مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

من آن لآخر

صراع محموم على تسويق نصر لم يتحقق


 


من الواضح أن معايير النصر بالنسبة للرئيس الأمريكى دونالد ترامب اختلفت.. حيث بات يروج ويسوق لنصر يخالف أهداف الحرب التى شنها مع شريكه الإسرائيلى على إيران، التى تمثلت فى إسقاط النظام الإيرانى بمكوناته وسياساته وتوجهاته وأذرعه.. وقد أعلن مع الساعات الأولى للحرب أن نظام إيران سوف يسقط فى غضون ثلاثة أيام.. ورغم حجم التدمير الهائل فى إيران فى كل أنحائها واستهداف كل مناحى الحياة فيها من موانئ ومنشآت حيوية وإستراتيجية ونفطية وغيرها واغتيال رموز النظام الإيرانى وقادة الحرس الثوري.. إلا أنه لم ينجح فى القضاء على ما أعلنه حتى فى حرب الـ12يوماً فى العام الماضى سواء البرنامج النووى أو الصاروخي.. فمازالت إيران تضرب بقسوة فى العمق الإسرائيلى وتقترب أكثر وأكثر من خطوطها الحمراء، خاصة المنشآت النووية، بالإضافة إلى تكبيدها خسائر فادحة وتدمير منشآت اقتصادية نفطية وبتروكيماوية وضرب السياحة وإيقاف الحياة، ويأتى الضرب الإيرانى متزامناً مع صواريخ حزب الله، ناهيك عن الخسائر الأمريكية الباهظة، العتاد العسكرى وإسقاط مقاتلاتها وإعطاب حاملات الطائرات وفقدانها للمصداقية والثقة مع حلفائها فى المنطقة.. ربما تكون كل هذه الأهداف بالنسبة لإسرائيل تكتيكية، ويبقى الهدف الإستراتيجى هو إعادة تشكيل المنطقة ومازال مستحيلاً للصهاينة وفشل أو نجاح هذا المشروع الشيطانى رهن فهم وإدراك دول المنطقة الكبرى واتحادها من أجل إجهاض هذا المشروع.

فى الكلاسيكيات، اعتدنا أن النصر يتحقق بتحقيق الأهداف والمهام، أو احتلال الأرض والسيطرة والثبات عليها، أو كسر الإرادات والاستسلام وفرض مطالب طرف على حساب آخر.. فالمعلوم أن الحرب أرض وفرد، عندما يتقدم المقاتل للأمام ويكسب مساحات من الأراضى الخاصة بالعدو ويستطيع أن يفرض السيطرة عليها، فهذا نصر.. وعلى حد علمى أن الضربات الجوية مهما بلغت درجة التقدم لا تحسم الحرب ولا تسقط النظام، ربما تسهم فى ذلك لكن لابد من وجود قوات برية على الأرض تسيطر، وهذا بالنسبة للأمريكان والصهاينة غير موجود.

الرئيس الأمريكى دونالد ترامب صاحب القدر الأوفر من التصريحات المتضاربة.. يحاول تسويق والترويج لنصر لم يحدث، ربما يكشف عن رحلة بحثه عن مخرج آمن من هذا المأزق الذى قد يكون مستنقعاً مع استمرار الحرب، وفى ظل وجود أحاديث عن إرسال قوات برية من النخبة الأمريكية لإيران ومضيق هرمز، أو السيطرة على مدن بعينها تتمركز فيها أهم منشآت الطاقة والنفط الإيرانية.. وفى ظنى أن هذه مغامرة ومخاطرة جسيمة قد تزيد من جراح الأمريكى فى مواجهة طهران، التى تمتلك قوات برية ونخبوية من الحرس الثورى مؤهلة لخوض معارك ضارية وتلعب الجغرافيا والتضاريس والمساحة بطبيعتها وشعابها لصالحها.. لكن هل يفكر ترامب فى عمليات نوعية جراحية خاطفة؟!.. لكن السؤال أيضا وماذا يريد وهو الذى اغتال قيادات الصفين الأول والثانى فى إيران ولم يتغير شيء؟!

