صوتان من أعماق التاريخ... يوحّدان الرؤية للتنمية المشتركة
من القاهرة، حيث تتعانق الأهرامات مع سور الصين العظيم وحيث تنبض الأرض بتاريخٍ ضارب في الجذور، انطلقت يوم الخميس الماضي فعاليات منتدى "حوار القاهرة" تحت عنوان "التحديث الصيني النمط والعالم"، وفي لحظة رمزية تعكس التقاء حضارتين عريقتين ، نظم المكتب الإقليمي لوكالة أنباء ((شينخوا)) بالشرق الأوسط، والسفارة الصينية بالقاهرة، وإدارة الشؤون الخارجية بوكالة ((شينخوا))، ومعهد أبحاث وكالة ((شينخوا))، وإدارة التخطيط العلمي التابعة للأكاديمية المركزية لتاريخ الحزب والأدب، هذا المنتدي الهام .
وقد تلاقت الرؤى والتجارب بين خبراء من مصر والصين لصياغة تصور مشترك لمستقبل عالمي أكثر إنصافًا، يقوم على التحديث، والانفتاح، والاحترام المتبادل بين الشعوب، حيث شارك في أعمال المنتدى أكثر من 100 شخصية من الدوائر السياسية والدبلوماسية ومراكز الفكر والإعلام من مصر والصين، لتكون هذه الفعالية منصة جديدة لتلاقي الرؤى بين الدولتين.
وخلال المنتدي أكد السفير لياو لي تشيانغ، سفير الصين لدى مصر وممثل بلاده لدى جامعة الدول العربية، أن التعاون المصرى - الصينى، حقق انجازات كثيرة بفضل القيادة الاستراتيجية للرئيسين السيسى وشى، وقال إن الصين أكبر شريك تجارى لمصر لـ13 عاما متتاليا، حيث بلغ حجم التبادل التجارى بين البلدين فى العام الماضي 17.4 مليار دولار، بزيادة 10% على أساس سنوى.
كما أوضح أنه بفضل الجهود المشتركة، ستحقق الصين والدول العربية المزيد من النتائج في سعيهما نحو التحديث وبناء مبادرة الحزام والطريق بشكل مشترك. كما أشار إلى أن التحديات التي يفرضها الوضع التجاري الدولي المتوتر يمكن أن تتحول إلى فرص لتعميق التعاون وبناء مجتمعات صينية - مصرية وصينية - عربية ذات مصير مشترك.
ومن جانبه، أكد الدكتور عصام شرف، رئيس الوزراء المصري الأسبق، أن الصين حققت ازدهارًا داخليًا من خلال حملتها التحديثية، وازدهارًا عالميًا من خلال بناء مجتمع ذي مستقبل مشترك للبشرية.
فيما أشار السفير عزت سعد، المدير التنفيذي للمجلس المصري للشؤون الخارجية، الي أن نظرية التحديث الصيني النمط قد حطمت أسطورة "أن التحديث يعني التغريب"، بل استجابت لاهتمامات الدول النامية وعبّرت عن رؤاها وتطلعاتها. وأوضح سعد أن الدول النامية ستتبنى بلا شك هذه النظرية لأنها تقدم خيارات جديدة وتساهم بشكل كبير في عملية التحديث البشري.
استندت نقاشات المنتدى بشكل كبير إلى فكر الرئيس الصيني ، لا سيما في ما يتعلق بالاشتراكية ذات الخصائص الصينية في العصر الجديد، وهي المنظومة الفكرية التي توجه مسار الصين نحو التنمية الشاملة والمستدامة، وتؤكد على احترام الخصوصية الوطنية، والاعتماد على الذات، والانفتاح الواعي على العالم.
واستعرض المشاركون سلسلة من الخطابات والتصريحات التي أدلى بها الرئيس شي بشأن "العمل المشترك لبناء مجتمع المصير المشترك الصيني ـ العربي في العصر الجديد"، حيث أكد في أكثر من مناسبة على أن الصين والعالم العربي يشكلان شركاء طبيعيين في تحقيق التنمية وتعزيز السلام العالمي.
عقد خلال المنتدي جلستان الأولى بعنوان "حوار الإعلام ومراكز الفكر حول التحديث الصيني النمط" تم خلالها مناقشة دور الإعلام ومراكز الفكر في تعزيز التفاهم بشأن التحديث الصيني النمط في العالم العربي. وشارك فيها عدد من الشخصيات البارزة مثل الاستاذ أحمد كمال، رئيس مجلس إدارة ورئيس تحرير وكالة أنباء الشرق الأوسط المصرية ، والدكتور أسامة السعيد، رئيس تحرير صحيفة "الأخبار ، والاستاذ أحمد سليمان، رئيس تحرير صحيفتي "المساء" و"بوابة الجمهورية"، والدكتورة خديجة عرفة، رئيس الإدارة المركزية للتواصل المجتمعي بمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء المصري.
