مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

أ.د. حسن رجب

أستاذ الدراسات الصينية. المدير التنفيذى لمعهد كونفوشيوس جامعة قناة السويس.  

زيارة ترامب إلى الصين.. اختبار القوة والمصالح في النظام العالمى الجديد



   
تدخل زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الصين من 13 إلى 15 مايو الحالى، بدعوة رسمية من الرئيس الصيني شى جين بينج ، دائرة الحدث العالمي ليس لأنها مجرد محطة دبلوماسية عابرة، بل لأنها تأتي في لحظة تتقاطع فيها التجارة مع الجغرافيا السياسية، وتلتقي فيها الأسواق مع الأمن، وتتحول فيها الرمزية إلى أداة من أدوات التفاوض، فالزيارة التي أعلنتها وغطّتها وسائل الإعلام الرسمية والأميركية بوصفها "زيارة تاريخية" تحمل من الدلالات ما يفوق البروتوكول، وتأتي بعد نحو عقد كامل من آخر زيارة لرئيس أميركي إلى الصين، في وقت تتشابك فيه ملفات الرسوم الجمركية، والرقائق المتقدمة، والزراعة، وتايوان، والتنافس على القيادة الاقتصادية العالمية.
إن أول ما يلفت النظر في هذه الزيارة أنها لا تُقرأ بوصفها لقاءً بين زعيمين فقط، بل بوصفها اختبارًا لمرحلة كاملة من الصراع والتفاوض والتعايش القلق بين الولايات المتحدة والصين، فواشنطن لا تدخل بكين من موقع الارتياح الكامل، ولا بكين تستقبل الضيف الأميركي من موقع الضعف؛ بل إن الطرفين يبدوان، على اختلاف الحسابات، مدفوعين إلى طاولة واحدة لأن كلفة القطيعة أكبر من كلفة الحوار، ولهذا تبدو الزيارة، في جوهرها، محاولة لتثبيت هدنة لا إعلان صداقة، ولإدارة التنافس لا إنهائه.
وتتعاظم أهمية الزيارة أيضًا بسبب السياق الاقتصادي الذي يحيط بها، فالرئيس ترامب يذهب إلى الصين وفي ذهنه قائمة مطالب واضحة، تتصدرها زيادة شراء المنتجات الزراعية الأميركية، ولا سيما فول الصويا واللحوم والحبوب، إلى جانب توسيع فرص النفاذ أمام الشركات الأميركية إلى السوق الصينية، وتقليص العوائق أمام تصدير سلع استراتيجية كالمعدات الصناعية والطائرات والطاقة، وفي المقابل، تسعى بكين إلى تخفيف القيود الأميركية على تصدير التكنولوجيا المتقدمة، وعلى رأسها أشباه الموصلات ومعدات صناعة الرقائق، لأن هذه الملفات تمس مستقبل النمو الصيني أكثر مما تمس لحظة تفاوضية عابرة.
غير أن ما يجعل هذه الزيارة مختلفة حقًا هو أن التفاوض فيها لا يجري على أرض اقتصادية صافية، بل تحت سقف سياسي ضاغط، فترامب يدخل المحادثات وقد تراجعت أدواته التفاوضية بفعل أحكام قضائية قيّدت بعض صلاحياته الجمركية، وبفعل ضغوط داخلية مرتبطة بالتضخم والاقتصاد والسباق السياسي في الداخل الأميركي، وهذه التفاصيل لا تبدو تقنية في ظاهرها، لكنها في السياسة الدولية تصنع الفارق بين رئيس يدخل المفاوضات بثقة ورئيس يفاوض وهو يوازن بين الخارج والداخل في وقت واحد.
أما الصين، فتنظر إلى الزيارة من زاوية مختلفة، فهي تعلم أن ترامب، رغم حِدّته المعروفة، يبحث عن إنجاز ملموس يمكن تقديمه للجمهور الأميركي باعتباره نجاحًا في إدارة الملف الصيني، كما أنها تدرك أن حضور شخصيات اقتصادية بارزة ضمن الوفد الأميركي، مثل رئيس "إنفيديا" جينسن هوانغ، يضفي على الزيارة بعدًا يتجاوز السياسة إلى مستقبل الذكاء الاصطناعي وسلاسل التوريد والتفوق التكنولوجي.
وفي المقابل، تقف التكنولوجيا في قلب الصراع الأعمق، فالصين لا تريد أن تبقى رهينة لقيود أميركية قد تعيق مسارها نحو الاستقلال الصناعي، والولايات المتحدة لا تريد أن تمنح بكين ما قد يعزز قدراتها في الذكاء الاصطناعي والحوسبة المتقدمة وربما التطبيقات العسكرية، ولهذا تبدو قضية الرقائق ليست مجرد بند تجاري، بل ساحة اختبار لميزان القوة في القرن الحادي والعشرين، وإن ما يُناقش في غرفة المفاوضات ليس قطعة إلكترونية فقط، بل من يمتلك ناصية المستقبل الرقمي ومن يحدد إيقاعه.
