مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

( بلا ذاكرة .. )

لم أعد واثقاً إن كانت الذاكرة تسكني أم أنا الذى أسكنها.
كل ما أعلمه أن هناك قصة تُكتب من تلقاء نفسها، وأننى بداخلها، أستيقظ كل مرة على صوت جرس يوقظ شيئاً فىّ لا أتذكره. ربما كنت الكاتب.. وربما كنت الذي رحل.. يتركنا النسيان مُعلَّقين بين لحظتين لا تنتميان لزمن.
أن تفتح عينيك، فتجد نفسك شاهداً ومشهوداً، كأنك تُجرى عملية فى رأسك لتستخرج من دماغك نفسك القديمة، ثم تفشل فى تذكّر من كان الطبيب ومن كان المريض.
صمتا أبيضا باردا، ورائحة حادة كالمشرط. حين فتحت عينيّ، لم أعرف إن كنت أستيقظ أم أُبعث من جديد.
كل شيء كان يتحرك حولى إلا ذاكرتى، بقيت فى مكان آخر، تنظر إلي من خلف الزجاج.
أحياناً لا نفقد الذاكرة، بل تفقدنا هى. تخرج لتحيا حياتها بعيداً عنا، تتركنا نعيد ماضٍ لا نعرف إن كان لنا.
فى مكان ما، بين غرفة عمليات وصفحة بيضاء، كان ثمة رجل يكتب قصته ولا يتذكر من بدأ الحكاية.
كان الصباح رماديًّا، بارداً،، كما لو أن السماء نَسيت أن تستيقظ.. لم يكن مختلفًا عن غيره، لكنه بدا وكأنه جاء من زمنٍ آخر.. الشوارع خالية إلا من هواء بارد يلامس الوجوه برفقٍ يائسٍ يشبه يدَ مريضٍ يبحث عن النسيان.
عند بوابة المستشفى كان الحارس يقرأ صحيفة قديمة، يقلب صفحاتها ببطء، بينما طائر رماديّ يحوم فوق السور ثم يختفي. بدا كل شيء هادئًا، هدوءًا أقرب إلى الغياب منه إلى السكينة.
في الداخل، يتبدّد الزمن شيئًا فشيئًا. الممرات طويلة، معقّمة، تمتدّ كأنها تؤدي إلى لا مكان. الجدران بيضاء أكثر مما يجب، والضوء باردٌ كأنه يخرج من تحت الأرض في هذا الصباح الرمادي البارد، كأن الضوء نفسه قد تردد قبل أن يدخل هذه الغرف.. في هواء يحمل رائحة مطهّر غريبة، كأن المكان وُلد لتوّه بعد مرضٍ طويل. الجدران بيضاء أكثر مما يجب، ووجوه تتحرك في صمتٍ خافت، كأنها اعتادت حضور النهاية أكثر من البداية.
 في كل غرفة حكاية صغيرة تتنفس بصوتٍ خافت، بعضها يهمس، وبعضها ينتظر أن يُغلق الباب ليختفي تمامًا في هواء بارد يحمل رائحة مطهّر غريبة، كأن المكان وُلد لتوّه بعد مرض طويل. كانت الجدران بيضاء إلى حد يبعث على القلق، والوجوه تتحرك في صمتٍ مملوءٍ بالخشية، لا أحد يجرؤ أن يلتفت، لا أحد يتكلم.
وفي نهاية ممرّ ضيّق، خلف ستارة زرقاء سميكة، كانت الغرفة 23 تغطّ في صمتٍ يذكّر بالموت أكثر مما يذكّر بالحياة.
في زاوية الغرفة، جلس الرجل النحيل، عيناه تائهتان بين السقف والأرض، كأنه ينتظر أن يتذكّر شيئًا نسيَ أنه نسيه. يرفع رأسه حين يرنّ الجرس، فيحدّق للحظة طويلة في الفراغ، ثم يعود إلى سكونه المربك.