تم خلال هذه الجلسة تسليط الضوء على أهمية الإعلام في نقل صورة دقيقة عن التحديث الصيني، ودوره في تعزيز التبادل الثقافي والفكري بين الصين والدول العربية. كما تم التأكيد على أهمية تكامل الجهود الإعلامية لتعريف الجمهور العربي بنموذج التحديث الصيني.
أما الجلسة الثانية كانت بعنوان "التحديث الصيني النمط من منظور دول الجنوب العالمي" تم من خلالها التطرق إلى كيفية استفادة دول الجنوب العالمي من التجربة الصينية في التحديث والنمو الاقتصادي، بالإضافة إلى التحديات المشتركة التي تواجه هذه الدول. شارك في هذه الجلسة كل من الاستاذ أحمد بهاء الدين شعبان، الأمين العام للحزب الاشتراكي المصري، والدكتور ضياء حلمي الفقي، الأمين العام لغرفة التجارة المصرية الصينية ، الدكتورة سماء سليمان، وكيل لجنة الشؤون الخارجية والعربية والأفريقية بمجلس الشيوخ المصري ، والدكتورة هدير سعيد، أستاذ مساعد العلوم السياسية بمعهد البحوث والدراسات العربية.
تم خلال الجلسة مناقشة كيف يمكن لدول الجنوب العالمي الاستفادة من نموذج التحديث الصيني، وكذلك كيفية تعزيز التعاون بين هذه الدول لمواجهة التحديات الاقتصادية والسياسية المشتركة؟
واشار المشاركون الي أن الصين قد قدمت نموذجًا بديلًا يقوم على التكامل الإقليمي، وتحفيز التجارة الحرة مع دول الجنوب العالمي، وتعزيز التعاون المالي عبر مبادرات مثل استخدام اليوان الصيني في المبادلات التجارية.
وأكدوا ان التحديث الصيني لم يقتصر على الجانب الإنتاجي، بل شمل أيضًا تطورًا لافتًا في البنية المالية والتجارية ، حيث شهدت شركات التكنولوجيا المالية الصينية توسعًا في خدمات الدفع الإلكتروني عبر الحدود، حيث سجلت تطبيقات مثل "علي باي" و"وي تشات باي" زيادة في عدد المعاملات الدولية وهو ما يعكس التحديث الشامل للنظام المالي الصيني وتكيفه مع اقتصاد عالمي سريع التغير ، خاصة في ظل تصاعد الحروب التجارية والرسوم الجمركية الأميركية التي تستهدف التكنولوجيا الصينية، برزت الحاجة إلى نظام مالي عالمي متعدد الأقطاب يكسر هيمنة العملة الواحدة ويمنح الدول حقها في تقرير مصيرها المالي.
من الهام هنا الإشارة إلى رمزية إطلاق هذا المنتدى من القاهرة، الدولة التي تمثل، كما الصين، حضارة ممتدة لآلاف السنين. حيث يعد استضافة القاهرة لهذا المنتدى تكريس لشراكة استراتيجية تنمو يومًا بعد يوم بين مصر والصين. فالدولتان، رغم تباعد الجغرافيا، تتلاقيان في طموحاتهما لبناء مستقبل تنموي يرتكز على العدالة الاجتماعية، واحترام الخصوصيات الحضارية، والدفع المشترك نحو نظام عالمي أكثر توازنًا وإنصافًا.
نموذج عملي للتحديث الصيني النمط
لعل أبرز أوجه التحديث الصيني النمط التي يجب تسليط الضوء عليها كانت المناورة العسكرية المشتركة "نسور الحضارة" بين مصر والصين. تعتبر هذه المناورة تجسيدًا حيًا للتعاون العسكري بين البلدين، وتمثل خطوة مهمة نحو تحديث القدرات الدفاعية وتعزيز التعاون الأمني. وتشير هذه المناورة إلى أن التحديث الصيني النمط لا يتوقف عند الاقتصاد فقط، بل يمتد ليشمل أيضًا المجال العسكري، مما يعكس الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين مصر والصين في جميع المجالات.
ومن أبرز ما يخرج به هذا المنتدى هو التأكيد على أن التحديث الصيني النمط ليس مجرد تجربة وطنية، بل أصبح نموذجًا عالميًا يمكن الاستفادة منه، وخاصة في دول الجنوب العالمي مثل مصر، التي تبحث عن مسارات بديلة للنمو لا تُقيدها إملاءات القوى التقليدية.
*المستشار الاعلامي المصري السابق ببكين
خبير وباحث في الشئون الصينية
وكيل الوزارة بالهيئة العامة للاستعلامات سابقاً
[email protected]