تمثل الرياضة في جوهرها نشاطا وإبداعا إنسانيا يتجاوز في كثير من الأحيان مجرد الجهد البدني أو الذهني الذي يحرك الأجسام, لكنها تتجاوز ذلك الحدث الظاهر لتتحول في كثير من الأحيان إلى ضرورة لصحة العقل والوجدان, بما يجعل أهميتها تتخطى فكرة المكسب والخسارة إلى التأثير العميق في حياة الإنسان وإكساب هذا الجهد البدني أو الذهني عمقا أكبر بتأثيره المباشر على تحسين جودة رؤيته للحياة من خلال التعلم.. الرياضة هذا النشاط الإنساني الرائع الذي بدأ مع الألعاب الأولمبية المتنوعة التي اعتمدت في الماضي السحيق على القوة البدنية فقط وصولا إلى كرة القدم تلك الساحرة المستديرة التي سيطرت على اهتمام البشر في كل مكان من خلال خيط رفيع يفصل بين الشغف الذي يمنح جمهور هذه اللعبة أهميتها وجاذبيتها، وبين "التشجيع الحاد والمتطرف" الذي يسلبها هدفها الإنساني, ويجعل من الهزيمة أو الخسارة وصمة عار ونهاية للفرح والإعجاب وينقلب بعدها الجمهور من الثناء إلى الغضب والحنق والانفعالات العاصفة المشوبة بالخطأ والتجاوز, في إنكار واضح لفلسفة الرياضة الذي يجب أن يفهمه المشجعون وهو أن المكسب الدائم والبقاء على القمة أطول فترة ممكنة ليس هو الهدف الأسمى الذي يبني المجد والتاريخ, بل القدرة على التماسك في أوقات الخسارة والهزيمة العصيبة, هذا التماسك الذي يمهد الطريق للعودة من جديد لمنصات الفوز والتتويج، وهو الحلم الذي لايصبح في حد ذاته أملا بقدر ما يؤكد أن المحاولة وبذل الجهد هي القيمة العليا التي تستحق الاحترام سواء في الرياضة أو في أي جانب من جوانب الحياة العادية.
هذه المقدمة التي قد تتجاوز إلى حد ما قصة المقال ضرورية كمدخل عقلاني يمكن أن يمهد للقارئ مدى أهمية مناقشة النتائج الأخيرة وتراجع مستوى الأداء لفريق الكرة بالنادي الأهلي هذا الموسم, والذي يوحي باحتمالية كبيرة جدا لخسارة النادي لبطولة الدوري العام هذا الموسم، وربما تكون هذه النتيجة هي الأقرب للواقع بعد سلسلة من الإخفاقات والخسائر في كؤوس مصر والرابطة ودوري أبطال أفريقيا، والتي قد تجعل من هذا الموسم موسماً صفرياً في البطولات لأول مرة منذ سنوات طويلة، وهي حالة تدعو للتأمل قبل أن تدعو للحزن والانفعال الذي عبر عنه جمهور النادي- وهوالقطاع الأكبر من الشعب المصري- وصب غضبه على اللاعبين والجهاز الفني والإدارة، وهي بالمناسبة نفس الإدارة التي حققت للنادي أغلب البطولات خلال السنوات الخمس الماضية.
حالة مصرية
والحقيقة أن هذا "التطرف الكروي" الذي لا يقبل الهزيمة أو الإخفاق هو السمة الغالبة لجمهور الكرة في مصر سواء من مشجعي الأهلي أو الزمالك باعتبارهما الناديين الأكثر شعبية، عكس مشجعي الأندية الجماهيرية الأخرى مثل الإسماعيلي والاتحاد والمصري والمحلة، وكأن البطولة أصبحت حقاً مكتسباً لا يقبل مشاركة الآخرين، والمركز الثاني في عرف هذا الجمهور ليس له معنى إلا الكارثة والهزيمة الكبرى.. هذا الضغط الجماهيري الهائل الذي يرفض- كحالة مصرية- منطق المكسب والخسارة وتغير مستويات الفرق والأندية وهو الأساس الذي بنيت عليه المنافسات الرياضية، يخلق حالة من الارتباك بين اللاعبين داخل غرف الملابس وفي مجالس الأدارة والأندية وربما في المجتمع بشكل عام، حيث يتحول أي إخفاق عابر إلى أزمة وجودية تهدد استقرار الكيان الرياضي بكل ما يعنيه لجمهوره، وذلك بسبب غياب ثقافة "الروح الرياضية" التي تتقبل الخسارة كجزء أصيل من اللعبة, ويشعل وسائل التواصل الاجتماعي ويحولها لساحات للتشفي والكيد وللمطالبات برحيل الجميع، متناسين أن تاريخ النجاحات والبطولات يبنى بالاستمرارية لا بردود الفعل اللحظية، وأن دوام الحال من المحال في الرياضة وفي الحياة بشكل عام وفي عالم الساحرة المستديرة بشكل خاص.