غير أن البعد الأكثر عمقًا في هذه الزيارة يتجاوز الرسوم الجمركية والرقائق الإلكترونية إلى ما بات يُعرف اليوم بـ "الجيو-اقتصاد"، أي استخدام الموارد وسلاسل الإمداد بوصفها أدوات قوة وردع ونفوذ استراتيجي. فالدراسات الغربية الأخيرة، ومنها ورقة صادرة عن معهد الاتحاد الأوروبي للدراسات الأمنية، تكشف أن الصين لم تعد تُعامل المعادن النادرة باعتبارها مجرد سلعة اقتصادية، بل باعتبارها ركيزة من ركائز القوة الجيوسياسية في القرن الحادي والعشرين، ولقد نجحت بكين خلال العقود الماضية في بناء هيمنة شبه كاملة على سلاسل القيمة الخاصة بالمواد الخام الحرجة، ليس فقط في التعدين، بل في التكرير والمعالجة الصناعية وإنتاج المكونات الوسيطة والمغناطيسات الدائمة التي تقوم عليها الصناعات الحديثة، من الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة إلى الصناعات العسكرية المتقدمة، وهنا تكتشف الولايات المتحدة وأوروبا أن الصين لا تملك مجرد حصة سوقية، بل تمتلك ما يشبه "العصب المادي" للتكنولوجيا العالمية.
ومن ثم، فإن زيارة ترامب إلى بكين لا يمكن قراءتها فقط في إطار إدارة الخلاف التجاري، بل أيضًا بوصفها اعترافًا أميركيًا متزايدًا بأن أدوات القوة العالمية تغيرت جذريًا، وأن واشنطن تواجه خصمًا يملك وسائل ضغط تتجاوز العقوبات التقليدية والتعريفات الجمركية، فالصين أثبتت أنها قادرة على إلحاق ضرر بالغ بالصناعات الغربية عبر التحكم التدريجي والمدروس في تدفقات المعادن الحيوية، دون الحاجة إلى مواجهة عسكرية مباشرة أو حتى قطع كامل للإمدادات، وهي استراتيجية تعكس عقلية صينية طويلة المدى تقوم على "الردع الصامت"، أي استخدام الاعتماد الاقتصادي العالمي أداةً للضغط السياسي والاستراتيجي.
والأكثر دلالة أن بكين لم تستخدم هذه الهيمنة بصورة انفعالية أو شاملة، بل بطريقة انتقائية محسوبة، تُبقي الأسواق الغربية في حالة قلق دائم من احتمال التصعيد، فالصين تدرك أن قدرتها على التحكم في المعادن النادرة تمنحها نفوذًا يمتد إلى الصناعات الدفاعية والطاقة والاتصالات والرقائق الإلكترونية، بل وحتى إلى مستقبل الابتكار الصناعي نفسه، ولهذا تبدو الزيارة، في أحد أبعادها الأعمق، جزءًا من صراع عالمي حول من يمتلك مفاتيح الثورة الصناعية المقبلة ومن يحدد شكل النظام الاقتصادي الدولي بعد تراجع العولمة الليبرالية التقليدية.
وفي خلفية هذا المشهد، فالرئيس الصيني شى جين بينج  ينظر إلى بناء "حصن صناعي وتكنولوجي مكتفٍ ذاتيًا" باعتباره ضرورة استراتيجية استعدادًا لاحتمالات مواجهة طويلة مع الولايات المتحدة ، ومنذ توليه قيادة الصين عام 2012، عمل شي جين بينج على إعادة صياغة أولويات الدولة الصينية عبر الجمع بين تعزيز النمو الاقتصادي، وتوسيع النفوذ الدولي، وترسيخ القدرات التكنولوجية والعسكرية لبكين، في إطار رؤية تقوم على استعادة مكانة الصين كقوة عالمية كبرى، وفي عهده، تحولت مبادرة "الحزام والطريق" إلى إحدى أبرز أدوات النفوذ الاقتصادي الصيني عالميًا، كما منحت بكين أولوية متزايدة لملفات الذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة والاقتصاد الرقمي وأشباه الموصلات، باعتبارها ركائز أساسية في التنافس الدولي خلال العقود المقبلة، وفي الوقت نفسه، تبنّت القيادة الصينية خطابًا أكثر وضوحًا تجاه قضايا السيادة والأمن القومي، خصوصًا في ما يتعلق بتايوان وبحر الصين الجنوبي، بالتوازي مع توسيع الشراكات الاقتصادية والسياسية مع دول الجنوب العالمي، ومن بينها الدول العربية، بما يعكس توجهًا صينيًا متصاعدًا نحو إعادة تشكيل موازين النفوذ في النظام الدولي.
