رئيس تحرير عقيدتي في دار الجمهورية للصحافة عضو المجلس الاعلي للشئون الاسلامية بالقاهرة درس اللغة العربية في جامعة الازهر
مع كل تشكيل وزاري جديد تتجدد الآمال، وتُفتح صفحة بيضاء ينتظر المواطن أن تُكتب فيها سطور مختلفة عن الماضي، أكثر إنجازًا وأوضح رؤيةً وأسرع استجابةً لتحديات الواقع، فالتغيير في الأشخاص ليس هدفًا في ذاته، وإنما هو وسيلة لضخ دماء جديدة، وتصحيح مسارات، وتحسين أداء، وتحقيق نتائج ملموسة يشعر بها الناس في حياتهم اليومية. ومن ثمّ، فإن السؤال الحقيقي ليس: من جاء ومن رحل؟ بل: ماذا سيتغير؟ وكيف؟ ومتى؟
فالتحديات التي تواجه الدولة اقتصاديًا واجتماعيًا وخدميًا معروفة، لكن طريقة التعامل معها هي الفيصل. المطلوب خطة معلنة بأهداف محددة قابلة للتطبيق ، وجداول زمنية واضحة، ومؤشرات أداء يتم إعلانها للرأي العام بشفافية. لم يعد مقبولًا الاكتفاء بالشعارات العامة أو الوعود الفضفاضة؛ فالمواطن يريد أن يعرف ما الذي سيتحسن خلال ستة أشهر؟ وما الذي سيتغير خلال عام؟ وما هي الأولويات العاجلة التي ستُقدَّم على غيرها؟
على الوزارة الجديدة أن تُعيد ترتيب الأولويات بما يتناسب مع ضغوط الواقع. في ظل التحديات الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة، يجب أن تكون حماية الفئات الأكثر احتياجًا في مقدمة الاهتمام، عبر سياسات دعم أكثر كفاءة وعدالة، وتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية، وضبط الأسواق، ومواجهة الاحتكار بكل حسم. فنجاح أي حكومة يُقاس بقدرتها على تحقيق التوازن بين الإصلاح الاقتصادي والانحياز الاجتماعي، بحيث لا يتحمل محدودو الدخل عبء الإصلاح وحدهم.
الإصلاح الإداري لا يقل أهمية عن الإصلاح الاقتصادي. فالكفاءة والسرعة في تقديم الخدمات الحكومية مطلب أساسي. التحول الرقمي، وتبسيط الإجراءات، وتقليل البيروقراطية، ومكافحة الفساد الإداري، كلها ملفات يجب أن تتحول من عناوين متكررة إلى نتائج ملموسة. فالمواطن الذي يقضي أيامًا بين المكاتب بحثًا عن توقيع أو ختم، لن يشعر بقيمة أي إنجاز آخر إذا لم تتحسن تجربته اليومية مع الجهاز الإداري.
أيضا التواصل الفعّال مع الرأي العام ضرورة لا رفاهية. في زمن تتسارع فيه الشائعات عبر وسائل التواصل، يصبح الصمت الرسمي بيئة خصبة للبلبلة. على الوزراء الجدد أن يكونوا حاضرين إعلاميًا، يشرحون القرارات قبل صدورها، ويوضحون أسبابها وأهدافها، ويستمعون للملاحظات والانتقادات. الشفافية لا تضعف الحكومة، بل تمنحها مصداقية، وتجعل المواطن شريكًا في التحدي لا متلقيًا للقرارات فقط.
كذلك دعم الإنتاج وتشجيع الاستثمار أولوية قصوى. فخلق فرص العمل وتحريك عجلة الاقتصاد لن يتحققا إلا ببيئة جاذبة للاستثمار المحلي والأجنبي، قائمة على الاستقرار التشريعي، وسرعة الإجراءات، وتوفير الحوافز المدروسة للقطاعات ذات الأولوية، خاصة الصناعة والزراعة والتكنولوجيا. المطلوب ليس فقط جذب استثمارات، بل توجيهها نحو قطاعات تزيد من القيمة المضافة، وتقلل فاتورة الاستيراد، وتعزز الاكتفاء الذاتي.
أما ملف التعليم والصحة يجب أن يظل في قلب أي برنامج حكومي. فبناء الإنسان هو الاستثمار الحقيقي طويل الأمد. في التعليم، المطلوب تطوير حقيقي في المناهج، وربطها بسوق العمل، وتأهيل المعلم، وتخفيف الأعباء عن الأسرة. وفي الصحة، تحسين جودة الخدمة في المستشفيات العامة، وتوسيع مظلة التأمين الصحي، وضمان توافر الدواء بأسعار مناسبة. هذه الملفات لا تحتمل التأجيل أو المعالجة الجزئية.
إن أهم ما يُطلب من الوزارة الجديدة هو أن يشعر المواطن بالتغيير في حياته اليومية، في سعر سلعة استقر، أو خدمة تحسنت، أو فرصة عمل توفرت، أو إجراء أصبح أسهل. الإنجاز الحقيقي ليس في المؤتمرات ولا في البيانات، بل في الأثر الواقعي الملموس.
والمواطن الذي تابع التغيير بأمل وترقب ينتظر أن يرى أفعالًا توازي الأقوال، وأن تتحول الوعود إلى واقع، فالمرحلة تتطلب أداءً استثنائيًا، بحجم التحديات، وبمستوى الطموحات، نتمني ذلك .