مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

البطارية أوشكت على النفاذ 

 

في القرن الرابع عشر تقدم نجار ألماني بطلب إلي المحكمة للطلاق من زوجته، كانت الحجة التي استند إليها النجار في طلبه أن زوجته مولعة بالحيوانات و لديها ثلاث قطط، تطعمهم قبله وتهتم بشبعهم أكثر منه وكذلك فإنها تضعهم في فراش الزوجية بجوارهما لتضمن دفهم مما يجعله لا يجد له مكانا في الفراش .

إن قصة النجار تعكس أهمية ثلاث جوانب في بناء العلاقات الناجحة غابت عن هذين الزوجين وتغيبت عن الكثير من الأزواج في حياتنا الحديثة مما أدي إلي شيوع الطلاق.

الجوانب الثلاثة هي المرونة والتوافق والتكافؤ فهولاء هم ثلاثة أسس هامة لنجاح العلاقات وبدأها علي نحو سليم، اضف إليهم سمتين هامتين هما وجود أهداف مشتركة بين الطرفين وإقامة العلاقات علي مبدأ الحقوق والواجبات.

المرونة يا صديقي عامل هام يجب أن يتسم به طرفي العلاقة حتي يستطيع كلاهما تحمل تقلبات الحياة واختلاف الظروف التي يمر بها كل طرف، فالحياة متقلبة ومتغيرة لا يمكن تصور ثباتها والإنسان الذي يفتقد المرونة يعاني الكثير بسبب تقلبات العلاقات مثل الفقر والغني، وجود أطفال باحتياجات مختلفة منهم من وصل للجامعة و اخر لا يزال في المدرسة، مثل هذا يستلزم مرونة في التعامل، وهو أمر يجب اختباره جيداً قبل بدأ العلاقات لضمان استمرارها.

وأما التوافق في الاهتمامات فهو أمر أساسي لنجاح العلاقات وهو غاب عن النجار الألماني فهو لا يحب الحيوانات عكس زوجتها تماماُ فكيف لحياتهما أن تستقيم، وهكذا في كل العلاقات يجب أن يتأكد الطرفين من وجود توافق بينهما واهتمامات مشتركة ولحظات محببة للنفس يتشاركان فيها وعليه فالإنسان يستطيع هنا أن يجد هنا مساحات انسانية رحبة مع شريكة حياته تدخل المتعة و السرور عليهما.

ثم نأتي إلى التكافؤ الاجتماعي والعقلي والعلمي ذلك أمر الذي لا يمكن أن تستقيم العلاقات بدونه، فهذه إمراة من مستوي إجتماعي مختلف عن زوجها هي تضع حب الحيوانات في دائرة اهتمامها وهو رجل يعمل لقوت يومه لا وجود لهذا الاحتياج في وقته، والعلاقات الناجحة يري كل طرف فيها نفسه كف للطرف الآخر، تتشابه بينهما العلاقات الإجتماعية والخلفيات الأسرية والتربوية والتعليمية وهذا يخلق بينهما لغة حوار مشتركة ونظرة موحدة ومتساوي للأمور بينهما فلا يجدان بينهما جهد كبير في فهم الأمور أو في وضع أهداف مشتركة للعلاقة.

والأهداف المشتركة بين أطراف الأسرة الواحدة أمر اساسي وركن ركين لاستدامة العلاقات، فهي المحرك الأول للسلوك الأسري ولتحمل مشتقات الحياة ولتوجيه موارد الأسرة في اتجاه هذه الأهداف، وربما مع زيادة الاتفاق والإنسجام مع هذه الأهداف قد تتخطي أهداف الأسرة حدودها سواء زمانية أو مكانية فتستطيع أن تكون مؤثرة في محيطها المجتمعي.

كل هذا يصب في المبدأ الأهم، مبدأ الحقوق والوجبات لان العلاقات من أجل أن تنجح يجب أن يقدم كل فرد واجبه فيحصل بعد ذلك علي حقوقه واذا تنازل عنها لا يؤدي ذلك إلي علاقة سوية، بل يؤدي إلي انحراف العلاقات وفقدانها و ترسيخ مبدأ الحقوق و الواجبات يؤسس من اليوم الأول للعلاقات الناجحة والمستمرة.

كل هذه العوامل لللآسف لا يتم اختبارها وتأسيسها داخل العلاقات بسبب الأندفعات العاطفية التي تسبق الزواج وبسبب الصور الذهنية التي أسسها العالم الغربي عن روعة العلاقات ما قبل الزواج، دون وجود تقييم منطقي ومتوازن للشخص ومرونته وتوافقهما وتكافؤهما، ويستمر استنزاف البطارية العاطفية قبل الزواج فلا يهتم الطرفان بوضع اهداف مشتركة بينهما ولا يؤسسان لمبدأ الحقوق والواجبات، وربما هذا كله يضع تفسير مبسطاً لانتشار حلات الطلاق في هذه الأيام.

يا صديقي احتفظ ببطارية المشاعر والعواطف الخاصة بك علي الشاحن حتي اتمام الزواج والتأكد من مرونة شريك حياتك القادمة تأكد من توافق الاهتمام بينكما وكن علي يقين من أن كل منكما كفء للآخر، ضع أهداف مشتركة للعلاقة وأسس يا صديقي لمبدأ الحقوق والواجبات بينكما.

وفي النهاية لا تدخل الزواج والبطارية أوشكت علي النفاذ فتتوقف كل محركاتها مع ظهور المشاكل والتأكد من أن الاختيار كان خاطئ بسبب الاندفاعات العاطفية وعدم وجود اختيار عقلي سليم.

بقلم - الدكتور محمد العوامى:
أستاذ مساعد بالطب النفسى فى كلية الطب البشرى بجامعة العاصمة "حلوان سابقاً"