سبق أن كتبنا من قبل تساؤلًا جوهريًا بعنوان: «القانون الدولي إلى أين؟»، في محاولة لقراءة مستقبل عالمٍ يبتعد تدريجيًا عن احترام القواعد والمواثيق الدولية.
واليوم، لم يعد السؤال متعلقًا بالقانون الدولي وحده، بل بات أشمل وأخطر: إلى أين يتجه العالم إذا ما تعاملت الدول دون قوانين أو قواعد تحكم وتنظم العلاقات فيما بينها
حين تغيب القوانين، لا يولد فراغ محايد، بل يُستبدل بمنطق واحد لا يعترف إلا بالقوة. منطق لا مكان فيه للعدالة أو الشرعية، بل تحكمه قاعدة واحدة: القوي يفرض إرادته، والضعيف يدفع الثمن. وهنا لا يعود العالم خاضعًا لقانون دولي أو نظام أممي، بل لما يمكن تسميته صراحة بـ«قانون الغاب».
يشهد النظام الدولي في الفترة الأخيرة حالة واضحة من التخبط، مع تراجع احترام قرارات الأمم المتحدة، وتهميش متزايد للقانون الدولي الذي أُنشئ أساسًا لمنع الفوضى وحماية الدول، كبيرها وصغيرها، من شريعة القوة.
غير أن الواقع يؤكد أن هذه القواعد لم تعد ملزمة للجميع، بل تُطبق وتُستخدم حين تخدم مصالح القوى الكبرى، ويتم تجاوزها أو تجاهلها حين تعيق تلك المصالح.
تتحمل الولايات المتحدة، باعتبارها الفاعل الأبرز في النظام الدولي، مسؤولية مباشرة عن تكريس هذا النهج. فبينما ترفع واشنطن شعارات الدفاع عن الديمقراطية والقانون الدولي، تكشف سياساتها العملية عن استعداد دائم لتجاوز هذه القواعد متى تعارضت مع مصالحها.
في فنزويلا، فرضت الولايات المتحدة عقوبات أحادية الجانب خارج مظلة الأمم المتحدة، وتدخلت سياسيًا في الشأن الداخلي، في مخالفة صريحة لمبدأ السيادة وعدم التدخل، ما فاقم الأزمة الإنسانية وزاد معاناة الشعب الفنزويلي بدلًا من حلها.
أما في جرينلاند، فقد عكست التصريحات الأمريكية حول إمكانية “شراء” الإقليم عقلية استعلائية تتعامل مع الجغرافيا والسيادة بمنطق الصفقات، في تجاهل واضح لحق الشعوب في تقرير مصيرها، وللقواعد التي يفترض أن تحكم العلاقات بين الدول في العصر الحديث.
تكمن خطورة هذه السياسات في أنها لا تبقى محصورة في إطارها الجغرافي أو السياسي، بل تتحول إلى سوابق تُغري أطرافًا أخرى بالسير في الاتجاه ذاته. فحين يرى العالم أن تجاوز القانون الدولي لا يترتب عليه ثمن حقيقي، يصبح خرق القواعد خيارًا مشروعًا، لا استثناءً.
وهكذا، يتحول النظام العالمي تدريجيًا من منظومة تحكمها القوانين إلى ساحة مفتوحة للصراع، حيث تُدار الأزمات وفق موازين القوة، لا وفق مبادئ العدالة أو الشرعية الدولية.
إن عالمًا بلا قوانين أو ضوابط دولية هو عالم محكوم بالاضطراب الدائم. عالم لا تحمي فيه المواثيق الضعفاء، ولا تردع فيه المؤسسات الدولية الأقوياء. وفي مثل هذا العالم، يصبح القانون الوحيد السائد هو قانون الغاب، حيث يسيطر الأقوى، ويُقصى الأضعف، وتُداس الحقوق تحت أقدام المصالح.
إن استمرار هذا المسار يهدد بفقدان الثقة في فكرة النظام الدولي ذاتها. فالقانون الدولي وضع ليكون صمام أمان يمنع العالم من الانزلاق إلى الفوضى.
وإذا استمرت الدول الكبرى في كسر القواعد دون مساءلة، فإن السؤال لم يعد: من المخطئ؟
بل: هل نحن جميعًا مستعدون للعيش في عالم تحكمه شريعة القوة وحدها؟