عليه مشروع ربط نهر الكونغو بنهرالنيل، وهو مشروع ضخم هدفه التحكم بالموارد المائية في البلدان المستفيدة من النهر الجديد، وهي مصر والسودان وجنوب السودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية، لشق قناة تصل نهر الكونغو بأحد روافد نهر النيل عبرالسودان، وتطوير الفكرة داخل مصرعبرإقامة نهرنيل جديد موازِ للنهرالحالي لأنه لن يستوعب هذه الكمية الكبيرة من المياه، يبدأ من توشكى جنوباً إلى العلمين شمالاً ليشق الصحراء الغربية بطول ألف كيلو مترتقريباً ويصب في البحرالمتوسط، وموازياً لخط القطارالكهربائي السريع والطريق البري الغربي، مروراً بغالبية محافظات مصرما يسمح بإنشاء مدن جديدة على ضفتيه لنقل ملايين السكان إليها.
طُرحت الفكرة لأول مرة عام 1980م عندما أمر الرئيس أنورالسادات، الخبيرين الاقتصاديين الدكتورإبراهيم مصطفى كامل، والدكتور إبراهيم حميدة، بإعداد جولة ميدانية في الكونغو لتقديم تصورعن الطبيعة الجغرافية للنهر وبعد تقديم المشروع للسادات أرسلته الحكومة المصرية إلى شركة عالمية متخصصة في تقديم الاستشارات الاستراتيجية الأمريكية لإجراء التصور والتكلفة المتوقعة ثم ردت بالموافقة، وأرسلت التقرير لمصر، لكن رحيل السادات عام 1981 أوقف تنفيذ المشروع، إذ يتدفق من هذا النهر ما يزيد على ألف مليارمترمكعب من المياه في المحيط الأطلسي طول العام، وتالياً يمكن أن يصل لمصر ما يزيد على 110 مليار متر من المياه سنوياً،وأخيراً أكد الدكتورنادرنور الدين، أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة، أن مشروع ربط نهر النيل بنهرالكونغو هو مشروع قابل للتنفيذ، وأن جميع الدول المشاركة فيه ستستفيد منه بشكل كبير، إذ يتدفق حوالي 1284 مليارمترمكعب من المياه إلى المحيط الأطلسي، وأشار إلى أن رئيس الكونغو السابق اقترح فكرة توصيل نهرالكونغو بنهرالنيل بهدف حصول مصر على حوالي 100 مليارمترمكعب من المياه، وأن المشروع قابل للتنفيذ بالفعل، وأن دولاً كبيرة مثل روسيا والصين تقدمت بعروض لمصر لتنفيذه، ولذا يتطلب الأمر الاًن إجراء مباحثات مع الكونغو لتنفيذ هذا مشروع القرن المنقذ، خصوصاً أنه لن يؤثرسلبياً على أي دولة، لأن مصر لن تحصل على مياه من حصة أي بلد اَخر، بل جزءاً من المياة التي تتدفق في المحيط ولا تستفيد منها، المهم أن نبدأ الاَن من خلال تشكيل مصرلتحالف اقتصادي يضم الدول التي ترتبط بروافد مع النهر وهي الكونغو وزامبيا والكاميرون وأفريقيا الوسطى وتنزانيا وجنوب السودان والسودان لدعمها اقتصادياً مقابل تنفيذ المشروع. 
في الوقت الذي تسابق مصرالزمن لتحقيق التنمية، لا تنسى دورها الريادي الإقليمي، إذ تشارك في الوساطة لتقريب وجهات النظر في المفاوضات الأمريكية الإيرانية التي وصلت إلى مرحلة حرجة، توُصف بـ «النفق المظلم»، وسط محاولات لفرض شروط تعجيزية من الطرفين وصلت بالمباحثات إلى طريق مسدود، إذ تسعى طهران لتأمين غطاء دبلوماسي لإنهاء حصارالحرب، وتواجه الدبلوماسية الإيرانية، بقيادة وزير الخارجية عباس عراقجي، تحديات معقدة ومستمرة لمحاولة الخروج من هذا النفق، وتوقيع اتفاق ينقذ المنطقة من حرب إقليمية  تحمل ملامح حرب عالمية تلوح في الأفق، إذ يمثل الملف النووي عقبة كؤود أمام تحقيق الاتفاق، حيث يصرالرئيس ترامب على إعلان النصرعلى إيران قبل انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في شهر نوفمبر المقبل، في حين ترفض إيران تقديم تنازلات كبيرة في هذا الملف وتصرعلى إمتلاك برنامج نووي سلمي، دون تفكيك منشاَتها كما تطلب واشنطن، ولذا دخلت المفاوضات بين أمريكا وإيران مرحلة تكسير العظام، بعد أن ردت إيران على مقترح أميركي جديد يهدف إلى إنهاء الحرب، ما يؤكد أن التواصل مستمرمع واشنطن رغم تقاريرإعلامية وصفت مطالب واشنطن بالمفرطة، في وقت ‌بدا فيه أن ‌المحادثات ⁠بين الجانبين لا تزال متعثرة، فيما حذر مسؤولون أمريكيون من نفاذ الوقت وتجدد القتال، في ظل تغييرالدولتين شروطهما لوقف الحرب.
