مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

في قاعة خالية… جلست وحدي أمام «الست»

 

دخلت فيلم «الست» بعد جدل صاخب سبقني إليه، جدل بدا لي أكبر بكثير مما يستحقه العمل نفسه. لم أكتفِ بمتابعة الآراء المتضاربة، بل قررت أن أشاهده بعيني، بلا أحكام مسبقة، وبلا رغبة في الانتصار لرأي أو هزيمة آخر. ولحسن الحظ، كان توقيت المشاهدة استثنائيًا؛ قاعة سينما خالية تمامًا، كأن العرض فُتح لي وحدي، وكأن الفيلم أراد أن يُحكى لي دون وسطاء.
شاهدتُ فيلم أم كلثوم، وخرجت بانطباع مغاير تماماً لما روّج له كثيرون. شعرتُ أن هناك ظلماً واضحاً في تقييمه، وتضخيماً مبالغاً فيه لأمور بدت لي عادية جداً ، بل منطقية ومتسقة مع زمن الحكاية. وعلى العكس، وجدت الفيلم أكثر واقعية، وأكثر إمتاعاً مما توقعت.
ورغم استمتاعي الشديد بمسلسل أم كلثوم، فإن الفيلم كان، في رأيي، أكثر قرباً، وأكثر جرأة في الاقتراب من الواقع . فالمسلسل، بحكم طبيعته الدرامية وطول مساحته الزمنية، كان أكثر ميلاً إلى التلطيف وبناء الصورة على مهل، بينما سمحت السينما لنفسها بالتصادم المباشر مع التفاصيل، وبقول ما قد تتحاشاه الدراما الطويلة. نعم، الفارق في الشبه بين منى زكي وأم كلثوم كبير، خصوصاً عند الكِبر، مقارنة بالتقارب الشكلي بين صابرين وأم كلثوم في المسلسل. لكن كلما اقترب العمل من محاكاة الأحداث الحقيقية، ومنطق السيرة الذاتية دون تجميل أو مواربة، كان التأثير أقوى.
إن أم كلثوم، في جوهرها، شخصية عصامية، خرجت من قرية صغيرة، وشقّت طريقها إلى القمة بتعبٍ وجهدٍ استثنائيين. ومن غير الطبيعي، بل من غير الإنساني، أن تكون شخصية بهذه الرحلة خالية من العيوب. الاعتراف بإنسانيتها لا يعني تشويهها، كما أن رفض تقديمها في صورة ملائكية لا ينتقص من عظمتها. والفيلم لم يُشوّه أم كلثوم على الإطلاق، بل تناولها بواقعية كبيرة، واحترام واضح لتاريخها ومكانتها، من دون مجاملات إنتاجية فجّة، كما نرى في كثير من أعمال السيرة الذاتية مؤخراً.
أما مشهد الرجل السكران، الذي تحوّل بشكل غريب إلى محور الهجوم على الفيلم كله، فهو في حقيقته أحد أضعف المشاهد تأثيراً، ولا يتجاوز دقيقة واحدة في زمن العرض. في هذا المشهد، أدّت منى زكي الواقعة بصوتها وطريقتها الخاصة، تلك النبرة التي تلجأ إليها دائماً حين تحاول أن تبدو قوية وجادّة، وهو ما جعله أقرب إلى منى زكي أكثر منه إلى أم كلثوم، وهذا أمر لا يمكن إنكاره.
لكن ذكاء المخرج ظهر بوضوح حين قدّم تسجيلًا صوتياً حقيقياً لأم كلثوم، تحكي فيه بنفسها تفاصيل هذه الواقعة. هذا الاختيار لم يكن تجميلياً، بل توثيقياً، جعل المشهد مقبولاً وحقيقياً، وربطه بالمصدر الأصلي للحكاية، بدل أن يتركه معلّقاً على أداء تمثيلي فقط. ورغم ذلك، جرى التعامل مع هذا المشهد على وسائل التواصل الاجتماعي وكأنه الفيلم بأكمله، في تجاهل كامل لبقية العمل.
الإضاءة الداكنة في الفيلم أزعجت البعض، بل وأزعجتني بعض الشئ لكنها بدت لي اختياراً واقعياً، يتماشى مع الحقبة الزمنية التي يتناولها العمل . صورة الأب الباحث عن المال لم تكن إساءة، بل انعكاساً لواقع اجتماعي معروف. وحتى ملامح أم كلثوم في شبابها حملت، مع المكياج، شبهاً مقبولاً من منى زكي في تلك المرحلة.
لم أكن لأنخرط في أي جدل حول الفيلم، ولا حتى لأكتب عنه، لولا أنني قررت أن أشاهده بنفسي. وربما لهذا السبب تحديداً، خرجت من القاعة، الخالية إلا مني، وأنا أشعر أن العمل استُقبل بظلم، وأن بعض الأحكام كانت أعلى صوتاً من الفيلم نفسه.

[email protected]