في زاوية الغرفة جلس رجل نحيل،على كرسي خشبيّ قرب النافذة.. كتفاه منحنيتان قليلاً، وعيناه تائهتان بين السقف والأرض، لا يبدو مريضًا ولا زائرًا. عيناه زجاجيتان كأنهما تريان أكثر مما ينبغي، ويداه مطويتان على ركبتيه في سكونٍ غريب. كان الضوء ينسكب على وجهه في خطوطٍ متكسّرة، تكشف لحظة وعيٍ ثم تُطفئها.. كأنه يحاول أن يتذكّر شيئًا نسيَ أنه نسيه. كلما دوّى جرسٌ خفيف، رفع رأسه كمن يتلقّى نداءً داخليًّا لا يعرف مصدره. 
لم يكن يبدو مريضًا، ولا زائرًا، ولا عاقلًا تمامًا. بل شيئًا لا اسم له، نصفه حاضر ونصفه غائب، كأنه ظلٌّ يبحث عن جسده.. فقط شخص يراقب حياته تُسحب من بين أصابعه كخيطٍ رفيع من الضوء.
وراء الزجاج، كان هناك أطباء بملابس خضراء، وأجهزة، وأيدٍ ترتدي قفازات تتحرك في صمت محسوب.. والأضواء تتبدّل بين الأزرق والأبيض حول منضدة معدنية، الضوء الأبيض يسقط عليها مثل سكينٍ لامع.. ورجل ممدّد فوقها كأن الحياة لم تعد تحتمله.. كأنه جثة تنتظر من يمنحها سببًا لتعود. لا أحد يتحدث عن الألم، ولا عن الموت، كأنهما شيئان قديمان فقدا قيمتهما.
همس أحدهم بصوت خافت: "جاهزون"،.. ساد صمتٌ يشبه الوقوف على حافة زمنٍ آخر، ثم ساد الصمت من جديد. حتى الساعة المعلقة على الجدار توقفت عن التكتكة، كأن الزمن نفسه وقف احترامًا لشيء لا يُقال.
فى رائحة المطهرات، كان الصمت أثقل من الخوف، والوجوه تتحرك ببطء كأنها تؤدي طقسًا قديماً لا يفهمه أحد.
لم يكن أحد يتحدث، ولم يكن ثمة شيء يستحق الكلام. رجل ممدد فوق منضدة بيضاء، وامرأة تراقب من خلف الزجاج، وجراح يمد يده إلى رأسٍ مفتوح، كما لو أنه يحاول استخراج ذكرى قديمة لا ورماً.
في تلك اللحظة شعر الرجل الجالس على الكرسي أن شيئًا ما يتحرّك بداخله — لم تكن فكرة، ولا ذكرى، بل رعشة تشبه عودة روحٍ إلى جسدٍ نسيها.
تساءل في نفسه: أيمكن للإنسان أن يستيقظ في حياةٍ ليست له؟
لم يكن يعرف إن كان يراقب عملية جراحية، أم يشارك فيها. كان كل ما يراه يمرّ من خلف زجاج سميك، حتى وجهه بدا غريبًا عليه.
لم يدر الرجل أهو يشاهد عمليةً تُجرى لمجهول، أم لنفسه، أم لحياته القديمة التي قررت أن تُستأصل. كل ما يعرفه أنه في مكانٍ ما، بين وعيٍ يتداعى وذاكرةٍ تختبئ، يسمع صوته الداخلي يتمتم في خفوت:
"أيمكن أن يكون الإنسان شاهداً على رحيله دون أن يشعر؟"
امتدت لحظة صامتة طويلة، حتى خُيّل إليه أن الأشياء كلها تراقبه هو، لا الرجل الممدّد.
كان الضوء الأبيض يضرب عينيه، والجرس يرنّ من بعيد، فابتسم في ارتباكٍ غامض وقال في نفسه:
"ربما كنت أنا هناك..."
ثم، كأن الوعي انشقّ فجأة عن نفسه، تسللت الفكرة كوميضٍ داخلي، وقال بصوتٍ خافتٍ لا يسمعه أحد:
"لم أعد واثقًا إن كانت الذاكرة تسكني أم أنا الذي أسكنها."
أحيانًا تخوننا الذاكرة، وأحيانًا تهجرنا لتعيش وحدها في مكانٍ آخر، تتركنا هنا نعيد ما لم نفهمه.
