مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

بالبنط العريض

الحروب فضحت المنظومة الدولية

 

يمكننا القول الآن أن القوة دون سواها هي التي تغلب في العلاقات الدولية في وقت يسعى الفاعلون السياسيون إلى رسم مناطق نفوذ، وهو ما لا يتوافق في الغالب مع تحقيق الأمن والرخاء، قدراتفاقه مع تحقيق الربح وغلبة طرف على طرف ما من شأنه أن يؤجج التوترات.

ربما يرى البعض، أن توازن القوى يحقق نوعا من التهدئة، وأن الواقعية في العلاقات الدولية من شأنها حتما وجود الهيمنة، التي قد تنجح في استقرار الأوضاع لفترة بضغط الأقوياء باعتبارأن الإقرارا بمنطق القوة، يمنحها نوعا من الشرعية, لكن في رأيي أن التقدم الذي طال المجتمعات بفعل تكنولوجيا الاتصال و توفر المعلومة غير طريقة التفكير التي كان يتم بها التعامل مع منطق القوة في العلاقات الدولية, وكذلك دفع المجتمع الدولي إلى التفكير في طريقة أخرى لتوفر الاستقرار للمجتمعات غير القوة التي في أغلب الأحوال غير عادلة, المجتمع الدولي الآن ينظر إلى السلم كحالة، أومقتضى أخلاقي، ويطرح بدائل يتوجب التفكير فيها من شأنها تحقيق السلم وليس فرضه، والوقوف على الأسباب التي تفضي للحرب.

منطق القوة الذي فرضته المنظومة التي ورثها العالم بعد الحرب العالمية الثانية لم يعد مناسبا فبجانب السلاح هناك صنوف جديدة ومبتكرة من القوة باتت تمتلكها الدول التي ربما لا تملك السلاح, وهي نفسها القوة التي وضعت العالم أمام نفسه في مكاشفة واضحة بين القوة الغاشمة القديمة وقوة المجتمعات ككل, قوة البشر, قوة التواصل, قوة الواقع المر حين تنقله الشاشات.

ما نشهده الآن من حالة عدم قبول للحرب هنا وهناك، هو ترجمة حقيقية لتلك القوة من دون السلاح التقليدي وهو ما يهدد بتوسيع دائرة المواجهة، بين أدوات القوة القديمة والجديدة و دور كل منها في وضع معادلات توازن القوى ورسم خرائط النفوذ, ففكرة التعامل مع بعض الشعوب والمجتمعات كقطيع مثلما كان قبل الحرب العالمية الثانية لم تعد تصلح فضلا عن عيوب المنظومة متعددة الأطراف السارية، مما عرضها لاهتزازات جعلتها تتآكل حتى أصبحت غير فعالة وغير ملزمة قضلا عن كونها غير ديمقراطية، أي لا تشرك غالبية المجتمع الدولي في آليات صنع القرار، وغير فعالة؛ لأن قراراتها غير ملزمة.

قوة المجتمعات التي استمدت من قوة الاتصال دحضت الاعتقاد القديم بأن الكلمات تعجز أمام القوة المادية، و أثبتت أن المنظومة متعددة الأطراف، ليست مجرد بناء ذهنيا، بل باتت واقعا يعكس نظرة الأفراد لمفهوم القوة وينعكس على حياة المواطنين في العالم, وأكدت أن السكوت عن جنوح القوة، هو ما يضفي الشرعية على الهيمنة والتسلط.

بعد أن غمرت الحروب العالم ونقل الإعلام ما بها من خطايا, تكشفت سيئات المنظومة السائدة منذ الحرب العالمية الثانية وكيف أن القوة التي تحكم و تفرض معادلاتها لم تعد تصلح, باتت الضرورة ملحة لإعادة التفكير في المبادئ التي يستند عليها المجتمع الدولي لبناء السلام و تصفير الحروب, بعدما فشلت الأمم المتحدة عبر تاريخها في هذه المهمة, فواقع الحال يفيد أن دولا دائمة العضوية في مجلس الأمن لم تتصرف من منطلق المسؤولية الأخلاقية، وعطلت قرارات مجلس الأمن باستعمال حق النقض، بناء على اصطفاف أيديولوجي، ولم تسهم بذلك في استتباب الأمن وتحقيق السلام، وعمدت إلى التغطية على انتهاكات واضحة، أوكرست حالة اللاعقاب بالنسبة لدول معينة ترى نفسها فوق القانون الدولي ولا تعترف به من الأساس, وفي استعمال الولايات المتحدة حق الفيتو دفاعا عن إسرائيل منذ تأسست المنظمة الدولية حتى الآن أكبر دليل ازدواجية المعايير والكيل بمكيالين, باتت قواعد القانون الدولي تطبق في حالات، ويتم التغاضي عنها في حالات أخرى، بناء على موازين القوى، والتحالفات والمصالح, والآن بعد أن صار العالم كله يرى حتى المناقشات الجانبية في جلسات مجلس الأمن أصبح الإيمان بهذه المنظومة منعدم بعدما اختزلت المؤسسات الأممية في وظيفة منبرية؛ الكل يشجب و يدين ولا يحدث إلا ما يريده الأعضاء الدائمون في مجلس الأمن وفق مصالحهم ومصالح رعاياهم

أستطيع القول الآن أن الحروب في عصر السموات المفتوحة فضحت المنظومة الدولية و جعلت التفكير في إعادة ترسيخ قواعد جديدة للعدالة أمر ضروري و نسف المؤسسات القديمة بقيمها النفعية البالية إذ لا يكفي إجراء إصلاحات شكلية، وإنما بنيوية وعاجلة.