مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

مشاهير السوشيال وإشكالية الوعي الرقمي

 

أفرز التطور المتسارع في وسائل التواصل الاجتماعي واقعًا جديدًا في تشكيل الرأي العام، حيث برزت فئة عُرفت بـ«مشاهير السوشيال»، استطاعت أن تحظى بانتشار واسع وتأثير ملحوظ، مستندة في ذلك إلى كثافة المتابعة وسرعة الوصول إلى الجمهور. غير أن هذا الحضور المتنامي أثار تساؤلات جوهرية حول طبيعة هذا التأثير، وحدوده، وانعكاساته على منظومة القيم والوعي المجتمعي، لا سيما لدى فئة الشباب.

فكرة النجاح في الفضاء الرقمي تُقاس في كثير من الأحيان، بعدد المتابعين والمشاهدات، لا بمستوى الفكرة أو قيمتها المعرفية والأخلاقية. وأسهم هذا المعيار المشوّه في تضخيم محتوى سطحي لا يحمل مضمونًا حقيقيًا، في مقابل تراجع الأصوات الجادة التي تقدم فكرًا مسؤولًا يسهم في بناء الإنسان وارتقاء المجتمع.

وعند التمعن في كتابات ومحتوى بعض مشاهير المنصات الرقمية، نجد أن الضجة المثارة لا تتناسب مع قيمة ما يُقدَّم من أفكار، إذ يغلب عليها التكرار والسطحية وإثارة الانتباه، دون عمق فكري أو رسالة واضحة. وقد أدى هذا الواقع إلى خلق صورة وهمية للنجاح، انعكست سلبًا على وعي الشباب، وأسهمت في تراجع الاهتمام بالقيم والمبادئ، لصالح البحث عن الشهرة السريعة والانتشار الواسع.

في المقابل، يغيب عن المشهد الإعلامي كثير من أصحاب الكفاءة والفكر، ممن يملكون القدرة على الإسهام الحقيقي في توجيه المجتمع وتحصين وعيه. ورغم الحاجة الملحة إلى هذه النماذج، فإنها لا تحظى بالاهتمام ذاته، في ظل سيطرة المحتوى السريع والسطحي الذي يلقى رواجًا أكبر لسهولة استهلاكه.

وتزداد خطورة هذا المشهد حين يتحول بعض المشاهير إلى مرجعيات فكرية أو اجتماعية، تُلقى من خلالهم محاضرات أو تُطرح آراء تلقى قبولًا واسعًا، اعتمادًا على الأسلوب الخطابي الجذاب لا على سلامة المضمون. وهو ما يستدعي ضرورة تنمية الوعي النقدي لدى المتلقين، وعدم الانسياق خلف الأرقام الكبيرة أو الشهرة الظاهرة.

إن النجاح الحقيقي لا يتحقق بالانتشار وحده، بل بما يتركه الإنسان من أثر نافع في محيطه، وبما يسهم به في رفع مستوى الوعي وتعزيز القيم الإيجابية. أما السعي إلى الشهرة أو المكاسب المادية المجردة من الرسالة، فهو نجاح مؤقت سرعان ما يتلاشى، لأنه لم يُبنَ على عمل جاد أو هدف يخدم الصالح العام.

وأخيراً وفي هذا السياق، تبرز أهمية إعادة النظر في معايير التقييم في الفضاء الرقمي، والتمييز بين الشهرة والإنجاز، وبين التأثير الحقيقي والضجيج العابر، بما يضمن توجيه الطاقات الإعلامية والفكرية نحو ما يخدم المجتمع ويحفظ توازنه القيمي.