مدّ يده إلى جيبه بحثًا عن شيءٍ ما — ربما ورقة، ربما اسم — لكنه لم يجد إلا بردًا خفيفًا في أطراف أصابعه.
رفع رأسه ثانية، نظر إلى الضوء الأبيض الساقط على المريض، وتمتم ببطء كأنما يحدّث نفسه:
"ربما كنت أنا هناك..."
كنت هناك. لا أعرف كيف وصلت، ولا من الذى بعثني إلى هذا المكان. كل ما أعرفه أن شيئاً ما يُكتب الآن، وأنني لست متأكدًا من أأنا الكاتب أم المريض.
الجرس يرنّ فى رأسي، لا أعلم إن كان جرس حياة أم إنذار موت.
فى تلك اللحظة فقط أدركت أن الذاكرة، مثل الضوء الأبيض فوق المنضدة، قد تجرح كما تداوي، وأن أكثر ما نخاف فقدانه هو ما لا نعرف إن كنا نملكه حقًا.
رنّ الجرس فجأة، رنينًا قصيرًا خافتًا لكنه اخترق كل شيء. رفع الرجل رأسه، كمن يسمع نداءً داخليًا مألوفًا، ولم يقل شيئًا.
كان المشهد باردًا، دقيقًا، خاليًا من الدراما. فقط الصمت هو من يعلو، صمتٌ يشبه التفكير قبل أن يبدأ.
تساءل الرجل فى نفسه بصوتٍ لا يسمعه أحد:
"أيمكن للإنسان أن يرى نهايته بعينيه دون أن يدرك؟"
لم يجب أحد، حتى هو نفسه لم يجب.
اكتفى بالنظر إلى الضوء، إلى الزجاج، إلى الوجوه التي تتحرك من خلفه، كأنه يرى مشهدًا كُتب من قبل ويُعاد أمامه للمرة الأخيرة.
أغمض عينيه، فبدت له الأشياء كلها متصلة بخيطٍ واحدٍ من الحلم. قال ببطءٍ كمن يتذكّر شيئًا نُسي عمدًا:
"ربما كنت أنا هناك..."
ثم، في تلك اللحظة التي لا تعود فيها الحياة كما كانت، تمتم بصوتٍ خافتٍ غريبٍ، كأنه يقرأ جملةً من دفترٍ قديم:
"لم أعد واثقًا إن كانت الذاكرة تسكني أم أنا الذي أسكنها."
ولم يكن يعرف أن تلك اللحظة ستغيّر كل شيء.
لكنني لا أتذكر الأشياء جيدا. لم يكن بإمكانى معرفة ماذا أصنع هنا. لا أتذكر شيئا قط.. لا أعرف. لا أعرف كيف وصلت إلى هنا. لم يكن أمامى سوى أن أنظر. كنت فى ورطة، لا أعرف من أنا. أنا من أكون..؟!
لابد أننى كنت أعرف شيئا ما، حتى آتى إلى هنا. ربما قابلته ذات مرة. لا أتذكره. من أنا. من هذا.. ؟!
