مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

معاً للمستقبل

ليس صكاً للغفران...!!

 

من حسن الطالع أن اليوم هو خير يوم طلعت عليه الشمس، اليوم هو يوم عرفة، والحج عرفة، فيه تغفر الزلّات، وتُجاب الدعوات، ويُباهي الله بعباده أهل السماوات، سُمي عرفة لأنّ الناس يجتمعون فيه، ويتعارف بعضهم على بعض وقيل: عرفة من الاعتراف؛ لأنّ الحجاج يعترفون بذنوبهم، فيطلبون من الله أن يغفرها لهم، وأن يعفو عنهم، وقيل إنّ آدم وحواء لمّا هبطا من الجنة، نزل كل منهما في مكان، ثم اجتمعا وتعارفا في هذا المكان، فسُّمي المكان بعرفة..وأيًّا ما تكن أسباب التسمية فاليوم جديرٌ بها وأكثر، فالوقوف بعرفة ركن الحج الأعظم، لا حج لمن لم يقف بعرفات الله.
هنا تتلاقى مشاعر الحجيج وتتوحد غاياتهم ومناسكهم في مؤتمر إسلامي هو الأكبر والأنفع للناس والأمة؛ جعله الله ملتقى للوحدة والمنافع.. " ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات". "
الحج عبادة جامعة وركن ركين من أركان الإسلام الخمسة، ليس الغاية منه التعب والسفر وبذل المال والجهد إذا ما توفرت الاستطاعة بل هو رمزية عظيمة لوحدة الكلمة والصف لتلك الأمة المبعثرة..وهل هناك أشد مما تعانيه أمتنا في تلك الأيام ..ألسنا في أشد الحج لوحدة الموقف والمصير والموارد لصد ما يحاك بنا ويراد لنا ..فهل تعرضت الأمة لأقسى مما تتعرض له الآن من أزمات ومخاطر حتى تتوحد على جامعة تحشد بها الطاقات لاستنقاذ نفسها مما ينتظرها من عاقبة غير محمودة إذا ما بقيت على فرقتها وضعفها..ودفع الأذى وحرب التجويع والإبادة التي يتعرض لها أهلنا في غزة!!
الحج موعظة للحكام والمحكومين على السوء..فقد جعله النبي الكريم مناسبة لتدارس أحوال المسلمين وشئونهم وقضاياهم.. فإذا كان الحجيج قد ارتدوا زيًا واحدًا ووقفوا في صعيد واحد وفي وقت واحد ليؤدوا شعائر ونسكًا واحدة فكيف يختلفون أو يتقاعسون عن نصرة أنفسهم .. كيف تتباعد مواقفهم بينما همومهم واحدة وقضاياهم واحدة وغايتهم واحدة .. أليس الإرهاب الملتحف زي الإسلام بهتانًا وزورا يقف على أبوابهم جميعًا .. أليس عدوهم واحدًا يتربص بهم جميعًا..أليست أزماتهم واحدة وأخطار التقسيم والتمزيق تتهدد دولهم جميعًا بلا استثناء .. فلماذا لا تتوحد جهودهم وتتكامل اقتصادياتهم وتقف على قلب رجل واحد في مواجهة الفقر والتخلف والتطرف والفهم الخاطئ للدين ومقاصده.
الحج طاقة روحية لا حدود لها، وعبادة جامعة تشتاق لها قلوب المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، ورغم عظمة تلك الشعائر فإنها فرضت في العمر مرة واحدة متى توفرت لها شرط الاستطاعة بشقيها المالي والبدني .
وهنا يتجدد سؤال جوهري لا يزال في حاجة لإجابة قاطعة تنهى ما قد يثور حوله من جدل وهو : هل تكرار الحج والعمرة أفضل أم التكفل بالفقراء والجوعى والمرضى وما أكثرهم في كل دولة مسلمة..وهل هذا التكرار يمحو تكرار الذنوب والخطايا كما يعتقد بعض الأغنياء..أم أن الحج كالصلاة ومن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له .. فهل يعتقد هؤلاء أن تكرار الحج والعمرة بمثابة صك لغفران خطاياهم وذنوبهم التي تركوا لأنفسهم العنان في ارتكابها طوال العام اتكالًا على تكرار الحج والعمرة ..ومن أين يعلم هؤلاء هل قبل الله حجهم أم رده عليهم .. وإذا كان تكرار الحج جائزًا لمن يفعل ذلك بماله الحلال فهل يجوز ذلك لمن يكرر الحج بمال الحكومة أو غيرها .. أليس ذلك إهدارًا للمال العام ..وماذا يقول من يفعل ذلك وهو لا يصلي أصلاً ويمتنع عن أداء الزكاة والصيام .. فكيف يستقيم العود والظل أعوج ؟
..وماذا يقول من يفعل ذلك وهو لا يصلي أصلاً بل ويمتنع عن أداء الزكاة والصيام .. فكيف يستقيم العود والظل أعوج ؟! 