ولهذا تحديدًا تكتسب زيارة ترامب معناها الحقيقي؛ فهي ليست مجرد محاولة لعقد صفقة أو تخفيف توتر عابر، بل تعبير عن مرحلة جديدة من التنافس الدولي، لم تعد فيها حاملات الطائرات وحدها معيار القوة، بل أصبحت سلاسل التوريد والموارد الاستراتيجية والقدرة على التحكم في البنية الصناعية العالمية جزءًا من معادلة الردع والنفوذ وصياغة المستقبل.
حيث تأتي تايوان لتضيف إلى المشهد طبقة أشد حساسية، فقبل الزيارة مباشرة، حذرت الصين من أي تحركات أميركية تتصل بملف السلاح لتايوان، ولوّحت بأنها مستعدة لـ"سحق" أي محاولة انفصالية، في إشارة إلى أن بكين ترى الجزيرة ملفًا سياديًا لا يقبل التهاون، وفي أي لقاء أميركي-صيني بهذا الحجم، لا تكون تايوان مجرد فقرة على الهامش، بل هي الحدّ الذي تكشف عنده اللغة الدبلوماسية عن قدرتها الحقيقية أو عجزها، وإذا كانت التجارة هي الباب، فإن تايوان هي الجدار الذي يذكّر الجميع بأن المصالح لا تُدار بمعزل عن الجغرافيا السياسية.
ومع ذلك، لا ينبغي المبالغة في التفاؤل، فمثل هذه الزيارة قد تنتج لغة أقل حدة، أو تفاهمًا محدودًا، أو صفقة جزئية تُخفف التوتر مؤقتًا، لكنها لا تعني بالضرورة انكسار منطق التنافس، فالعلاقة بين الولايات المتحدة والصين ليست أزمة عابرة تنتظر وساطة سريعة، بل هي بنية كاملة من التضاد: اقتصادان متداخلان، نظامان سياسيان مختلفان، ومشروعان للنظام العالمي يتنازعان التأثير والشرعية والاتجاه، ومن ثم فإن أي تقدم هنا سيكون غالبًا إدارةً للأزمة، لا حلًا نهائيًا لها.
إن هذا بالضبط ما يمنح الزيارة أهميتها التاريخية، فهي لا تقاس فقط بما قد يوقعه الطرفان من بيانات، بل بما تكشفه من حقيقة أعمق: أن العالم دخل مرحلة لم يعد فيها الانفصال الكامل بين القوى الكبرى ممكنًا، كما لم يعد التعايش بينها سهلًا، ومن هنا تصبح الزيارة مرآة لوضع دولي جديد، حيث تظل التجارة مفتوحة لكنها محروسة، والتكنولوجيا متبادلة لكنها مشروطة، والدبلوماسية قائمة لكنها مشبعة بالحذر، فإننا أمام عالم لا يريد حربًا باردة جديدة، لكنه لا يملك بعد لغة سلام مستقرة.
ويراقب العالم هذه الزيارة لأنه يشعر بأن نتائجها قد تتجاوز واشنطن وبكين إلى عواصم أخرى كثيرة، فأسعار السلع، ومسار سلاسل الإمداد، وثقة الأسواق، ومصير شركات التكنولوجيا، وتوازنات آسيا، كلها عناصر تتأثر بما سيحدث في هذه المحادثات، ومتى تحركت الولايات المتحدة والصين معًا، اهتزت بقية المنظومة الدولية تلقائيًا، لأنهما لا تتفاوضان على مصالحهما فقط، بل على شكل النظام الاقتصادي والسياسي الذي يطوق الجميع، ولهذا لا تبدو الزيارة شأنًا ثنائيًا، بل لحظة كاشفة لمآلات العالم كله.
 فالمشهد ليس مجرد رئيس أميركي في بكين، بل سردية كاملة عن القوة والاعتماد المتبادل والحدود التي تفرضها المصالح على الشعارات، وإذا نجح ترامب في انتزاع اتفاقات ملموسة، فسيُحسب له أنه حوّل الزيارة إلى مكسب سياسي واقتصادي، وإذا اكتفى الطرفان بتهدئة مؤقتة، فسيكون ذلك أيضًا إنجازًا من نوع آخر، لأن الحفاظ على الاستقرار بين قوتين عظيمتين في زمن الاضطراب ليس قليلًا، وأما إذا أخفقت المحادثات، فإن العالم سيكتشف مرة أخرى أن المسافة بين التجارة والنزاع أقصر مما نتصور.
وهكذا تبدو زيارة ترامب إلى الصين أكثر من حدث دبلوماسي عابر؛ إنها اختبار لمستقبل العلاقة بين أكبر اقتصادين في العالم، وامتحان لقدرة السياسة على تهدئة التوتر دون إخفاء التناقض، ومسرح تتقاطع عليه مصالح المزارعين والمصنّعين والمستثمرين وعسكريي الاستراتيجية الكبرى، حيث ينتظر العالم نتائج هذه الزيارة ، لأنه يعرف أن ما يحدث في بكين لن يبقى في بكين، وأن كل مصافحة بين ترامب وشي جين بينج ليست فقط بين رجلين، بل بين قوتين للعالم يتنازعان الغد نفسه.

*بقلم  أ.د| حسن رجب
  -أستاذ الدراسات الصينية
  - مدير معهد كونفوشيوس جامعة قناة السويس
  -عضو المجلس المصرى للشئون الخارجية