صوت هذا الجرس يطرق فى رأسي. يفلج جمجمتى. ربما كنت أحلم. ربما كان كابوسا. لا لا.. كنت أضحك. تلك ضحكتى. كتمتها. الكوابيس، لا تُضحك. كانت هناك عينان جميلتان، وكومة من الشعر ملفوفة بعناية تحت غطاء طبى. أسمع وقع أقدام مثل مطارق حديدية، على سلالم معدنية، تؤدى لطوابق، لا نهاية لها. أرى أضواء ليلية كاشفة لطريق. تقطعها أصوات سيارات مارقة، مثل طنين النحل. ورائحة نفاذة غريبة. لم يمرّ وقت طويل حتى تبينت غرفة عمليات، على مرمى أمتار، من حائل زجاجى وستائر زرقاء طويلة. مجرد منضدة معدنية ترتكز فى الوسط، على أرضية بيضاء. كل ما فى الأمر، جرّاح وبضعة أجهزة، وطاقم طبى. حفنة من العيون، لم أرى غيرها، خلف كمامات طبية خضراء، بلون أردية كتانية. فقط، رجل ممدد، تحلّقوا حوله. في معزل عما يجري، وراء زجاج سميك. رأيته هناك، يخرج من رأسه شئ مثل جبل، أو سحابة شبحية كبيرة. ورم غريب. يجرى عملية جراحية لإزالته. لم أدر، لماذا أنا هنا. كيف رأيت هذا. لست بجرّاح، ولا طبيب تخدير. ربما كنت شقيقه. أو أحد معارفه. ربما كنت أنا. كان مثل التفاحة تماما، بلون أحمر قانى. متحجرا. شعرت بالأسى، له. كدتُ أضحك من جديد. كتمت إستغرابى من شكل ورم مثل مخلوق كرتوني، لكائن فضائي بيضاوى. ندبات سوداء على دكنة اللون، هذه. كأنى أسمعه، يحاول أن يخبرنى أمرا ما، كمن يعانى صعوبة كبيرة، فى التذكر. يقطب جبينه محاولا أن يتذكر، لينطق. شعرت به يحاول إعتصار فصيّ مخه، باحثا عن مكان خبّأت به ذاكرته ما حدث. ظننت أنه سيصرخ متسائلا:
"أين.. أين.. أين أنا.. ؟" 
كان منكفئا، فاقدا وعيه..  والورم ما زال بين أصابع الجرّاح. حادثت نفسي:
"فلأكن هادئا متزنا، فى عملية جراحية لإستئصال ورم خبيث.." 
علىّ أن أظهر حزنى. الجميع فى حزن، فى برود غرفة العمليات..
"لمَ لا أكون مثلهم؟" 
ليس علىّ أن أضحك. لكننى عُدت أضحك ثانية. كان الجراح لا زال عابثا، بورم رجل، ممدّدّا راقدا، لا حول له. يهرب من بينه أصابعه مثل"الجيلى".. كان مازال مخدرا..
مرّت دقائق، قبل أن يصبح الورم أكثر هلامية، وأكثر طراوة، والجرّاح ما زال عابثا به، مرة بعد أخرى، كيفما أراد. يضغطه يمينا ويزلقه يسارا.. كدتُ أصرخ فيه:
"أتعبث بورم الرجل.. أتتلذذ.. ؟!" 
لكنه لم يرنى. لم يسمعنى، والورم ينضغط أكثر بين أصابعه، منفلتا. تارة يضغط عليه، برقة. تارة يعتصره. صاعدا هابطا، منزلقا، بين أنامله..
قلت لنفسي:
"هذا ليس وقت نظر فى عينين،.. باغتنى صوت الجرّاح:
مقصّ.. مقصّ.." 
يمينا، مدّ قبضة يده مفرودة بالقفاز الجلدى. إلتقطه من ذات العينين. كنت بينهما. مرّ خلالى المقصّ. شعرت بدغدغة خفيفة. ملت برأسى، لأرى ماذا يفعل به. كان هناك شئ يشبه دودة بنيّة سميكة، تصل ما بين الورم والجمجمة المثقوبة..
حدّقت فى عينىّ الجراح، محاولا النظر مرة ثانية. لم يرنى. إتسعت عيناه. إرتفع حاجباه لأعلى. وضع المقصّ من يده، على ظهر الرجل. لم يكمل..
لم يقطع الصمت سوى هزتين من رأسه، لأعلى وأسفل. وفى برود شديد، فى عمق الرائحة الطبية الغريبة، نطق:
"مات .." 
