حديث الرئيس عبد الفتاح السيسي بمناسبة الذكرى الرابعة والسبعين لعيد الشرطة لم يكن مجرد كلمات احتفالية عابرة بقدر ما كان يفتح نافذة مصارحة واسعة على جوهر فكرة الدولة ومسؤولية من يتصدّر إدارتها. فالحديث جاء ممتدًا بين الاقتصاد والإصلاح، وبين الإيمان والمساءلة، وبين السلطة باعتبارها تكليفًا لا تشريفًا، وهو ما يمنح الخطاب دلالة أعمق من مجرد توجيه إداري أو توبيخ سياسي.
أول ما يلفت الانتباه أن الرئيس أعاد تثبيت الإطار العام لمسار الدولة: إصلاح اقتصادي، تمكين حقيقي للقطاع الخاص، إدارة رشيدة للموارد، وهدف نهائي واضح هو تحسين حياة المواطن. هذه ليست عناوين جديدة، لكنها هنا جاءت باعتبارها مسارًا “ثابتًا ومدروسًا”، في رد غير مباشر على من يشكك أو يتعجل النتائج، وفي الوقت نفسه تحميل ضمني للمؤسسات مسؤولية تحويل هذا المسار إلى نتائج ملموسة يشعر بها الناس، لا مجرد أرقام وتقارير.
غير أن جوهر الخطاب لم يكن اقتصاديًا بحتًا، بل أخلاقيًا وإداريًا في المقام الأول. حين يتحدث الرئيس عن الحساب أمام الله، وعن أن الأقدام لن تتحرك من مكانها أمام الله سبحانه وتعالى يوم القيامة قبل السؤال عن “كل صغيرة وكبيرة”، فهو ينقل فكرة الرقابة من كونها قانونية أو سياسية فقط إلى كونها ضميرية قبل كل شيء. هذه رسالة شديدة الوضوح: الدولة لا تُدار باللوائح وحدها، بل بضمائر يقظة تشعر بثقل المسؤولية، وتدرك أن المنصب لا يحمي صاحبه من الحساب، بل يضاعفه.
المكاشفة هنا لم تستثنِ أحدًا. من رئيس الجمهورية إلى أصغر مسؤول، الجميع داخل دائرة السؤال. وهذه نقطة مهمة؛ لأن أحد أمراض الإدارة العامة تاريخيًا هو شعور بعض المسؤولين بأنهم بعيدون عن المحاسبة، أو أن المناصب العليا مناطق آمنة. الرئيس كسر هذا التصور بوضوح، بل وأعلن أمام الناس وأمام “رب الناس” – كما قال – أنه أقام الحجة، وأن المسؤولية باتت شخصية ومباشرة.
خطاب الرئيس أيضًا يحمل نقدًا غير مباشر لثقافة “تسيير الأمور” والاكتفاء بالحد الأدنى. حين يقول إن المؤسسة تعرف ما بداخلها ولا تحتاج من يخبرها به، فهو يحمّل القيادات مسؤولية الإصلاح الذاتي، لا انتظار التعليمات أو البحث عن شماعات. الرسالة هنا أن الدولة لم تعد تحتمل مسؤولين يكتفون بإدارة الأزمة أو تجنب الخطأ، بل تحتاج إلى من يبادر، ويطوّر، ويعيد بناء المؤسسات من الداخل، شفافيةً وكفاءةً ونزاهةً.
أما حديثه عن التعليم والصحة والجيش والشرطة، فجاء باعتباره تأكيدًا على أن الإصلاح شامل ولا توجد “مناطق محصنة” ضد النقد أو التطوير. وهو في هذا السياق يبعث برسالة مزدوجة: دعم كامل للمؤسسات، لكن دون غطاء للتقصير. الثقة لا تعني الغضّ عن العيوب، بل تعني الجرأة على مواجهتها.