تشهد المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران تبادلاً مستمراً للضغوط، حيث تميل واشنطن نحو إبداء مرونة إستراتيجية في الجانب النووي تفادياً للانجرار للحرب الشاملة، عبرقبول نشاط نووي سلمي محدود، بينما تحاول طهران تقديم تنازلات تكتيكية عبر تسليم مقترحات معدلة تتضمن تجميداً طويلاً للأنشطة النووية بدلاً من التفكيك الكامل، فيما تتصاعد حدة التوترات بين واشنطن وطهران مع تعثّرمسار التفاوض وتوسّع فجوة الشروط بين الطرفين، فيما تتزايد المؤشرات الميدانية والسياسية على احتمال عودة العمليات العسكرية، وفي حين يتمسك كل طرف بشروطه القصوى، يبدوالوقت يضغط على الجميع، الداخل الأميركي من بوابة استحقاقات التجديد النصفي للكونجرس والأوضاع الاقتصادية المؤلمة، وعلى الداخل الإيراني نتيجة انقسامات الرأي وعجزالنظام عن إنتاج قرار تفاوضي موحّد ينهي الأزمة، قال الحرس الثوري الإيراني إن كابلات الألياف الضوئية للإنترنت التي تمر عبرمضيق هرمز يمكن أن تُخضع لنظام تصاريح، وهو ما أكده منشور للحرس عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قال فيه: «عقب فرض سيطرتنا على مضيق هرمز، يمكن لإيران، استناداً إلى سيادتها المطلقة على قاع وباطن البحر في مياهها الإقليمية، أن تعلن إخضاع كل كابلات الألياف الضوئية المارة عبرهذا الممرالمائي لنظام تصاريح»، فيما أبدت واشنطن مرونة تمثلت في السماح لإيران بمواصلة أنشطة نووية سلمية محدودة تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة ⁠الذرية، كما وافقت على الإفراج عن ربع الأصول الإيرانية المجمدة فقط، وفق جدول زمني مرحلي، في حين تمثلت التنازلات الإيرانية في الموافقة على تجميد نووي طويل بدلاً من تفكيك كامل، بشرط نقل اليورانيوم عالي التخصيب، الذي يقدر بـ400 كيلوغرام إلى روسيا بدلاً من أمريكا، أما عن التعويضات فتراجعت إيران عنها مطالبة بتسهيلات اقتصادية بدلاً منها.
على وقع الردود الأميركية على المقترح الإيراني الأخير ورد طهران، والتي تُصف بمفاوضات الفرصة الأخيرة، وسط جهود دبلوماسية مكثفة وحاسمة من الوسطاء لوقف التصعيد وإنهاء الحرب الدائرة، يتصدر المشهد حالياً مساران رئيسيان، أحدهما أمريكي والاَخر إيراني، إذ تركزت المحادثات حول 5 شروط  أمريكية رئيسة حسب الرؤية الترامبية في مقدّمتها ضرورة تسليم إيران 400  كيلو جرام من اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب إلى الولايات المتحدة دون غيرها، وإبقاء مجموعة واحدة فحسب من المنشآت النووية قيد التشغيل، فضلاً عن رفض واشنطن لأي تعويضات أوأضرار تطالب بها إيران، ومعارضتها لربط وقف الحرب على الجبة الإيرانية بجميع الساحات بمسار التفاوض خصوصاً في لبنان، وعدم فرض رسوم على السفن العابرة من مضيق هرمز، فيما تتمسك طهران برفع العقوبات كافة، والاعتراف بما تصفه بسيادتها على مضيق هرمز وإنهاء الحرب على جميع الجبهات وهو ما ترفضه أمريكا ،ما أدى إلى تباطؤ المفاوضات، وهوما حث الرئيس الأمريكي على القول، إنه كان من المقرر شن هجوم ضد إيران الثلاثاء الماضي، لكنه قررعدم تنفيذه، استجابة لطلب من دول خليجية، وبينما قال ترامب إن هناك مفاوضات جدية تجري مع إيران، هددها  قائلاً: «لقد أصدرتُ تعليماتي للجيش بالاستعداد لشنّ هجوم شامل وواسع النطاق على إيران في أي لحظة، إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق مقبول، وأتوقع التوصل إلى اتفاق يتضمن بشكل أساسي، عدم امتلاك إيران للأسلحة النووية»،وكان الرئيس الأمريكي قد نشرسابقاً عبرحسابه في منصة "تروث سوشيال" منشوراً قال فيه " بالنسبة لإيران، الوقت ينفد، وعليها أن تتحرك بسرعة، الوقت عامل حاسم، مهدداً بأنه "لن يبقى شيء" من إيران، إذا لم يبرم اتفاق.