وإذا كان ذلك كذلك .. فلماذا الإصرار والتسابق على تكرار الحج والعمرة رغم ظروفنا الاقتصادية الصعبة ..وما تعانيه بلادنا من تخلف ومرض وفقر لا يخفى علي أحد.. ألا يرجح فقه الأولويات إنفاق المال في سبل النفع العام للمجتمع.. فكيف يبيت المؤمن شبعان وجاره جائع وما أكثر الجوعى حولنا.. وكيف يسافر الحاج مكرراً حجه أو عمرته ..بينما يعاني ملايين المرضى في بلده بلا علاج شافٍ يخفف آلامهم ويرحم أوجاعهم..وبينما لا يجد آلاف الطلاب أماكن مناسبة في مدارسهم بخلاف ملايين الفقراء والمساكين في المناطق الفقيرة، ناهيك عن أطفال الشوارع ..؟!
أليس خير الناس أنفعهم للناس .. فهل يظن الأغنياء أن تكرارهم الحج والعمرة يقربهم إلى الله أكثر ويمنحهم الثواب الأعظم .. وهل ينسون قول الرسول الكريم " من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم " ..وقوله "والله لا يؤمن قيل من يا رسول الله قال من بات شبعانًا وجاره جائع ؟!
في الدول المتقدمة لا تفعل الحكومات وحدها كل شئ بل هناك روافع للتنمية تتمثل في منظمات المجتمع المدني ورجال الأعمال الذين عليهم مسئولية اجتماعية كبرى للإسهام في نهضة المجتمع وحل مشاكله . 
ألا يعلم هؤلاء أن الإنفاق على المحتاجين أولى وأفضل عند الله .. وأنه ما جاع فقير إلا ببخل غني.. وأن ثواب علاج مريض فقير أو بناء مستشفى أو ملجأ للأيتام أعظم من تكرار الحج والعمرة ..؟
   الحج تجرد ورجوع إلى الله وتطهير للنفس ..والحجاج أولى الناس بالعودة إلى الحق .. وما أحوجنا جميعًا أن نصحح مفاهيمنا؛ فالتدين الظاهري لا يغني من الحق شيئاً وأن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا لوجهه طيبًا لا رياء فيه ولا سمعة  
ما أحوجنا جميعًا لأن نصحح مفاهيمنا؛ فالتدين الظاهري لا ينجي صاحبه، ولا يرفع درجته عند الله الذي لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا لوجهه متقناً لا رياء فيه ولا سمعة ولا أذى.
تكرار الحج والعمرة لم يوجبه الله تعالى، ولم يدع إليه نبيه الكريم الذي سكت حينما سأله أحد الصحابة عن ذلك حتى كرر سائله سؤاله: أفي كل عام يا رسول الله فأجابه الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: لو قلت نعم لوجبت، ما يعني أن تكرار الحج والعمرة ليس فرضاً.
كنا نرجو أن يخرج علماؤنا وفقهاؤنا في هذه الأيام ليوضحوا للناس أن شرع الله يتحقق أينما وجدت مصلحة المسلمين.. وأن الله سائلهم عن أموالهم من أين اكتسبوها وفيم أنفقوها، لابد أن يوضحوا للأغنياء أن عليهم مسئولية اجتماعية كبرى وحقاً معلوماً في أموالهم وأن نهضة المجتمع في أعناقهم..كما أن حل مشكلات مصر هو أوجب واجبات الوقت وأنها مقدمة بلا شك على تكرار الحج والعمرة؛ فالإنفاق على المحتاجين أفضل عند الله مما سواه.
الحج فرصة للتقارب ولم شمل المسلمين ولابد من احترام المال وتوظيفه بصورة مثلى كتقديم مساعدات للمحتاجين وتوليد فرص عمل للمتعطلين والإسهام في مشروعات ذات نفع عام ..هذا هو الدرس الذي نحتاج للتأسي به حتى نتفادى فساد الرأسمالية المتوحشة ونؤسس لرأسمالية وطنية جديدة تبني وتعمر وتشارك في بناء الأمم وإسعاد البشرية ..!    
اللهم اجمع شمل أمتنا ووحد كلمتها وارزقها السلامة من الإرهاب والتآمر وتكالب الأعداء والهمها سبل الوحدة والتآلف والتآزر والترابط حتى لا يطمع فيهم الأعداء من كل جانب
اللهم اجمع شعب مصر على قلب رجل واحد وارزقنا العمل والإنتاج والكف عن الجدل وتصديق الشائعات ونبذ الخلافات وترك الانقسامات والمشاحنات والمزايدات والاستقطابات والأنانية وإيثار المصالح الضيقة على صالح البلاد.
اللهم ارزق حكومتنا حسن التفكير والتدبير وتفهم حقيقة الأزمات والقدرة على وضع الحلول للخروج منها، ومواجهة الارتفاع المستمر للأسعار وجشع التجار وغياب الرقابة والنزول للمواطنين ومعايشة همومهم على الطبيعة في الأسواق والعشوائيات وشتى مواقع العمل والإنتاج.
اللهم انزع الخناجر من أيدينا والبغضاء من قلوبنا والعداوة من بيننا وأبدلنا بها مودة ورحمة ووفاقا وسكينة ورضا وقناعة ..اللهم أصلح إعلامنا واجعله موضوعياً بناء مصلحا ومرشداً وليس هداماً أو مضللاً.  
اللهم اجعل فرحتنا بالعيد من القلب..نتراحم فيما بيننا ..نمسح دوع اليتامى والثكالى وذوي الشهداء الأبرار من رجال الجيش والشرطة ..اللهم اجعل مصر واحة للأمن والأمان والاستقرار وقبلة للاستثمارات من الشرق والغرب..اللهم اجعل لأهل غزة وفلسطين من بطش الظالمين مخرجًا واحقن دماءهم وأطعم جوعاهم وداو مرضاهم وتقبل شهداءهم ..اللهم آمين.