وفي مخاطبته الصريحة لوزير الأوقاف – بأن من لا يستطيع أداء عمله فليغادر – تتجلى فلسفة حاكمة للمرحلة: الكفاءة أولًا، والقدرة على الإنجاز شرط للبقاء في المنصب. لم يعد مقبولًا، وفق هذا الخطاب، أن يتحول الموقع العام إلى مساحة للراحة أو الوجاهة الاجتماعية. المنصب وظيفة ثقيلة، ومن يعجز عن حملها عليه أن يتركها لغيره.
إذا انتقلنا إلى ما يجب على الحكومة ووزرائها ومحافظيها في ضوء هذا الخطاب، فإن المطلوب يتجاوز ردود الفعل الإعلامية أو التصريحات المطمئنة. المطلوب أولًا مراجعة جادة للأداء: ماذا أنجزنا فعلًا؟ وما الذي تعثر؟ ولماذا؟ ثم الانتقال من ثقافة الدفاع عن الذات إلى ثقافة الاعتراف بالأخطاء والمبادرة بتصحيحها تلقائيًّا دون انتظار التوجيهات والتعليمات العليا.
ثانيًا، على كل وزارة ومحافظة أن تعيد تعريف أولوياتها من منظور المواطن لا من منظور المكاتب. الخطاب واضح في أن الهدف النهائي هو “الحياة الكريمة”، وهذا لا يتحقق إلا إذا تُرجمت السياسات إلى خدمات ملموسة، وعدالة في الوصول إليها، واحترام لكرامة الناس في تعاملهم اليومي مع أجهزة الدولة.
ثالثًا، تعزيز الشفافية ليس شعارًا بل ممارسة: إتاحة المعلومات، وضوح القرارات، محاسبة المقصرين علنًا، ومكافأة المجتهدين بإنصاف. فالثقة بين الدولة والمجتمع لا تُبنى بالكلام، بل بسلوك إداري يشعر المواطن أن الدولة تعمل لأجله لا فوقه.
أخيرًا، يحمل الخطاب دعوة صريحة للتفكير خارج الصندوق. الأزمات المتراكمة لا تُحل بالأدوات القديمة وحدها، ولا بالحلول الجاهزة. بل بتعظيم الابتكار، والاستفادة من الكفاءات الشابة، وفتح المجال للأفكار غير التقليدية، كلها باتت ضرورة لا ترفًا.
في المحصلة، هذا الخطاب ليس مجرد رسالة تحذير، بل فرصة. فرصة لإعادة ضبط البوصلة داخل مؤسسات الدولة، ولإحياء معنى الخدمة العامة بوصفها أمانة ثقيلة. من يلتقط الرسالة بجدية قد يسهم في نقل الدولة خطوة حقيقية إلى الأمام، ومن يتجاهلها يكون قد اختار موقعه بنفسه خارج سياق المرحلة.
ويبقى السؤال المفتوح، الذي لا يحتاج إجابة خطابية بقدر ما ينتظر إجابة فعلية على أرض الواقع:
كم مسؤولًا اليوم يملك حقًا الاستعداد والشجاعة والقدرة على تحويل رسائل الرئيس من كلمات واضحة إلى أفعال ملموسة؟ كم منهم يدرك أن الزمن لم يعد يسمح بالتجريب أو التباطؤ، وأن صبر الناس ليس بلا حدود؟
وكم مسؤولًا يستطيع أن يترجم هذا الخطاب إلى واقع يراه المواطن في معيشته اليومية، في سعرٍ أعدل، وخدمةٍ أيسر، وفرصة عملٍ حقيقية، وإدارة تحترم إنسانيته قبل أوراقه؟ واقع يخفف وطأة المعاناة الاقتصادية، ويعيد بناء منسوب الرضا والأمان لدى مواطن تحمّل الكثير، ولا يزال يتحمّل، منتظرًا أن يجني ثمار صبره في عزّ وكرامة، لا منّة فيها ولا تأجيل.