كل شخص مسئولٌ؛ فإن لم يكن مسئولًا عن غيره من أسرة أو رعية فإنه على الأقل مسئول عن نفسه وعن تصرفاته أمام الله يوم الموقف العظيم يقول الله تعالى " وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ (الصافات:24).
كلنا مسئولون بدرجة أو بأخرى، وكل راعٍ مسئول عن رعيته؛ يقول النبي صلى الله عليه وسلم:" أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ، وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ، وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ، أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ".
الراعي الحق حافظٌ ومؤتمن؛ يوكَل إليه تدبير الشيء وسياسته وحفظه ورعايته؛ فالطبيب راعٍ لمرضاه وهو مسئول عن رعيته، والمحامي مسئول عن موكليه، والبرلماني مسئول عن أبناء دائرته، والمعلم مسئول عن تلاميذه، والسياسي مسئول عن رعيته؛ يسعى لتسيير أمورهم وتيسيرها، وتلبية احتياجاتهم دون مشقة.
المسئول الحقيقى هو الذي ينجح، يسعد، ينهض بحياته، ينفع نفسه وينفع غيره، إذا أخطأ فإنه يسارع للاعتراف بخطئه ويعود للحق؛ فإن الرجوع للحق خيرٌ من التمادي في الباطل؛ المسئول الحق يتحمل مسئولية أخطائه واجتهاداته، بخلاف الشخص الكسول غير المسئول يصبر على الفقر، على المصائب، على القيل والقال، وإضاعة الوقت والمال، ثم يتحجج بالقدر والآخرين والظروف.
المسئول الحق منفعة لنفسه وللآخرين، الكسول ضرر على نفسه والآخرين..!!
ولعل حال المسئول في الدنيا هو بين أمرين؛ فهو إما ممدوح مأجور (يحصل على الأجر والثواب من الله، والشكر والثناء من الناس) وإما مأزور (يحمل الوزر ويستحق العقاب من الله، والذم من الناس).
وشتان بين حال المسئول- أي مسئول- وهو يتلقى نبأ تكليفه بالمنصب، وبين حاله وهو يغادر منصبه، في الحالة الأولى يشعر صاحب المنصب ومن حوله بالفرحة وربما بزهو ونشوة واعتزاز بما يجلبه ذلك المنصب لصاحبه من نفوذ ولمن حوله بالمنافع ..إذا حضر المنصب أقبلت الدنيا على صاحبه ، وكثر من حوله المنتفعون والراغبون في جنى المكاسب، أما إذا جري استبعاد المسئول ، فهو بين حالين، فإن كان صالحًا راعيًا لأمانته فإنه يغادر مكانه وهو يحمل فوق كتفيه تاريخًا مشرفًا يضعه في مصاف العظماء وأهل المصداقية، مصحوبًا برضا الله والناس الذين يحزنون على تركه لمنصبه، أما إن أساء وضيع أمانته فسرعان ما تظهر مشاعر الشماتة فيه من الكارهين وربما من المحبين المزيفين، وينصرف عنه المنافقون المنتفعون الذين تحلقوا حوله من كل حدب وصوب رغبًا وطمعًا، وسارع الذين طالما زينوا له سوء عمله، لينفضوا عنه في غمضة عين بلا تردد، ولمَ لا وقد انقطعت عن صاحبهم أسباب النفع وتقطعت بهم سبل المغانم الواصلة إليه..هكذا هي الدنيا التي لخصها حكيمٌ بقوله:
رأيت الناس قد ذهبوا ** إلى من عنده ذهب
ومن لا عنده ذهب ** فعنه الناس قد ذهبوا
وهنا يثور سؤال: ألا يعلم كل مسئول أنه سيغادر يوماً منصبه..؟!
لماذا لم يأخذ العبرة ممن سبقه..لماذا يصر البعض على كتابة سطور القصة من البداية وكأنه لم يسمع أو يقرأ تفاصيل عاشها غيره وانتهت به إلى غير ما يحب ويتمنى ..أليس الحكيم من اتعظ بغيره، ولم يأخذ العبرة من نفسه؟!
"الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها"
أما الحكمة فهى الحكم على الأمور، والحكم بين الناس، والحكم على الناس وحكم الناس، كما تعنى الحكمة أيضًا الإجمال والإتقان والدقة والضبط؛ ومن ثم فالحكمة بصيرة نورانية
لا يدركها إلا صاحب قلب سليم وفطرة نقية وعقل سديد يدرك أن الأيام دولٌ، ولا شيء يدوم، فالدنيا يوم حلو ويوم مر، والمنصب أيًّا كان هو عرَض زائل لا يستقر عند أحد، فلو دام لغيرك ما وصل إليك، وهو ما يجعل أداء الأمانة على وجهها بإخلاص وتفانٍ وتجرد ونزاهة وزهد، ورغبة صادقة في خدمة الناس ونفعهم ضمانة أساسية تجعل يوم مغادرة الوزير أو أي مسئول لمنصبه أحب إليه من يوم توليه لهذا المنصب، وتجعل سيرتهم محمودة، ويبقيهم في ذاكرة الناس مثالًا للشرف والاستقامة والإنجاز وطهارة اليد.
