من المقلق أن نرى فى بعض الأماكن قطع الأشجار القديمة والعريقة تحت مسمى “التطوير”. هذا المبرر، وإن كان يبدو منطقيًا في الظاهر، فإنه لا يمكن أن يبرر القضاء على ثروة طبيعية لا تعوّض. فهناك أشجار تجاوز عمرها عشرات السنين، جذورها ضاربة في عمق الأرض، وتاريخها شاهد على تحولات المكان والزمان.
إن ما يُسمى تطويرًا" يجب ألا يكون على حساب البيئة وصحة الإنسان يمكن تطوير الطرق والشوارع دون المساس بالأشجار، عبر حلول هندسية ومرورية حديثة تراعي الحفاظ على المساحات الخضراء. فالعالم المتحضر يتجه اليوم إلى زراعة المزيد من الأشجار، لا إلى إزالتها، إدراكًا لأهميتها في مقاومة التلوث وتحسين جودة الحياة.
إن قطع الأشجار تحت أي مبرر أمر لا يمكن تقبّله ولا تبريره، لأنه ببساطة يُفقد المدن روحها، ويحوّلها إلى غابات من الاسمنت تخنق الإنسان قبل أن تخدمه.
في الوقت الذي تتزايد فيه الكتل الخرسانية وتضيق المساحات الخضراء داخل المدن الكبرى، تظل الأشجار هي الرئة التي تتنفس منها الأرض وسكانها. فوجودها ليس مجرد مظهر جمالي، بل هو ضرورة بيئية وصحية لا يمكن الاستغناء عنها، خصوصًا في المدن المزدحمة بالسيارات والانبعاثات الضارة مثل القاهرة والإسكندرية.
الأشجار تمتص ثاني أكسيد الكربون وتطلق الأكسجين، وتعمل كـ"فلتر طبيعي" ينقّي الهواء من الغبار والملوثات، كما تخفف من درجات الحرارة وتحدّ من ظاهرة الاحتباس الحراري داخل المدن. وهي أيضًا ومصدر للظل والجمال والهدوء في خضم الزحام وضجيج الشوارع.
الأشجار ليست ديكورًا يمكن استبداله، بل كنز بيئي لا يُعوّض، وحمايتها مسؤولية جماعية تتطلب وعيًا مجتمعيًا وتشريعات صارمة تحميها من العبث والإهمال.. و هناك مدن عالمية تدون عمر كل شجرة وترقمها فى سجل وتتباهى بالحفاظ على أشجار تعدى عمرها المئة عام
ولعل الحل الحقيقي يكمن في أن تتحول ثقافة الحفاظ على الأشجار والمساحات الخضراء إلى وعي عام وسلوك يومي، يبدأ من المدارس ويُرسَّخ في عقول الأجيال الجديدة. فالشجرة التي نزرعها اليوم نحصده غدًا ثمارها في بيئة طبيعية أنقى، ومناخ أكثر اعتدالًا، وهواء صحى ينعش الحياة
إن الوعي بأهمية الزراعة والحفاظ على المساحات الحضرية الخضراء يجب أن يكون قيمة راسخة في ضمير المجتمع نغرسها في وجدان أبنائنا كما نغرس الأشجار في أرضنا. فمنها نتعلم الحفاظ على مقدرات الوطن وخدماته العامة، ومنها ندرك أن من يزرع اليوم جهدًا وعملاً وإخلاصًا، يحصد غدًا وطنًا أجمل وحياة أفضل
وليس غريبًا أن نرى أن أغلب الحضارات الكبرى في التاريخ بدأت بالزراعة و المساحات الخضراء والأشجار والبناء، فكانت هي أساس الاستقرار والعمران، ومنها انطلقت الصناعة والتجارة والعلم. فحيث وُجدت وُجدت الحياة، وحيث تُزرع الشجرة تستطيع أن تُبنى الحضارة.