مع توقف نبض الأجهزة، كان الضوء البارد لايزال  يسطع فى أرجاء الغرفة. لكنه كان مركزا من كشّاف، على مؤخرة رأس مثقوبة أعلاها حلقة من عيون محدّقة. وبخط أخضر مضئ لشاشة سوداء. وبصوت مكتوم، يزوم، كان هناك بضعة سنتيمترات فقط، تفصلنى عن كتلة لحم غريبة داكنة، وسط إناء معدنى لامع. أحدقّ فى شكل هلامى، تدّلت منه زائدة سميكة، كحبل قصير، بين أصابع قفاز جرّاح خضبت، بالدّم. إرتدّت الخيالات الرمادية،  بظلالها، بين أضواء الغرفة. نسيت تماما أمر العينين، فى إنعكاسات الضوء، على الحائل الزجاجى. فى النهاية، لم يبق إلاّ خط  أخضر  مستقيم، على شاشة سوداء. حسنا، رجل عادى يتعرض لمتاعب غير عادية. حسنا، سأكتب هذا السطر ربما أعرف كيف أكمل القصة. لكننى لم أعرف كيف أكمل الأحداث التى تدور رحاها فى مستشفى. كانت الأمور على غير ما يرام وأنا ما أزال أفكر فى أبطال قصة أكتبها فى مجموعة بين حلم واليقظة، ولم أنته منها بعد. فكرت أن أعدل مسارها السردى، أو ألغيها. من الواضح أننى كنت منساقا لا شعوريا بأحداث غامضة تحركنى لأكملها. وهى فى الطريق. عدت أقرأ بعض الفقرات. ربما كنت لا أعرف معانى هذه الكلمات.. كنت كمن فقد الذاكرة والوعى. أسماء نباتات. أشياء كثيرة. مسميات عديدة. لكن ماهى؟! أسماء بشر. من هؤلاء..؟!
أمسيت وأنا أحاول فكّ لغز هذه الحروف التى وجدتنى كتبتها ليلة أمس لكننى لا أدرى كيف. ولا كم إستغرقت من وقت كان يداهمنى لأسرع، كأننى فى سباق مع القصة. مازلت لا أفهم أو أدرك شيئا. اتهمت نفسى تارة بالغباء وتارة بالجنون.
قلت فني نفسي:
"لكننى بالتأكيد كنت قد كتبتها، ليلة أمس. لم يكن أحد معى. هذا خطى. هذه آخر ورقة أتذكرها. فما هذه الورقات التى وجدتها  بخطى.، الآن. متى كتبتها. متى. لماذا. لماذا..؟!" 
شغلنى تلك الكلمات التى وجدتها بين الفقرات. عدت أقرأها من جديد.
عدت اردد في نفسي:
" ربما كنت لا أعرف معانى هذه الكلمات.."
كنت كمن فقد فعلا الذاكرة منذ ليلة أمس وأنا أفكر :
"ماهى أسماء تلك النباتات. من أصحاب تلك الأسماء. من هؤلاء..؟!"
ليس علىّ أن أقضى بقية حياتى أتذكر هذا الأمس البعيد. فشلت فى حلّ اللغز، كنت قد كتبت سطرا فى قصة. إستغرقت وقتا، فشلا بعد فشل لعلى أتذكر يتردد داخلي:
"من يأبه بمثل تلك الحال سوى طبيب نفسي فى رواية جذور نفسية. "
كان الأمر قد إختلط علىّ لكن داخلي ما زال الصوت عاليا:
"لا شيء يبدو غريبا، حتى الموت يصبح شيئا عاديا، أكثر من أي وقت مضى" . أتذكر فقط عينين جميلتين. إمرأة غير عادية تتعرض لمتاعب عادية. ترى رجلا يموت بورم. وأنا أحاول أن أتذكر متى رأيت ذلك. لا أعرف من بقى منا، على قيد الحياة. تائه فى هذا البرود الزجاجى أمام صمت إبتلع اللحظة، وسكون أسر المكان، حتى سمعت نفسي أردد:
" لا أستطيع تذكر أى شئ.. لا أحد يعرف من قضى نحبه.."
ضحكت من جديد.. حتما لن تكون متاعب عادية فهى غير عادية. لا لا.. لا متاعب على الإطلاق. بل تهاجمها أفكار وتشنجات نفسية. عدت أقول لا يوجد ما يسمى تشنجات نفسية، فلأكن دقيقا.. نوبات إكتئاب. إحباط. أكاذيب بصرية. أوهام نفسية، تحاصرها منذ تذكرت تلك الليلة البعيدة.. كتبت قصة جديدة بعنوان.. بلا ذاكرة.. إبتسمت وأنا أضع القصة فى مكانها..