وإذا كان المنصب القيادي في زماننا يمنح صاحبه سلطة ونفوذًا وظهورًا إعلاميًا مكثفًا فإن من مقتضيات هذا المنصب أيضًا أن يحفظ أمانته، وألا يتكسب من ورائه ما ليس من حقه، وألا يتربح منه شيئًا ما كان أن يصل إليه لولا وجوده في هذا المكان..حتى الهدية لا يجوز لصاحب المنصب أن يقبلها من أحد طالما شعر أنه سيدفع ثمنها لا محالة من منصبه.. ولنا في رسول الله قدوة حسنة؛ ذلك أنه صلى الله عليه وسلم رغم ترغيبه في التهادي بين الأهل والأصحاب والأحبة لزيادة المحبة بين الناس؛ لكنه رفض الإهداء لذوى المناصب؛ ومن على شاكلتهم من الموظفين والعاملين ومن في معناهم من القضاة والأمراء والولاة، وذلك سداً لذريعة الرشوة، فما أبعد ما بين الهدية المأمور بها المثاب عليها، والرشوة المحرمة المنهي عنها وإن سُمِّيَت أو غُلِّفَت بغلاف الهدية. فعن أبى حُمَيْد الساعدى رضي الله عنه قال: "استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا على صدقات بنى سليم يدعى ابن اللُّتْبِيَّة، فلما جاء حاسبه، قال: هذا مالكم، وهذا هدية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فهلَّا جلستَ في بيت أبيك وأمك حتى تأتيك هديتك إن كُنْتَ صادقا؟! ثم خطبنا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإني أستعمل الرجل منكم على العمل مما ولاني الله، فيأتي فيقول: هذا مالكم، وهذا هدية أهديت لي! أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته؟! والله لا يأخذ أحد منكم شيئاً بغير حقه إلا لقِيَ الله يحمله يوم القيامة، فلَأعرِفَنَّ أحداً منكم لقي الله يحمل بعيراً له رُغاء (صوت)، أو بقرة لها خُوار، أو شاة تيعر (تصيح) ثم رفع يديه حتى رؤى بياض إبطيه يقول: اللهم هل بلغت".
ومن مقتضيات المسئولية لأي مسئول أنه يتحمل شخصيًا مسئولية كل قرار يصدر عنه أو عن مرءوسيه، ويتحمل بالضرورة أخطاء فريق العمل الذي يعمل تحت إمرته في كل موقع، وتلك هي روح المسئولية السياسية التي يغفل عنها أو يتجاهلها البعض، والتي تجعل المدير أو القائد مسئولاً عن أخطاء مرءوسيه أيًا ما كانت وظائفهم، وأن الفارق بين مسئول وآخر هو الأداء المتميز والحس السياسي والرؤية الواسعة التي تتحرر من الإغراق في تفاصيل يومية روتينية يحسن أن يباشرها مساعدون أكفاء يتولى المسئول اختيارهم بعناية.. ولن يتحقق النجاح المأمول ما لم يكن هذا المسئول حاضراً بشكل فاعل بمتابعة مستمرة دءوبة تفرض على القائمين تنفيذ توجيهاته بدقة متناهية وكأنه موجود بشخصه فى كل صغيرة وكبيرة.
نجاح المسئول لا يأتي من فراغ بل يستلزم مهارات قيادية وتخطيطًا علميًا بمعايير عالمية ونشاط دائم لا يكل ولا يمل، ويأخذ من الراحة ما يعينه على مداومة النشاط المبدع بنفس الطاقة مع توزيع للجهد حتى يحفظ للذهن قوته ويضمن السلامة لقراراته في وقتها المناسب دون إبطاء أو استعجال.
العدالة مع المرءوسين وتقديم أهل الخبرة والقدرة يضمن تكافؤ الفرص واستدامة الإنجاز، مع الحركة الدائبة وسط الجماهير لحل مشاكلهم وعدم الاتكال على التقارير المكتبية التي تستند لقاعدة بيروقراطية مفادها أن كله تمام وليس في الإمكان أفضل مما كان، فتلك آفة لا يسلم منها إلا من أوتى بصيرة ثاقبة ورؤية نافذة ترى ما لا يراه الآخرون.
الحرص على رضاء المواطن والتزام الشفافية والمصارحة واحترام الرأي العام وتجنب تعارض المصالح يجلب للمسئول حب الناس ويوفر للحكومة ظهيرًا شعبيًا يؤيدها ويضمن النجاح لقراراتها..المهم أن يشعر المواطن أن الحكومة تعمل على راحته وتخفيف متاعبه وليس تحميله مزيدا من الأعباء .
المسئول مطالب بأن يحسب ليوم رحيله ألف حساب، وأن يحسب لوقفته أمام الله ألف مليون حساب، فإذا فعل ذلك أمن شر المنصب، وشر المنافقين وبطانة السوء..أما إذا غفل ونسى فلا يلومن إلا نفسه..!!