في اعتقادي أن هذه الحالة هي حالة مصرية خالصة تشبه الثنائية التي تحدثت عنها في مقال سابق حول تمحور جماهيرية الكرة في مصر بين ناديين فقط.. حالة لا تقبل أن تفهم معنى الرياضة التي تعترف وتقدر الطرفين المتنافسين الفائز والخاسر معا، ليبقى الهدف والمعنى الأهم في هذه المنافسة هو العمل بجد وبذل الجهد من أجل تحقيق الأهداف، وهو ما يعطي الرياضة معناها الأسمى وقيمتها الأخلاقية التي تتجاوز مجرد الفوز واعتلاء منصات التتويج، لأن حصر النجاح في الفوز فقط يفرغ اللعبة من متعتها القائمة على "المحاولة" وشرف المنافسة بين جميع الأطراف، ويحول الملاعب من مساحات للإبداع والترويح عن النفس إلى ساحات للتوتر العصبي والصراع الذي يصل أحيانا لحد العنف، والتعصب الذي قد يتحول من "التحفيل" الخفيف إلى التلاسن وتبادل الاتهامات والشتائم التي تخرج بالرياضة عن معناها الحقيقي وجوهرها القائم على مبدأ "تداول الفوز"- كما في باقي دول العالم-، فلا يمكن لفريق مهما بلغت قوته أن يحتكر البطولات إلى الأبد.
هذا الأمر كما قلت حالة مصرية خاصة لم يفهمها العديد من المدربين الأجانب الذين عملوا في مصر- وتحديدا مع الأهلي والزمالك- وكانت سببا في رحيلهم لمجرد خسارة مباراة أو فقدان بطولة, وهى حالة لم يتعودوا عليها لأنها غير موجودة بالطبع في المجتمعات الرياضية الواعية وبالذات في الدوريات الخمس الكبرى الشهيرة التي تتبادل فيها الفرق الفوز بالبطولات دون أزمات جماهيرية أو تشنجات تطالب بالتغيير الشامل كلما خسر الفريق مباراة أو خرج من بطولة, وعلى سبيل المثال فإن فريقا مثل "ليفربول" بكل جماهيريته لم يفز بالدوري الإنجليزي الذي بدأ عام 1888 سوى عشرين مرة، وعاش مواسم عديدة تراجع فيها للمركز الخامس والسادس وفقد هيبته الفنية لفترات مع مدير فني عالمي مثل يورجن كلوب، ومع ذلك استمر الدعم الجماهيري "الواعي" الذي يدرك أن المنافسة القوية تفرض أحياناً التراجع للخلف خطوة من أجل القفز للأمام خطوتين, كما أن فريق "مانشستر يونايتد" العملاق لم يفز بالدوري الإنجليزي أيضا سوى ست مرات, ويعيش منذ رحيل مدربه التاريخي السير ألكس فيرجسون فترة انكسار وتراجع في النتائج وغياب للبطولات، حتى "تشيلسي" بطل العالم الأخير أصبح يحتل مراكز متأخرة في الدوري العام دون أن "تقوم الدنيا ولا تقعد"، وفي إسبانيا قدم فريق "برشلونة" ما وصفه النقاد بالكرة الخيالية مع مدربه الشهير بيب جوارديولا, ثم عانى من عثرات قاسية وهزائم تاريخية من غريمه التقليدي ريال مدريد الذي مر بنفس الكبوات أيضا، ومع ذلك استوعب جمهور الناديين هذه المواقف ولم يشعل نار الغضب على اللاعبين أو الإدارة الفنية ولم يطالب بتسريح الفريق مثلا.
ثقافة التشجيع
نفس الأمر ينطبق على المنتخبات, ومنها ألمانيا الفريق القوي الذي يلقب بالماكينات التي لا تهدأ وتوج بمونديال 2014 بأداء مرعب، لكنه وبدون مقدمات وجد نفسه يخرج من دور المجموعات في نسختين متتاليتين لكأس العالم، ومع ذلك لم يهدم الجمهور منتخب بلاده بل بدأت عملية مراجعة هادئة وشاملة, كذلك الأمر مع المنتخب الإيطالي بطل أوروبا 2020 الذي فشل بعد شهور قليلة في التأهل لكأس العالم التالية مباشرة في 2022، وهي صدمة لم تدفع الجمهور لتخوين اللاعبين بل للاعتراف بوجود خلل في المنظومة, وبالمثل البرازيل أسياد المونديال الذين غابوا عن منصة التتويج لأكثر من عشرين عاما دون بطولة، ورغم قسوة النتائج ظلوا يقدرون قيمة وأهمية "اللعبة" بكل أبعادها, ويبحثون عن الفوز دون جلد للذات أو قسوة على اللاعبين.. هذه النماذج تؤكد أن الهزيمة ليست نهاية التاريخ، بل هي جزء أصيل من مفهوم الرياضة، وهو ما يمكن تطبيقه بوضوح على حالة النادي الأهلي الذي يجب أن يستوعب جمهوره أن الإخفاق الحالي هو حدث طبيعي في سياق الإجهاد الذهني والبدني والتشبع بالبطولات لفريق خاض نهائيات قارية لسنوات طويلة دون توقف.
وفي النهاية نحن بحاجة ماسة لأن يغير جمهور الكرة في مصر ما يمكن أن نسميه ثقافة التشجيع، وأن يدرك هذا الجمهور أن فقد بطولة أو الهزيمة في مباراة ليست عارا إنسانيا يمس اللاعبين أو النادي أو الجمهور, لكنه يبقى شيئا "عاديا" وجزءاً من دورة حياة أي كيان رياضي أو اجتماعي أو حتى اقتصادي، ويمكن- بل يجب- أن يكون دافعا ووقودا لنجاح جديد, والأهم أن ينعكس هذا التغيير على كل مفاهيم وجوانب حياتنا لأن هذا التغيير سيدفع في اتجاه التأكيد على أهمية العمل وبذل الجهد وتكرار المحاولات دون كلل أو ملل بحيث يدرك المجتمع الذي يشكل جمهور الكرة نسبة كبيرة منه أن متعة العمل وشرف المحاولة في كل مجالات حياتنا لا تقل بأي حال عن متعة الفوز والتفوق.