كأن الذاكرة، فى النهاية، لم تكن سوى ورم آخر، يعيش داخلنا، لا يُستأصل بالجرح بل بالكتابة. كنتُ أظن أننى أكتب قصة عن رجل فقد ذاكرته، فإذا بى أكتشف أن القصة كانت تكتبنى لأفقد أنا نفسى. كل ما تبقّى هو هذا الخطّ الأخضر المستقيم على شاشة سوداء، وصوت جرس يعيدنى كل مرة إلى لحظة البداية. لا أحد يعرف من مات فعلاً، الكاتب أم الشخصية، لكن شيئاً ما يبتسم فى الظلّ، كأنه يتذكّر بين الوعي واللاوعي، وبين الكاتب والمكتوب. 
ربما لم أكن أكتب القصة، بل كانت هى تكتبنى منذ البداية، سطراً بعد آخر، حتى ابتلعتنى تماماً. لا أدرى إن كنت خرجت من غرفة العمليات أم ما زلت ممدداً فوق المنضدة الباردة، أقاوم فكرة أن الورم كان ذاكرتي نفسها. ما زال الضوء الأخضر يومض فى رأسي، وصوت الجرس لا يتوقف. أفتح عينيّ، أرى نفس الصفحة البيضاء، نفس العيون خلف الزجاج، ونفس السطر الأخير الذى لم أكتبه بعد... "مات الكاتب، وبقيت القصة تبحث عمّن يتذكرها."
ربما لم أفقد الذاكرة، بل أفقدتنى هى، لتعيش من جديد فى جسد آخر يكتبنى الآن. كل ما تبقّى منى وممّا كان، ضوء أخضر يلمع فى العدم، وصفحة تنتظر أن تُكتب. كأننى أستيقظ فى كل سطر لأموت فى الذى يليه، أبحث عنى بين شقوق الحبر، فلا أجد سوى صدى جرس بعيد يعيدنى إلى البداية. لم يبق من القصة سوى فراغ يشبهنى، وابتسامة غامضة تهمس من وراء الزجاج:
"لقد تذكّرت… لكن متأخرًا جدًا."
...
لم يتحرّك شيء في الغرفة بعد أن انطفأ الضوء الأبيض، سوى فراشة صغيرة راحت تدور حول المصباح المطفأ كأنها تبحث عن دفءٍ مفقود.
وقف الطبيب صامتًا للحظة، ثم خلع قفازيه ببطء، ووضعهما على المنضدة بجانب الورقة التي لم يُكملها أحد.
قال الممرّض بصوتٍ خافتٍ كأنه يخشى أن يوقظ شيئًا:
ـ "هل نكتب في السجل... بلا ذاكرة؟"
لم يُجِب الطبيب. ظلّ يحدّق في وجه الرجل الممدّد، كأنه يرى فيه شيئًا يعرفه منذ زمنٍ بعيد. ثم التفت إلى النافذة، حيث انعكس وجهه على الزجاج للحظة واحدة، قبل أن يختفي في العتمة.
خارج المستشفى، كانت السماء الرمادية قد بدأت تمطر. قطرات صغيرة تتساقط على الرصيف المبلول، وعلى صحيفة قديمة نسيها الحارس فوق كرسيه.
رفرف الطائر الرمادي فوق السور مرة أخرى، ثم استقرّ على حافته.
ومن داخل الغرفة رقم 23، دوّى الجرس مرةً أخيرة، قصيرةً، باهتة، كأنها صدى لذاكرةٍ تستيقظ متأخرة.
في تلك اللحظة، لم يكن أحد يعرف حقًّا من الذي مات — الرجل على المنضدة، أم الذي كتب عنه، أم الذاكرة نفسها.
كل ما تبقّى، ورقة بيضاء على طاولة باردة، عليها جملة غير مكتملة:
"ربما كنت أنا هناك..."
ثم ساد صمتٌ طويل، يشبه ما بعد النهاية.
لم يدر أحد إن كان الميت هو الجسد على المنضدة أم الذاكرة التي غادرته.
بقي الجرس يرنّ في فراغ الغرفة كصوتٍ يبحث عمّن يتذكّره.
وعلى الورقة الأخيرة، جملة واحدة لم تجفّ بعد: "ربما كنت أنا هناك..."
ربما لم يمت أحد، فقط قررت الذاكرة أن تواصل الحياة في جسدٍ آخر أكثر نسيانًا..