ينذر الموقف الإيراني المتصاعد بعودة العمليات العسكرية، في ظل مسار إيراني يرفض الشروط الأمريكية التعجيزية التي تجرد طهران من برنامجها النووي الذي ضخت بالكثير من أجل تشييده عدة عقود، من أجل إرضاء واشنطن والاحتلال، في ظل رفض دول إقليمية من تغيير النظام في إيران خوفاً من تقسيم الدولة، وهو ما يجعل القوى الإقليمية المجاورة لها مثل باكستان وتركيا وبعض دول الخليج في موقف الرافض لأي تغيير جذري، ما يُقيّد الخيارات أمام ترامب، إذ تصر واشنطن على تسلم اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، باعتبارها إعلان حسن نية من جانب إيران للدخول في مفاوضات مباشرة،إذ يلخص المشهد حالياً مرحلة تكسيرالعظام من الجانبين، لتحقيق أكبر قدرمن المكاسب عبرالمفاوضات، لكن لازالت تلوح في الأفق حرباً جديدة ستكون نتائجها وخيمة بكل المقاييس، لأنها ستركز من جانب الطرفين على البنى التحتية المهمة مثل محطات الكهرباء وتحلية المياه.
يراهن ترامب على تحقيق نصر إستراتيجي يسهم في دعم حزبه الجمهوري في الانتخابات النصفية المُقبلة خلال شهر نوفمبر، وفي حال لم يحقق النصر في هذه الحرب ستكون النتائج كارثية، في ظل   رفض الكثير من الأميركيين لهذه الحرب وسؤالهم عن جدوى هذه الحرب في ظل أوضاع اقتصادية متدهورة وارتفاع أسعار الوقود والسلع، وفي المقابل تواجه الإدارة الإيرانية ضغوطاً داخلية في حال استمرار الحرب نتيجة فرض الحصار الأمريكي على الموانئ الإيرانية والذي أدى لوقف ضخ البترول إلى الخارج، ولذا تتمسك بإدارة مضيق هرمز بعد أن بات يُمثّل "خيار نووي اقتصادي"، للضغط على أمريكا وجميع دول العالم، خصوصاً أن طهران تعتبرأن إمتلاكها برنامج نووي سلمي حق لها ولن تتنازل عنه على أن تكون نسبة التخصيب متدنية ولا تزيد على 3.6%، على اعتبار أن القيادات العسكرية هي من تُدير المشهد فعلياً، لكنها غير قادرة على المضيّ في مفاوضات سياسية مع واشنطن تستلزم تنفيذ تنازلات كثيرة. 
على صدى المثل العربي الشهير«أسمعُ جَعْجَعةً ولا أرى طِحْنًاً» والذي يصف الفجوة بين القول والفعل، وصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الصين في زيارة وصفت بـ «التاريخية»، وغادرها بعد ثلاثة أيام بـ «بِخُفَّيْ حُنَيْنٍ» دون تحقيق أي اختراقات في الملفات المهمة، بعد قمة مع نظيره الصيني شي جين بينغ، إذ لم تعقد صفقات تجارية ضخمة، ولم يحصل ترامب على مساعدة ملموسة من بكين لإنهاء حربه مع إيران، بعد أن كشف مستثمرون أن الحصيلة الاقتصادية الفعلية للقمة جاءت أقل بكثيرمن التوقعات التي سبقتها، بعد أن غاب شي عن استقبال ترامب في المطار، وسط توترات إقليمية وعالمية بفعل حربي إيران وأوكرانيا وإرتفاع أسعار النفط نتيجة غلق مضيق هرمز، إذ ألقت الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب على الصين والقيود التكنولوجية المتبادلة بين البلدين بظلالها على المباحثات التي استمرت ثلاثة أيام دون الوصول لحلول نهائية للملفات الاقتصادية أو السياسية، ورغم المظاهر الاحتفالية التي صاحبت الزيارة، حذرشي ترامب بأن أي سوء تعامل مع قضية تايوان قد يتطورإلى صراع بين الدولتين من دون أن يعلّق ترامب على الأمر، الذي أعلن أن الرئيس الصيني لا يوافق على إمتلاك طهران للأسلحة النووية، فضلاً عن حديث الرئيس الأمريكي عن رغبة الزعيمين في إعادة فتح مضيق هرمز قبالة إيران، واهتمام شي بشراء النفط الأمريكي لتقليل اعتماد الصين على نفط الشرق الأوسط. 