ظنى أن ترامب يحاول التمهيد أو إخراج صورة أو مشهد لنصر لم يتحقق طبقاً للأهداف الموضوعة سلفاً.. بدليل أنه يعلن عن وجود مفاوضات مع إيران، ويخرج منها على غرار ما حدث فى هجوم الـ 12 يوما، ورغم أنه لم ينجح، إلا أن ترامب أعلن القضاء على البرنامج النووى الإيرانى ولم يحدث، بدليل أنه مازال يتحدث عن أن أهم أهدافه القضاء على البرنامج النووى الإيراني، وأنهم سيذهبون إلى إيران لاستلام اليورانيوم المخصب.. المحصلة، أنك لا تستطيع أن تثق فى تصريحات وأحاديث الإدارة الأمريكية.. هل هو الخداع والمراوغات والكذب، أم محاولات تجميل وحفظ ماء الوجه والخروج فى صورة المنتصر؟!.. وفى ظنى أيضا أن ترامب يستشعر خطر الداخل الأمريكى ويسعى للخروج من حرب إيران، لكنه مازال خاضعاً للأوهام الإسرائيلية التى روجت له تقديرات خاطئة، أفضت إلى ما تحقق من سقوط الهيبة الأمريكية فى الشرق الأوسط ومعاناتها من حالة انعدام الثقة لدى حلفائها وفشل كافة نظم الحماية الأمريكية.. مأزق ترامب لابد أن تفهمه دول المنطقة ولا يتعجل البعض باتخاذ قرارات تبنى على تقديرات خاطئة للمشاركة فى الحرب على إيران، رغم جريمة طهران فى استهدافها.. لكن عليهم أن يدركوا وهو حادث بالفعل أنها حرب اسرائيلية تخدم أهداف ومصالح وأوهام الكيان الصهيونى الذى يريد توريط الجميع لتحقيق مآربه، حتى انها ليست حرباً أمريكية وهو ما يؤكده ويدركه الشعب الأمريكى نفسه.. لذلك على الجميع أن يواصل التمسك بأهداب الصبر وعدم التورط والمشاركة رغم الضغوط الهائلة، فقرار المشاركة سوف يمنح الأمريكان والإسرائيليين قبلة الحياة، ولابد أن تدرك إيران أنها أخطأت فى استهداف دول الجوار.

السؤال الذى يطرحه البعض فى حال انتهاء الحرب بالوصول لاتفاق، من انتصر؟!.. الحقيقة أنها حرب عبثية تحولت إلى صراع مفتوح ينذر بمخاطر وكوارث إقليمية ودولية، ومشهد شديد التعقيد قد يتطور إلى مشاركة أطراف جديدة لمصلحة كل طرف فى الصراع.. وفى ظنى أنه لا مهزوم ولا منتصر، ولكن ستلقى الحرب بتداعيات خطيرة على المنطقة والعالم، وتحولت إلى حرب اقتصادية تلحق أضراراً بالغة بالاقتصاد العالمى وتزيد من معاناة الدول والشعوب، خاصة أن أطراف الحرب يدمرون الأخضر واليابس الاقتصادي، خاصة مصادر الطاقة والنفط والموانئ ومحطات الكهرباء والمياه.

الأمريكان وإسرائيل لم يحققوا أهداف الحرب التى أعلنوها فى البداية.. النظام الإيرانى مازال موجوداً لم يستسلم والبرنامج النووى والصاروخى مازال قائماً.. فأين النصر الذى حققه ترامب وحليفه نتنياهو؟!، والأخير لا يريد إيقاف الحرب حتى لو حُرقت إسرائيل بالكامل، فهو يجد لذة ومتعة ومصلحة شخصية فى تأجيج الصراع والعدوان وإشعال النيران.. لذلك هل تعيد الإدارة الأمريكية حساباتها والنظر فى سياساتها، أم أن ترامب جاد لينفذ مهام محدودة لصالح الكيان واللوبى الصهيوني؟!

إسرائيل لم تنتصر.. هدفها الإستراتيجى لم يتحقق.. أتحدث فى حالة انتهاء الحرب بالمشهد الحالى على الأرض.. إعادة تشكيل المنطقة بالنسبة للكيان بعيدة المنال.. لذلك الكيان لم ينتصر فى غزة.. لم ينفذ مخطط التهجير.. والسبب مصر، التى أجهضت المخطط.. ومخطط إسرائيل فى المنطقة سوف يفشل.. والفضل سيكون أيضا لمصر.

ربما إيران رغم ما لحق بها من دمار وخراب اقتصاد وتبدد مستقبل قريباً تتغير فيه حال المواطن الإيرانى الذى يرضخ تحت براثن المعاناة ورغم عشرات الاغتيالات التى حصدت أرواح رموزها وقادتها وعلى رأسهم المرشد على خامنئي، إلا أنه فى ظل معطيات المشهد الحالى بتفاصيله، يمكنها أن تسوق وتروج للنصر، ولكن لم تحققه خاصة فى ظل استمرار النظام وبرنامجها النووى والصاروخى وعدم احتلال أراضيها أو السيطرة عليها، لكنها لديها خسائر فادحة اقتصادية وعسكرية وضياع آمال تحسن علاقاتها بدول الجوار بعد استهدافها الصاروخى وبالمسيرات لدول الخليج الشقيقة.

لا رابح ولا خاسر.. ولا منتصر ولا مهزوم فى حرب عبثية.. نحن أمام حملات دعاية وتجميل وتسويق وترويج لنصر لم يحدث من كل أطراف الصراع أو الحرب.. وتبدو ملامح ذلك فى تصرفات وسلوكيات وتصريحات ترامب، الذى يثير الشفقة والسخرية، بعد أن بات دمية فى يد الكيان الصهيوني.