مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

قهوة الصباح

يا عزيزى: عليك بمهمتك الصغيرة أولاً

 


لم تكن «الفهلوة» يومًا غريبة عن المجتمع المصري، بل كانت فى أزمنة سابقة نوعًا من الذكاء الاجتماعي، وحيلة للبقاء، وقدرة على التكيّف مع ظروف قاسية وإمكانات محدودة. لكنها اليوم، وفى لحظة شديدة الحساسية من تاريخ الدولة والمجتمع، تحوّلت من مهارة استثنائية إلى سلوك عام، ومن حلّ مؤقت إلى أزمة دائمة. فصارت تُمارَس فى غير أوانها، وبطريقة تضر أكثر مما تنفع.

> > >

نعيش زمنًا يتكلم فيه الجميع عن كل شيء. المواطن البسيط يناقش الجغرافيا السياسية، ويحلل الحروب الدولية، ويفتى فى الاقتصاد الكلي، ويتحدث بثقة عن سعر الدولار، والاكتفاء الذاتي، والذكاء الاصطناعي، ومستقبل البشرية. لا أحد يعترف بأنه لا يعرف، ولا أحد يتوقف ليسأل: ما هو دورى الحقيقي؟ وما الذى يُفترض أن أُتقنه فعلاً؟

> > >

المفارقة الصارخة أن هذا السيل من الكلام لا يوازيه إتقان فى العمل. تجد الشخص نفسه الذى يقدّم لك رؤيته الشاملة لإصلاح العالم، عاجزًا عن أداء مهمته الصغيرة التى بين يديه. وكأن الحديث صار بديلاً عن الفعل، والادّعاء بديلاً عن الجهد، والفهلوة بديلاً عن المهنية.

> > >

الخطير فى الأمر أن هذه الفهلوة لم تعد مقصورة على فئات بعينها، بل تسللت إلى كل المستويات: فى الشارع، فى المكتب، فى الورشة، فى الإعلام، وأحيانًا فى مواقع اتخاذ القرار. الجميع يتكلم، والجميع يعلّق، والجميع ينتقد، لكن القليل فقط يعمل بإتقان، والقليل أكثر يراجع نفسه.

> > >

المشكلة الحقيقية ليست فى كثرة الآراء، فالرأى حق مشروع، بل فى غياب الحدود بين الرأى والمسئولية. حين يتحدث شخص عن ملف سياسى معقّد، دون معرفة أو أدوات، فهذا رأى عابر. لكن حين يهمل عمله الأساسي، ويبرر ذلك بانشغاله «بفهم الدنيا»، فهنا تتحول الفهلوة إلى عبء على المجتمع كله.

> > >

الأسوأ أن الفهلوة كثيرًا ما تختبئ خلف خطاب المظلومية. تُرفع لافتة «إحنا غلابة» لتبرير التقصير، وكأن الغُلب شهادة إعفاء من الإتقان، أو رخصة دائمة لرداءة الأداء. والحقيقة التى يجب أن تُقال بوضوح: الغلابة لا تعنى الاهمال، والظروف الصعبة لا تبرر العمل السيئ. بل إن الإتقان فى أصعب الظروف هو أعلى درجات الكرامة.

> > >

الدول لا تُبنى بالفهلوة، ولا تنهض بالثرثرة. الدول تُبنى حين يعرف كل شخص موقعه، وحدوده، ومسئوليته. حين يُحسن العامل عمله، والموظف مهمته، والمسئول قراره، والإعلامى كلمته. حين يصبح الإتقان قيمة عامة، لا استثناءً نحتفى به.

> > >

نحن اليوم فى مرحلة لا تحتمل هذا القدر من الادّعاء. مرحلة تتطلب الصدق مع النفس قبل الصدق مع الآخرين. تتطلب أن نعترف بأننا لا نعرف كل شيء، وأن نركز على ما يجب أن نُحسنه فعلاً. فالعالم لا يتغير بكثرة المتحدثين عنه، بل بكثرة الذين يعملون داخله بجدية وصمت.

> > >

ربما كانت الفهلوة فى زمنٍ ما وسيلة للعبور، لكنها الآن صارت عائقًا. صارت تشويشًا على الأولويات، وتشتيتًا للجهد، وتضييعًا للوقت. ومع كل تحدٍ جديد يواجهه المجتمع، يتأكد أن هذه الفهلوة لم تعد ذكية، ولا مفيدة، ولا مقبولة.

> > >

نحتاج اليوم مراجعة جماعية، لا شعار فيها ولا خطابة. مراجعة يسأل فيها كل واحد نفسه: هل أتقن ما أفعله؟

هل أؤدى دورى كما ينبغي؟

هل أتكلم أكثر مما أعمل؟

> > >

الإجابة الصادقة على هذه الأسئلة قد تكون مؤلمة، لكنها الطريق الوحيد للخروج من دائرة الكلام إلى مساحة الفعل.

فالفهلوة.. حين تأتى فى غير أوانها، لا تنقذ مجتمعًا، بل تؤخره.