توصلت المفاوضات إلىى عقد اتفاقات لبيع منتجات زراعية أمريكية للصين وإنشاء آليات لإدارة التجارة مستقبلاً، مع توقع أن يحدد الطرفان بضائع غيرحساسة بقيمة 30 مليار دولار، فيما لم يحدث إختراق بشأن بيع رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة التابعة لشركة "نفيديا" إلى الصين، وقال ترامب إن الصين وافقت على طلب 200 طائرة من شركة بوينغ، رغم الحديث عن شرائها 500 طائرة قبل الزيارة، وهي أول عملية شراء لطائرات تجارية أمريكية الصنع منذ نحو عقد، لكن الرقم جاء أقل بكثير مما كانت الأسواق تتوقعها، ما أدى إلى هبوط أسهم بوينغ بأكثر من 4%، كما لم تؤكد الصين هذه التصريحات أو تنفها، في حين لم يسفر حل مشكلة إمدادات المعادن الأرضية النادرة التي أدت إلى توترالعلاقات منذ أن فرضت الصين قيوداً على تصدير تلك المعادن الحيوية إلى أمريكا، رداً على الرسوم الجمركية الواسعة التي فرضها ترامب في أبريل 2025.
 رغم سعى الرئيس الأميركي إلى العودة من بكين بإنجازات اقتصادية ملموسة تدعم شعبيته المتراجعة قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر المقبل، خصوصاً مع الضغوط الناجمة عن ارتفاع أسعار النفط والتضخم وتداعيات الحروب في الشرق الأوسط، خصوصاً في إيران وغزة ولبنان، لكن الزيارة كانت فرصة للصين لإظهار نفسها قوة استقرار سياسي و اقتصادي عالمي في مواجهة الهيمنة الأمريكية التي باتت على المحك بسبب فقد الإدراة الأمريكية للعدالة في التعامل مع القضايا الدولية خصوصاً قضايا الشرق الأوسط، ودعمها المستمرلإسرائيل للاستيلاء على أراضِ عربية في فلسطين ولبنان وسوريا فضلاً عن سعيها لتقسيم الدول العربية، شهدت زيارة ترامب للصين مشاهد صادمة أولها عدم استقبال الرئيس الصيني لترامب في المطار، وضمت قائمة المستقبلين شخصيات تُعد من أبرز مراكز القوة في الصين، من بينهم تساي تشي عضو اللجنة الدائمة للحزب الشيوعي والمقرب من الرئيس الصيني، ووانغ يي وزير الخارجية، وهي ليفنغ نائب رئيس الوزراء والمسؤول عن المفاوضات التجارية مع واشنطن، إلى جانب وزراء الدفاع والمالية والتجارة، وعدد من كبار المسؤولين المعنيين مباشرة بالعلاقات الأمريكية الصينية.
وأقول لكم، إن ترمب حرص على الإشادة المتكررة بشي جين بينغ، واصفاً إياه بأنه «قائد عظيم» و«صديق»، بينما تحدث شي عن «علاقة استراتيجية مستقرة وبنَّاءة» بين البلدين، ولذا جاءت النتائج الاقتصادية محدودة مقارنة بالتوقعات الضخمة التي سبقت القمة، خاصة بعد مرافقة وفد كبير من كبار التنفيذيين الأميركيين للرئيس الأميركي، بينهم مسؤولون من شركات بوينغ وإنفيديا وطاقة ومال وتكنولوجيا كبرى، دون عقد صفقات كبرى، فيما أعلن ترمب أن الصين أبدت اهتماماً بشراء النفط الأميركي وفول الصويا، في خطوة تهدف إلى تقليص اعتمادها على واردات الشرق الأوسط وتنشيط الصادرات الزراعية والطاقة الأميركية، وتمثل هذه النقطة أهمية خاصة بالنسبة للرئيس الأميركي؛ لأن صادرات الطاقة والزراعة ترتبط مباشرة بالولايات الأميركية التي تشكل قاعدة انتخابية رئيسة للحزب الجمهوري، قبل انتخابات التجديد النصفي، لكن امتنعت وزارة الخارجية الصينية عن تأكيد تفاصيل الاتفاقات التجارية التي تحدث عنها ترمب، ما جعلها مجرد تفاهمات غير ملزمة لبكين التي تنتظرأن تبدأ واشنطن بمد يد التعاون.
أحمد الشامي
[email protected]